ثقافة

وقفة مع كتاب: «تدافع السرديات الجيوثقافية في الشرق الأوسط» للدكتور حاتم الجوهري

15 مشاهدة قراءة 13 دقيقة

الحلقة الأولى: إطلالة عامة

الكاتب : كميل أبو حنيش

يتعيّن عليّ الاعتراف بأن ما قدّمه الدكتور حاتم الجوهري في كتابه «تدافع السرديات الجيوثقافية في الشرق الأوسط»، بجزأيه الصادرين في أغسطس/آب 2026 عن القاهرة – المشروع المشترك للثقافة العربية، يحتاج إلى أكثر من قراءة؛ لأنه، ببساطة، يحمل مشروعاً عربياً تحررياً ونهضوياً وواعدا.
فما يحمله الكتاب من جِدّةٍ وثراءٍ فكريٍّ متّقد، وابتكارٍ في المفردات والصياغات  الفكرية، يجعل من الجوهري أحد المفكرين العرب المبدعين الذين يضعون إصبعهم على أوجاعنا جميعا، ويمسكون بالجمرة الحارّة، ويحملون همَّ أمةٍ متعثرة، عاجزة عن النهوض من كبوتها الطويلة.  محاولا معاينة الحاضر وتلمّس المستقبل واستشرافه، مقدّماً مشروعاً نهضوياً للعرب وللمنطقة، كي تكون نِدّاً قادراً على التصدّي لمسؤوليتها التاريخية، من خلال سردية عالمية تعيدها إلى التاريخ، وتضعها في مصاف الأمم والسرديات الكبرى.

ويمسك بالجوهري، من دون أن تغيب عنه، الحلقة المركزية التي تعيق ولادة مثل هذه السردية، متمثلةً بالمشروع الصهيوني التخريبي، بوصفه إحدى «متلازمات المسألة الأوروبية ومخلّفاتها»، من دون أن يغفل، في الوقت ذاته، عن العوامل الذاتية التي تعيق هذه الولادة الجديدة.

ومن الواضح أن الكاتب قد بذل جهداً كبيراً في إنجاز هذا الكتاب الهام، الذي يقع في جزأين ويأتي على شكل مقالات فكرية واكبت التطورات الجارية في المنطقة والعالم. وقد استخدم ذخيرةً جديدةً من المفردات، استطاع أن يصوغها ويطوّرها انطلاقاً من الواقع المتعيّن، وهذا ما يجعله أحد المجتهدين الذين يقدّمون لأوطانهم جهدهم الفكري، طامحين إلى رؤيتها أمةً ذات حضور فاعل في التاريخ، لا أن تبقى على هوامشه.

ويقدّم لنا الجوهري أطروحته حول التدافع بين عدة سرديات في المنطقة، مقاتلاً فكرياً ثابتاً في سبيل استيلاد سردية غائبة، هي السردية العربية، في ظل واقع متبدل بسرعة كبيرة، واقع معقد تشوبه مخاطر عديدة. ويقدّم سلاحاً أطلق عليه اسم «مستودع الهوية»، بوصفه السلاح الذي لا يسقط ولا يُهزم، حتى إذا هُزمت وتساقطت جبهات أخرى، كالجبهة العسكرية والسياسية.

فهو السلاح الذي تحظى به الأمم والشعوب تخبئه في مكامنها العميقة، وتعود إلى التقاطه في لحظات انكسارها؛ إذ يمثل إكسير حياتها وسرّ كينونتها وبقائها،وتعيه الشعوب وتدرك أهميته في لحظات الهزيمة والانحطاط والمخاطر الوجودية، فتلجأ إليه موضوعياً بوصفه أحد ملاذات الإرادة الإنسانية العنيدة، المتشبثة بالبقاء والمصرة على المقاومة. وهو، في الوقت ذاته، بمثابة المصباح الذي يحث الشعوب على استكشاف ثرواتها الكامنة، ما يتيح لها النهوض من كبواتها.

ويمثل المشروع الصهيوني، في حلّته الجديدة التي يسميها الكاتب «الصهيونية الإبراهيمية»، أكبر خطر على الوجود العربي ومستقبله، وعلى مستودع الهوية والذاكرة؛ لأنه مشروع اختُلق، في الأساس، من أجل إعاقة إمكانية النهوض العربي وإجهاض أية محاولة لتطوير المنطقة، ويسعى لتفجير تناقضاتها، ما يتيح للغرب وقواه الاستعمارية ضمان هيمنتها على المنطقة، ونهب ثرواتها، واحتجاز تقدم دولها وأممها.

ويرى الكاتب أن ثمة أربع سرديات، أو مشاريع، تتدافع للهيمنة على المنطقة وإعادة تشكيلها وفقاً لمصالحها، وهي: الصهيونية، والإيرانية، والتركية، والإثيوبية، في ظل غياب قاتل للسردية العربية، التي تتنازعها هذه السرديات. وهذا ما يدفع إلى ضرورة ولادة مثل هذه السردية، كي تدافع عن وجودها أولاً، ولكي تكون عنصراً فاعلاً بين هذه السرديات.

ويدعو الكاتب إلى البحث عن المشترك بين السردية العربية والسرديات الإقليمية الأخرى، ولا سيما الإيرانية والتركية، فيما يعتبر السردية الصهيونية سرديةً معادية وخطيرة تستهدف جميع السرديات، ولا يمكن أن تنزع نحو التعاون والسلام والتعايش؛ لأن طبيعتها عدوانية وتخريبية، وغريبة، في الأصل، عن المنطقة.

ولا يكتفي الدكتور الجوهري باقتراح سردية عربية في المنطقة تتلاقح أو تتدافع مع بقية السرديات، وإنما يطمح إلى ولادة سردية عربية إسلامية عالمية، يكون مركزها مصر، لكي تقدم نفسها في مواجهة السرديات العالمية الكبرى، مثل السردية الأوراسية والغربية والصينية.

فالسردية الجيوثقافية العربية المقترحة لا تتوقف عند حدود السياسة والاقتصاد والمعرفة والثقافة والتاريخ، وإنما هي سردية قيمية شاملة، تقدم نفسها بديلاً، أو نداً، لباقي السرديات العالمية. وإزاء هذا المشروع المهم والكبير الذي يقدمه لنا الدكتور الجوهري، نجد أنفسنا نتفق معه حيناً، ونختلف معه أحياناً أخرى، محاولين أن نتلمس معاً الخطوات التي من شأنها أن تساعدنا في فهم هذا المشروع وآلياته وممكناته الواقعية.

ستحاول هذه الحلقات تسليط الضوء على ما تضمنه هذا الكتاب المهم، مع أن ذلك لا يمنع من نقده سلباً وإيجاباً، مقدّرين، بالطبع، الجهد الذي بذله الكاتب في إنجاز الكتاب وتنسيقه، ليصل إلينا بهذا الشكل المترابط.

وستعالج الحلقة الثانية في هذه السلسلة المفاهيم التي سكّها الكاتب كمفاتيح لفهم مشروعه الفكري؛ فقد استخدم مفردات ومفاهيم جديدة، يحتاج كل مفهوم منها إلى وقفة ومعالجة، مثل: السردية الجيوثقافية، والصهيونية الإبراهيمية، ومستودع الهوية والذاكرة، والذات العربية، والمسألة الأوروبية وغيرها من المفاهيم التي أضافت جديداً إلى الفكر السياسي العربي.

وهي مفاهيم تنطوي على غايات كبرى ونبيلة، مع أنها، في الوقت ذاته، تنطوي على تكرار لكثير من المفاهيم التي استخدمها هذا الفكر سابقاً ولكن بصيغ اخرى، لكن المعيار يبقى دائماً في مدى إمكان تجسيد الرؤية والتطلعات التي تحملها مثل هذه الأفكار.

وفي الحلقة الثالثة، سنتابع مع الكاتب موضوع التدافع بين أربع سرديات جيوثقافية في المنطقة: الصهيونية، والإيرانية، والتركية، والإثيوبية، وغياب السردية العربية التي يُفترض أن تكون السردية المركزية بين هذه السرديات. فما العوامل التي تحول دون ولادة هذه السردية؟ وما ممكنات انطلاقتها؟

فالكاتب لا يرى في هذه السردية حقيقةً موضوعيةً فحسب، وإنما يرى فيها سرديةً تصلح لأن تتخطى الإقليمية لتغدو عالمية. كما يرى إمكاناً للتلاقح والتفاعل بين السردية العربية المقترحة والسرديتين الإيرانية والتركية، مستبعداً أية إمكانية للتلاقي مع السردية الصهيونية، بوصفها سردية استعمارية معادية وعنصرية.

وسنتوقف أيضاً أمام الكيفية التي استطاعت بها هذه السردية أن تُخرب المنطقة، وأن تؤثر سلباً في سرديات أخرى، كالسردية الإثيوبية التي، بفعل علاقتها مع الصهيونية، أصبحت خاضعة لها ومتواطئة معها على دول المنطقة ومصالحها.

أما الحلقة الرابعة، فستعالج مفهوم «الذات العربية»، حيث يستخدم الكاتب هذا المفهوم مراراً، بدلاً من المفهوم الدارج، وهو «الأمة العربية». ففي مفهوم الذات العربية، الذي يُفترض أن يقوم عليه البناء الفكري كله لمشروع السردية الجيوثقافية العربية، نجد، في الوقت ذاته، خللاً واضحاً.

فالكاتب لم يفسر مضمون هذا المفهوم، وتركه فضفاضاً ومفتوحاً، بل وملتبساً إلى حدّ جعل هذا المفهوم أحد أهم مواطن الضعف في مشروعه. فهل «الذات العربية» هي أمة، أم حالة، أم شعوب، أم دول؟ وكيف لهذه «الذات» أن تمثل ذاتاً حقيقية في ظل واقعها المتشرذم والمنقسم والواهن؟

وهل أثبتت الذات العربية فعلاً قدرتها على الصمود في وجه القوة الغاشمة؟ وهل كان بمقدورها الدفاع عن «مستودع هويتها» وقيمها، وفي القلب منها فلسطين؟ وهل تؤمن الذات العربية فعلاً بثوابتها كما يرى الكاتب؟ إنها مسائل تحتاج إلى بحث، ولا سيما أن ثمة تنازعاً وتناقضاً كبيرين بين عدة سرديات داخل السردية العربية المقترحة نفسها.

أما الحلقة الخامسة، فستتوقف عند مصر، التي يرى فيها الكاتب مجسِّداً وحاملاً ومركزاً لمشروع السردية العربية الكبرى بشقيها الإقليمي والعالمي، داعياً إياها إلى تبني «فرضية حضارية مضادة لإيقاف نزيف الذات العربية والدفاع عن مستودع هويتها».

لكن ذلك مشروط بقدرة مصر على«إدارة التناقضات» داخل مستودع الهوية العربية، وفي تدافعه مع المكونات التركية والإيرانية والصهيونية، وكذلك بضرورة «التصالح مع مشروع الثورات العربية، وثورة 25 يناير 2011 على وجه الخصوص»، بوصفها إضافةً ناعمة؛ لأن مصر بحاجة إلى سردية كبرى تتجاوز الاستقطابات الداخلية وتواجه التحولات الخارجية.

لقد أولى الكاتب مصر أهميةً فائقة في حمل المسؤولية التاريخية لتجسيد هذا المشروع وقيادته. فما ممكنات أن تأخذ مصر على عاتقها حمل هذا المشروع العظيم؟ وهل لا تزال مصر تمثل التعبير الأبرز عن الذات العربية، بما يؤهلها لحمل مسؤولية قيادتها والإبحار بها إلى برّ الأمان؟

إن سؤال السردية العربية الكبرى التي يقترحها الكتاب يمثل حلم أحلام العرب من المحيط إلى الخليج؛ لكن الاجتهادات المتعددة في الإجابة عن هذا السؤال جعلت من الحلم كابوساً في كثير من المراحل والمحطات. ومع ذلك، لا ينبغي للاجتهادات أن تتوقف، ويمثل كتاب الجوهري محاولةً مهمةً في رأب الصدع العربي، واقتراح مثل هذه الفكرة الكبيرة والنبيلة.

أجل، نحن بحاجة إلى الانطلاق من الهامش نحو مركز الحدث العالمي.