الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن
ثمة مفارقات قاسية لا تكشف حجم المأساة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني فحسب، بل تضعنا أمام أسئلة موجعة عن معنى الحرية، وحدود المسؤولية الوطنية، ومكانة الإنسان في حسابات السياسة. ومن أقسى هذه المفارقات أن يجد أسير فلسطيني أمضى ثلاثين عاماً أو أكثر خلف القضبان نفسه، بعد الإفراج عنه، أمام سؤال لم يخطر بباله يوماً: هل أصبحت العودة إلى السجن، على ما فيها من قهر وإذلال، أقل إيلاماً من البقاء في منفى يعجز فيه عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة؟
لسنا هنا أمام حنين إلى السجون، ولا أمام تقليل من بشاعة ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون على أيدي سجانيهم. نحن أمام مفارقة تختصر مأساة الحرية حين تُنتزع من الإنسان في صورة، ثم لا يجد في الصورة الأخرى ما يصون كرامته أو يمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.
لقد خرجنا من السجون بعد عقود من الأسر، لم نغادر أوطاننا بإرادتنا، ولم نختر المنفى الذي وجدنا أنفسنا فيه. كنا نعيش داخل السجون، بعيداً عن تفاصيل المفاوضات والترتيبات التي أفضت إلى الإفراج عنا وإبعادنا، ولم نكن نعرف كيف رُسمت ملامح حياتنا بعد التحرر، ولا ما الذي ينتظرنا خارج الأسوار.
انتظرنا الحرية سنوات طويلة، وحلمنا بأن تكون لحظة الإفراج بداية لاستعادة ما سلبته منا عقود الأسر؛ أن نرى العالم الذي تغير، وأن نستعيد علاقتنا بالحياة، وأن نقترب من وطن ظل حاضراً في وجداننا رغم المسافات والجدران. لكننا خرجنا لنجد أنفسنا أمام واقع لم نكن مستعدين له: وطن جريح، وغزة مدمرة، وشعب يواجه الموت والتهجير وفقدان المأوى، وأسرى محررون مبعدون قسراً لا يعرف بعضهم كيف يؤمّن استقراره، ولا إلى من يتوجه حين تضيق به سبل العيش.
خرجنا من محرقة السجون، فإذا بالمنفى يضعنا أمام محنة من نوع آخر؛ محنة لا تتمثل في القضبان والسجان، بل في العجز عن تأمين أبسط احتياجات الحياة، وفي غياب الأفق الواضح الذي يتيح للإنسان أن يستعيد استقلاله ويخطط لمستقبله.
وهنا يبرز السؤال الذي نريد أن يصل إلى العقول والضمائر: ما الفرق بين أن تُخدش كرامة الإنسان تحت وطأة عدو يستقوي عليه ويبطش به، وبين أن تتآكل كرامته لأنه عاجز عن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم وهو خارج السجن؟
في السجن، نعرف مصدر القهر؛ إنه السجان والاحتلال الذي يسلبنا حريتنا ويعاملنا بوصفنا أسرى تحت سلطته. أما في المنفى، فنجد أنفسنا أمام عجز لا نعرف له عنواناً واضحاً، وأسئلة تتزاحم من دون إجابات: لماذا نعجز عن إيواء أنفسنا؟ لماذا يصبح تأمين مكان آمن للاستقرار معركة يومية؟ وإلى من يلجأ الأسير المحرر حين يجد نفسه أمام مستقبل غامض، لا يملك فيه أسباب الاستقرار ولا يعرف الجهة التي تتولى مسؤولية متابعة أوضاعه؟
إن المعاناة في الحالتين ليست واحدة، لكن ذلك لا يلغي أن العجز عن العيش بكرامة يترك جرحاً عميقاً في نفس الإنسان، ولا سيما حين يكون قد دفع من عمره وحريته ثمناً باهظاً لقضية وطنه.
فما قيمة أن تُفتح أبواب السجن، إذا لم يجد الإنسان خارجها باباً مفتوحاً نحو حياة كريمة؟من المسؤول عن مصير الأسير المحرر؟
هذا السؤال ليس محاولة لتوزيع الاتهامات، ولا رغبة في تصفية الحسابات السياسية، بل هو مطالبة بتحديد المسؤوليات حتى لا يبقى الأسير المحرر وحيداً في مواجهة مصيره.
لقد خرجنا ضمن صفقة تبادل لم نكن، ونحن داخل السجون، نعرف تفاصيلها ولا الشروط التي حُسمت على أساسها ترتيبات الإفراج والإبعاد. لم نكن طرفاً في رسم مصائرنا، ولم نملك أن نختار بين العودة إلى الوطن والبقاء فيه وبين الإبعاد إلى المنفى. وجدنا أنفسنا أمام واقع فُرض علينا، وكان يفترض أن ترافقه ترتيبات تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة.
فمن المسؤول عن متابعة أوضاع الأسرى الذين أُفرج عنهم وأُبعدوا قسراً؟ وهل تقع المسؤولية على حركة حماس، بوصفها الطرف الفلسطيني الذي تولى إدارة صفقة التبادل وترتيباتها، وما حدود التزاماتها تجاه من وجدوا أنفسهم في المنفى نتيجة تلك الترتيبات؟ وأين دور السلطة الوطنية الفلسطينية، رغم ما تواجهه من حصار مالي وضغوط سياسية؟ وأين المؤسسات الوطنية والقطاع الخاص الفلسطيني، وأين المبادرات العربية التي تستطيع أن تسهم في توفير حلول عملية؟
قد تكون لدى كل جهة ظروفها وقيودها، وقد يكون بعضها عاجزاً عن تحمل الأعباء كاملة، لكن وجود الصعوبات لا يلغي ضرورة تحديد المسؤوليات وتنسيق الجهود. وليس من المقبول أن تتحول قضية الأسير المحرر إلى ملف تتقاذفه الجهات، فيما يبقى صاحب القضية عاجزاً عن معرفة من يلجأ إليه.
لسنا نطالب جهة واحدة بأن تتحمل كل الأعباء، ولا نتجاهل ما يعانيه شعبنا ومؤسساته من ظروف قاسية. إنما نطالب بآلية واضحة، وجهة مسؤولة عن المتابعة، وخطوات عملية تضمن ألا يُترك الأسير المحرر لمصيره، وألا يتحول الإفراج عنه إلى انتقال من معاناة الأسر إلى معاناة المنفى بلا نهاية معلومة.
لم نخرج من السجون لنكون عبئاً دائماً على أحد، ولا لنعيش على هامش الحياة. خرجنا ونحن نحمل تجاربنا ومعارفنا وقدراتنا، وما بقي فينا من طاقة للعمل والعطاء. ومن حقنا أن نحصل على فرصة نستعيد بها استقلالنا ونبني بها حياتنا، وأن نكون أفراداً فاعلين في مجتمعنا، لا مجرد أسماء في قوائم الأسرى المحررين.
بيننا من يمتلك مؤهلات علمية وخبرات عملية، وبيننا من يستطيع أن يعمل ويسهم في خدمة شعبه إذا توافرت له الظروف المناسبة، وبيننا من أنهكته سنوات الأسر ويحتاج إلى رعاية خاصة. ولذلك فإن التعامل مع الأسرى المحررين ينبغي أن يراعي اختلاف ظروفهم واحتياجاتهم، وألا يترك كل واحد منهم يواجه مصيره منفرداً.
لقد غبنا عن الحياة ثلاثين عاماً وأكثر، ومن الطبيعي أن نحتاج إلى وقت لاستعادة قدرتنا على التكيف مع عالم تغير كثيراً. لكن ما ليس طبيعياً أن يصبح تأمين المأوى معركة يومية، وأن ينشغل المحرر بتدبير احتياجاته الأساسية بدلاً من أن يبدأ حياة انتظرها عقوداً.
إننا لا نطلب أن يحمل الآخرون عنا مسؤولية حياتنا إلى الأبد؛ نطلب أن يساعدونا على الوقوف على أقدامنا، وأن يمنحونا فرصة حقيقية للعمل والاستقرار والاعتماد على أنفسنا.
فالكرامة ليست أن يبقى الإنسان محتاجاً إلى من ينقذه كل يوم، بل أن تتاح له الظروف التي تمكّنه من إدارة حياته بحرية وأمان ، .فإلى من نرفع صوتنا؟
حين تتداخل المسؤوليات وتغيب الإجابات، لا يبقى أمام الإنسان سوى أن يرفع صوته، لا ليستجدي الشفقة، بل ليطالب بحقه في أن يُعامل بوصفه إنساناً له كرامة وحقوق.، نسأل القوى الفلسطينية، بمختلف مواقعها ومسؤولياتها: هل توجد خطة واضحة للتعامل مع أوضاع الأسرى الذين أُفرج عنهم وأُبعدوا؟ وهل هناك جهة محددة يمكن للأسير المحرر أن يلجأ إليها حين يعجز عن تأمين مأواه أو يواجه أزمة معيشية؟ ومن يتابع احتياجاته، ويعمل على توفير ما يلزمه حتى يستطيع الاعتماد على نفسه؟
ونسأل المؤسسات الوطنية والأهلية والقطاع الخاص الفلسطيني: ألا يمكن إطلاق مبادرة عملية تجمع الإمكانات المتاحة، وتضع حلولاً واقعية لهذه الحالات بعيداً عن المزايدات والشعارات؟
ونسأل أشقاءنا العرب: أليس في الإمكان تحويل التضامن مع الأسرى الفلسطينيين إلى برامج إنسانية واضحة، تساعد المحررين المبعدين على الاستقرار والعمل وصون كرامتهم، بدلاً من تركهم في حالة انتظار مفتوحة؟
لا نطلب المستحيل، ولا نتجاهل تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي. نريد فقط أن نعرف من يتولى تنسيق الجهود، ومن يتابع الحالات، وما المسار الذي يستطيع الأسير المحرر أن يسلكه حين يحتاج إلى المساعدة.
إن الغموض لا يحل المشكلة، والصمت لا يوفر مأوى، والتعاطف وحده لا يصنع استقراراً. لقد تعلمنا في سنوات الأسر الطويلة أن الصبر ضرورة، وأن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بكرامته حتى في أقسى الظروف. لكننا تعلمنا أيضاً أن الصبر لا يعني قبول كل واقع، وأن الوفاء للوطن لا يعني التنازل عن الحقوق الإنسانية الأساسية، وأن التضحية من أجل القضية لا تبرر إهمال الإنسان الذي ضحّى من أجلها.
نحن لا نطالب بحل سحري، ولا ننتظر أن تُحل كل أزمات الفلسطينيين دفعة واحدة. نطالب بخطوة واضحة، ومبادرة مسؤولة، وتنسيق جاد بين الجهات المعنية، حتى لا يبقى الأسير المحرر وحيداً أمام أسئلة المأوى والاستقرار والمستقبل.
فليس من العدل أن يُطلب من الأسير أن يصبر طوال سنوات الأسر، ثم أن يصبر على المنفى، ثم أن يصبر على غياب الحل، من دون أن يعرف متى ينتهي الانتظار أو من يعمل على إنهائه. وليس من الوفاء الوطني أن نحتفي بالأسير حين يكون رمزاً في الخطاب العام، ثم نتركه وحيداً حين يصبح إنساناً يحتاج إلى سقف ودواء وعمل واستقرار.
إن الوفاء للأسرى لا يُقاس بعدد الكلمات التي تقال عنهم، بل بما يُبذل من جهد لحماية حقوقهم ومتابعة أوضاعهم وصون كرامتهم بعد التحرر.
نكتب هذه الكلمات لا لنستجدي عطف أحد، ولا لنفتح باباً جديداً للانقسام، بل لأن الصمت لم يعد يجيب عن الأسئلة، ولأن معاناة الإنسان لا ينبغي أن تبقى حبيسة صدره حتى تتحول إلى يأس أو انفجار .
نكتب لأن القضية الفلسطينية ليست قضية أرض وحدود فحسب، بل قضية إنسان أيضاً؛ إنسان يريد أن يعيش حراً وآمناً وكريماً، وأن يجد في وطنه ومؤسساته وأمته ما يشعره بأنه ليس وحيداً.
لقد خرجنا من السجون، لكننا لم نخرج من حاجتنا إلى الحرية. فالحرية ليست مجرد غياب القضبان، كما أن الكرامة ليست مجرد القدرة على التنفس خارج الزنزانة. الحرية أن يكون للإنسان مكان يأويه، وحق يحميه، وفرصة للعمل، ومستقبل يستطيع أن يخطط له. والكرامة أن يشعر بأن سنوات تضحيته لم تجعله منسياً، وأن شعبه ومؤسساته وأمته لا يتركونه وحيداً حين يحتاج إليهم.
لسنا نبحث عن وطن بديل، ولا عن امتيازات خاصة، ولا عن حياة مترفة. نبحث عن حقنا في أن نعيش كبشر، وأن نعمل ونستقر، وأن نحتفظ بما تبقى لنا من العمر بعيداً عن الخوف من الغد.
فإذا كان الأسير قد دفع من عمره وحريته ثمناً لانتمائه إلى وطنه، أفلا يستحق من هذا الوطن، ومن مؤسساته وأمته، أن يجد طريقاً إلى حياة كريمة؟
لسنا نطلب المستحيل؛ نطلب ألا تكون الحرية بداية محنة جديدة، وألا يصبح المنفى ثمناً آخر يدفعه الأسير لأنه ظل وفياً لوطنه.
ولا نريد أن نُخيّر بين قهر السجن وقهر العجز في المنفى؛ نريد أن تكون الحرية التي انتظرناها عقوداً بداية حياة تستحق كل تلك السنوات من الصبر والتضحية.
فلا تجعلوا المنفى سجناً آخر، ولا تجعلوا الحرية وعداً ناقصاً. إن كرامة الأسير المحرر ليست شأناً شخصياً يخصه وحده؛ إنها امتحان لوفائنا الوطني، ولمعنى الحرية التي نرفع اسمها، وللإنسان الذي نقول إننا نناضل من أجله.
*اسير فلسطيني محرر يقبع في القاهرة

