آراء

الفضاء ساحة قتال إسرائيلية جديدة؟

16 مشاهدة قراءة 6 دقيقة

الكاتب : أنطوان شلحت
 
 أعلن الجيش الإسرائيلي، يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تعيين أول قائد لفرقة الفضاء الجديدة، التي ستقود جهود الجيش في ما يوصف بأنه مجال الحرب الفضائية. وذكرت بيانات الجيش الرسمية بهذه المناسبة أن فرقة الفضاء، التي ستتمركز ضمن شعبة التخطيط، ستتولى "قيادة بناء القوة والعمليات، وتوحيد المعرفة والتدريب، وتطوير مجال الفضاء باعتباره اختصاصاً عسكرياً قائماً بذاته".

وبحسب قيادة الجيش، جاء إنشاء هذه الفرقة بعدما جرى التوصل إلى أن مجال الفضاء أصبح ساحة قتال نشطة، وسيغدو في الأعوام المقبلة ساحة عسكرية آخذة في الاتساع على نحو متزايد. وقد أنشئت هذه الفرقة، كما يُستدل من معلومات موقع الجيش الإسرائيلي، في شباط/ فبراير 2024، بهدف واضح هو جمع كل المهمات التي تُنفَّذ خارج الغلاف الجوي.

وأعلن الجيش في حينه أن "إسرائيل خاضت الحروب مع دول مجاورة لها. ومع ذلك، لا يزال يتعيّن الاستعداد لمواجهات قد تدور أيضاً في ساحات أبعد. وانطلاقاً من هذا التصور، أُنشئت فرقة الفضاء لتلبية الحاجة إلى حرب جوية واسعة، وهي تتألف من قسمين: مشاريع الأقمار الاصطناعية، والتعاون بين سلاح الجو والمنظومة الأمنية".

وبالتوازي مع إنشاء فرقة الفضاء، جرى إقرار سلسلة من المشاريع العسكرية المرتبطة بالفضاء، تشمل تشغيل أجهزة استشعار من الفضاء باتجاه الأرض، إلى جانب نشاطات الحرب الفضائية. وكان سلاح الجو الإسرائيلي، واسمه الرسمي الكامل "سلاح الجو والفضاء"، مسؤولاً عن العمليات المرتبطة بالفضاء، بما في ذلك إطلاق الأقمار الاصطناعية، والدفاع ضد الصواريخ الباليستية. أما أقمار التجسس التابعة للجيش، فتتولى الوحدة (9900) التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية السيطرة عليها بعد إطلاقها إلى الفضاء، وهي وحدة متخصصة في الاستخبارات البصرية.

وتزامن إنشاء فرقة مستقلة للفضاء في الجيش الإسرائيلي مع تأسيس فرقة للروبوتات وتوسيع الاستثمار في الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي، ولا تمثل كل هذه الخطوات مجرد تحديث تنظيمي أو استجابة للتطور التكنولوجي، بل تكشف عن تحول أعمق في تصور إسرائيل لطبيعة الحرب المقبلة. فالفضاء لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجالاً داعماً للاستخبارات والاتصالات والملاحة، وإنما باعتباره ساحة عمليات عسكرية مستقلة، تتداخل فيها قدرات الرصد والإنذار المبكر والدفاع والهجوم، وتصبح السيطرة عليها جزءاً من معادلة التفوّق الإستراتيجي.

وما يجدر التنويه به في هذا الحقل: أولاً، عندما يعلن الجيش الإسرائيلي أن الفضاء أصبح "ساحة قتال نشطة"، وأن أهمية الفضاء العسكرية سوف تتسع أكثر فأكثر في الأعوام المقبلة، فإن ذلك يعكس انتقالاً في التفكير العسكري من استخدام الفضاء بوصفه بنية تحتية مساندة للعمليات الأرضية والجوية والبحرية، إلى التعامل معه باعتباره ميداناً قائماً بذاته، له متطلباته العملياتية والتنظيمية والتكنولوجية.

ثانياً، يعود أحد أسباب هذا الانتقال وما ينطوي عليه من تحوّل إلى أن الأقمار الاصطناعية باتت تشكل عصباً أساسياً للحروب الحديثة؛ فهي توفر معلومات استخباراتية، وصوراً فضائية، وتدعم الاتصالات العسكرية، وتساعد في تحديد المواقع وتوجيه الأسلحة، وتتيح إمكان مراقبة التحركات العسكرية على مساحات جغرافية واسعة. وبالتالي، فإن تعطيل هذه المنظومة أو تدميرها يمكن أن يؤدي إلى إرباك القدرات العملياتية للخصم، حتى من دون الاشتباك المباشر مع قواته على الأرض. ومن هنا، فإن إنشاء فرقة متخصصة في الفضاء يشير أكثر من أي شيء إلى رغبة إسرائيل في الانتقال من مرحلة الاستفادة من البنية الفضائية إلى مرحلة تنظيم القدرات اللازمة لحمايتها واستثمارها عسكرياً، وربما استخدامها في عمليات هجومية ضد الأرصدة الفضائية للخصوم.

ثالثاً، كانت هناك تصريحات لوزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، حول دوافع الطموح الإسرائيلي في ما يتعلق بنشاطات الفضاء الأمنية والعسكرية، اتسم بعضها بوضوح أكبر، وخصوصاً حين تحدث عن غاية توفير القدرة لإسرائيل على "مراقبة أي هدف والدفاع ضده ومهاجمته من الفضاء". وتجمع هذه العبارة ثلاثة مستويات من القدرات العسكرية: الاستطلاع والمراقبة، والدفاع، والهجوم، بما يشير إلى اعتبار الفضاء ساحة قتال جديدة.