آراء

بؤس الفصائل

16 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

الكاتب : نبهان خريشة 
 
ليس أكثر بؤسا من فصيل يطالب شعبه بأن يتجدد، بينما يرفض أن يغيّر قيادته؛ وأن يصمد، بينما لا يشرح له إلى أين يقوده؛ وأن يثق به، بينما يغلق في وجهه أبواب المحاسبة. هذا البؤس يتجاوز خسارة بعض الأصوات في استطلاع للرأي، ليكشف اتساع المسافة بين مجتمع يدفع ثمن البقاء على أرضه، وتنظيمات يتصرف بعضها كأن تاريخه يمنحه حقا دائما في تمثيل الناس، مهما تبدلت أحوالهم وتراكمت إخفاقاته.

يقدم أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، المنفذ بين السابع والحادي عشر من أكتوبر 2026، صورة تستحق التوقف. فقد بلغ تأييد فتح 22% وحماس 19%، مقابل 33% اختاروا "لا شيء مما سبق". لكن الدقة تقتضي التمييز: تراجع تأييد حماس مقارنة بآب/أغسطس، بينما استقر تأييد فتح عند مستواه المنخفض. وحصلت الجبهة الشعبية على 3%، فيما أبدى 56% استعدادا للتصويت لقائمة مستقلة جديدة. هذه مؤشرات على أزمة تمثيل، وليست نتائج انتخابات محسومة.

السؤال الأثقل، هو "هل تقترب الحقبة الفصائلية التي تبلورت مع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 من نهايتها؟"، الاحتمال يستحق النقاش، لكن استطلاعا واحدا لا يعلن نهاية مرحلة تاريخية
أخطر ما في هذه الصورة أن قطاعات واسعة لم تعد تجد نفسها في العناوين السياسية المتاحة. فالمواطن الذي يبتعد عن الفصائل قد يكون شديد الانتماء إلى فلسطين، لكنه لم يعد يرى أن الانتماء إليها يمر بالضرورة عبر تنظيماتها. لقد استهلكت القيادات طويلا هذا الخلط بين الوطن والفصيل، وبين الفصيل وقيادته، حتى صار الاعتراض على المسؤول يفسر بوصفه خروجا على الصف الوطني. وبذلك حمت القيادة موقعها، لكنها أضعفت الفصيل الذي تستند إليه.

في فتح، تتجسد الأزمة في العلاقة التي ابتلعت فيها السلطة الحركة تدريجيا. صار الموقع الرسمي مصدرا للنفوذ التنظيمي، وأصبح القرب من مركز القرار أهم من الصلة بالمجتمع. وحين تتحول حركة تحرر إلى سلم للوظائف والامتيازات، يتغير معنى العضوية فيها: يتراجع السؤال عما يقدمه العضو للقضية، ويتقدم السؤال عمن يضمن موقعه. أما الكادر الذي يحتفظ باستقلال رأيه، فيجد نفسه على الهامش، مع أنه قد يكون أكثر اتصالا بالناس ممن يحتلون المنابر.

وحماس مطالبة بمراجعة لا تقل عمقا. فلا يكفي استدعاء التضحيات للرد على الأسئلة المتعلقة بالقرار السياسي، وإدارة الصراع، وحدود القدرة، وحماية المجتمع. مسؤولية إسرائيل عن جرائمها لا تسقط حق الفلسطينيين في مساءلة قيادتهم عن تقديراتها ونتائج خياراتها. والشعب الذي يتحمل الخسائر يملك حق النقاش والمحاسبة. أما تحويل النقد إلى شبهه، فيغلق الطريق أمام التعلم، ويجعل التنظيم أسير روايته عن نفسه مهما اتسعت المسافة بينها وبين تجربة الناس.

أما قوى اليسار، فبؤسها أشد إيلاما لأنه كان يفترض أن تقدم بديلا عن استقطاب فتح وحماس. غير أن ضآلة حضورها تطرح سؤالا عن جدوى تنظيمات ترفع شعارات العدالة الاجتماعية والديمقراطية، ثم تعجز عن بناء قاعدة اجتماعية مؤثرة. أين حضورها بين العمال والمعلمين والشباب والعاطلين عن العمل؟ وأين قدرتها على تحويل الاعتراض إلى فعل؟ لا يحتاج المجتمع إلى مزيد من البيانات المتشابهة، بل إلى قوى تعمل معه، وتدافع عن مصالحه، وتخضع قياداتها للقواعد التي تطالب الآخرين باحترامها.

لا يمكن تفسير هذا الانحسار كله بقلة المال أو التضييق أو اختلال موازين القوى، رغم أهمية هذه العوامل. هناك أيضا فقر في الخيال السياسي، وخوف من التجديد، وقيادات طال بقاؤها حتى اختلط لديها استمرار التنظيم باستمرارها الشخصي. وقد تعقد المؤتمرات وتجرى الانتخابات الداخلية، لكن التجديد يظل شكليا إذا كانت شروط المنافسة مصممة سلفا لحماية الحلقة نفسها. التنظيم الحي يفتح طريق الصعود أمام أعضائه؛ أما التنظيم المتكلس، فيعلمهم أن الانتظار والطاعة أكثر نفعا من المبادرة.

ومن هنا يمكن فهم البحث عن قوائم مستقلة وكفاءات مهنية. إنه تعبير عن رغبة في الخروج من خيارات استهلكت الثقة. لكنه لا يمنح المستقلين شهادة صلاحية مسبقة؛ فالاستقلال عنوان قابل للادعاء، والكفاءة الاقتصادية وحدها لا تصنع مشروعا وطنيا. قد يتبدل الوجوه ويبقى منطق الاحتكار، وقد يحل نفوذ المال محل نفوذ الجهاز التنظيمي. البديل الجاد يحتاج إلى برنامج واضح، وتمويل شفاف، ومؤسسات داخلية، والتزام بحق الناس في محاسبته وإبعاده حين يفشل.

كذلك، لا يجوز قراءة المطالب المعيشية بوصفها انسحابا من القضية الوطنية. من يريد راتبا منتظما، ومدرسة جيدة، وعلاجا متاحا، لا يكون قد تخلى عن الحرية. إنه يطالب بشروط تمكنه من البقاء والصمود. والمشكلة أن بعض الخطاب الفصائلي اعتاد وضع الحقوق اليومية في مرتبة أدنى، كأن الفقر والفساد ثمن واجب للوطنية. والحقيقة أن حماية المال العام، وصون الكرامة، وعدالة توزيع الأعباء، عناصر في قدرة المجتمع على مواجهة الاحتلال، وليست ترفا مؤجلا إلى ما بعد التحرير.

لهذا تصبح الانتخابات ضرورة تتجاوز توزيع المقاعد. إنها وسيلة لإعادة فتح المجال السياسي، واختبار ادعاءات التمثيل، وإعطاء الأجيال الجديدة فرصة المشاركة في القرار. لكنها تفقد معناها إذا ظلت موعدا تتحكم به الجهات التي يفترض أن تخضع لنتائجها. كما أن الاقتراع وحده لا يكفي حين تغيب الحريات والرقابة واستقلال القضاء. المطلوب عملية تستعيد فيها المؤسسات صلتها بالمواطن، ويصبح المسؤول قابلا للاستبدال، ويعرف الفصيل أن موقعه يتحدد بما ينجزه اليوم.

هنا يطل السؤال الأثقل، وهو "هل تقترب الحقبة الفصائلية التي تبلورت مع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 من نهايتها؟"، الاحتمال يستحق النقاش، لكن استطلاعا واحدا لا يعلن نهاية مرحلة تاريخية. ما يثير القلق هو تراكم العجز عن إنتاج استراتيجية مشتركة، وتجديد الشرعية، وصون وحدة التمثيل. فقد تبقى أسماء الفصائل ومقارها وموازناتها، بينما تنتهي وظيفتها التاريخية. وقد يستمر الجهاز سنوات طويلة بعد أن يفقد قدرته على قيادة شعبه نحو هدف واضح ومفهوم.

والخطر أن يتسع الفراغ قبل نشوء بديل وطني قادر على ملئه. عندها قد يتكرر بعض ما عرفه الفلسطينيون بعد نكبة 1948، أن يتقدم تعريفهم بوصفهم محتاجين إلى الإغاثة على تعريفهم شعبا صاحب حقوق سياسية. ولم تكن السنوات الممتدة إلى 1965 خالية من النضال أو محاولات التنظيم، لكنها شهدت تشتت القرار الفلسطيني وخضوعه لحسابات الآخرين. واليوم، يمكن أن تعود الوصاية عبر لغة الإدارة وإعادة الإعمار والمساعدات، إذا عجز الفلسطينيون عن امتلاك إطار تمثيلي موحد وذي شرعية.

لا يعني ذلك أن القضية محكومة بالتيه، ولا أن نهاية الصيغ القائمة تعني نهاية قدرة الشعب على الفعل. فالمجتمع أوسع من تنظيماته، وفيه طاقات وخبرات لم تتح لها فرصة عادلة. لكن الانتقال يحتاج إلى عمل، لا إلى انتظارانهيار القديم. وبؤس الفصائل الحقيقي أنها ترى اتساع الفجوة بينها وبين الناس، ثم تنشغل بحماية مواقعها. أما الخطر الوطني، فهو أن تواصل احتكار الأبواب حتى تصبح عاجزة عن القيادة، وقادرة في الوقت نفسه على تعطيل من يحاول تجديدها.