الكاتب: يونس العموري
في كربلاء، لم يكن الغبارُ غبارَ صحراء، بل بقايا صرخاتٍ تكسّرت على حافة السماء. كانت الشمس هناك أقرب من اللازم، كأنها شاهدةٌ مُحرَجة، ترى ولا تتدخل ... وعلى الرمل، لم تُكتب الأسماء، بل كُتبت المعاني .. أن يقف القليل في وجه الطغيان، وأن يتحول الجسد إلى لغةٍ لا تُترجم.
ومنذ ذلك الحين، لم تهدأ الحكاية. تغيّرت الأسماء، تبدّلت الرايات، لكن السيف ذاته ما زال يبحث عن رقبة المعنى...
في الجنوب، حيث البحر يحفظ أسرار الدخان، وحيث القرى تُشبه قناديل مطفأة، يولد المشهد من جديد .. لا كاستعادةٍ، بل كارتعاش ذاكرةٍ لم تُدفن. هناك، الأرض لا تمشي تحت الأقدام، بل تنبض، كأنها قلبٌ قديم يرفض أن يتوقف رغم كل ما ينهال عليه من حديد...
العدوان ليس جيشًا فقط، بل ظلٌّ ثقيل، يحاول أن يُقنع الضوء بأنه زائد عن الحاجة. وحين تتكاثر الظلال، لا يبقى أمام الضوء إلا أن يحترق ليُثبت نفسه.
هكذا، يتقاطع الرمل مع التراب، والصحراء مع التلال، ويصبح الدمُ جسرًا بين زمنين. ليس الدمُ هنا نزيفًا، بل حبرٌ يكتب وصيةً لا تُقرأ إلا لمن يملك شجاعة النظر.
في كربلاء، كان الصمتُ خيانة... واليوم، الصمتُ أيضًا خيانة، لكنه يرتدي بدلاتٍ أنيقة، ويتحدث لغاتٍ كثيرة، ويُتقن فنّ التبرير... أما أولئك الذين يقفون في مواجهة العاصفة، فهم لا يملكون ترف اللغة ، يكتبون موقفهم بالنار، ويوقّعون عليه بالغياب.
أيّها الزمن، كم مرةً تحتاج لتفهم الدرس؟ أن الجسد حين يُحاصر، قد يضيق، لكن المعنى يتّسع. وأن الذين يُطفئون البيوت، لا يستطيعون إطفاء الفكرة التي خرجت من رمادها.
هنا، لا تُعاد كربلاء، بل تُستكمل. لا كملحمةٍ تُروى، بل كنبضٍ يُقاوم أن يتحول إلى ذكرى. وهنا أيضًا، لا يُقاس النصر بما يبقى قائمًا، بل بما يرفض أن ينكسر، حتى وهو يتهاوى.
فكلُّ حجرٍ يسقط، يهمس بشيءٍ واحد .. إن الطريق، مهما طال، لا يسعُ إلا الذين قرروا أن يسيروه حتى النهاية بلا مساومة، بلا انحناء، وبقلبٍ يعرف أن الحقيقة، وإن تأخرت، لا تموت. هناك، عند تخوم النار، حيث يتكثّف الدخان حتى يكاد يُرى كجدارٍ بين عالمين، تبدأ الحكاية في التحول من همسٍ إلى هدير.
في الجنوب، لا يُسمع وقع الأقدام بقدر ما يُسمع صدى القرار. رجالٌ يخرجون من بين الأزقة ومن بين التلال كما لو أنهم يخرجون من ذاكرةٍ أقدم من المكان، يحملون في صدورهم شيئًا يشبه ذلك النداء البعيد الذي لم ينطفئ منذ كربلاء. ليسوا استعادةً لأحد، ولا ظلًا لأحد، بل امتدادٌ لتلك اللحظة التي قررت فيها القلة أن تقف، لا لأنها تملك القوة، بل لأنها ترفض الهوان.
هنا، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بمدى الثبات. وكل مواجهةٍ ليست اشتباكًا عابرًا، بل مقطعٌ جديد من ملحمةٍ تُكتب ببطء، بعناد، وبإصرارٍ يشبه صلاةً لا تنتهي.
حزب الله، في هذا المشهد، ليس مجرد اسمٍ سياسي، بل حالةٌ تتشكل عند الحد الفاصل بين الخوف والكرامة. كأن الروح الكربلائية، تلك التي جعلت الدم ينتصر على السيف، قد وجدت طريقها إلى هذه التلال، لتقول إن الحكاية لم تُغلق، وإن النص ما زال يُكتب.
في كل صاروخٍ يُطلق، ليس الهدف فقط إصابة العدو، بل كسر وهم التفوق المطلق. وفي كل مقاتلٍ يسير نحو المجهول، ثمة يقينٌ غامض بأن النهاية ليست هنا، وأن الغياب قد يكون شكلًا آخر للحضور.
العدوان، بجبروته، يحاول أن يُعيد إنتاج لحظة الحسم بالقوة، أن يفرض نهايةً لا تقبل التأويل. لكنه ينسى أن كربلاء نفسها كانت هزيمةً في ظاهرها، وانتصارًا في معناها. وأن الذين يسقطون، حين يسقطون وهم متمسكون بما يؤمنون به، يتركون خلفهم ما هو أخطر من بقائهم: يتركون فكرة. وهذه الفكرة، حين تتجذر، تتحول إلى ما يشبه القدر. لا تُرى، لكنها تُحرّك كل شيء. تجعل الأرض تقاوم، والسماء تنصت، والإنسان يعيد تعريف نفسه أمام مرآة النار.
أيّها الجنوب، يا ذاكرةً تمشي على قدمين، كم مرةً ستُلدغ لتُثبت أنك لا تموت؟ وكم مرةً سيُخطئ الذين يظنون أن الحكاية يمكن أن تُختصر بالقوة؟
إنها ليست معركة حدود، بل معركة معنى. ليست صراعًا على أرضٍ فقط، بل على الرواية نفسها.. من يكتب، ومن يُمحى، ومن يبقى كأثرٍ لا يُزال مهما تعاقبت الفصول.
وهكذا، تستمر الملحمة لا كصوتٍ عالٍ فقط، بل كنبضٍ خفيّ، عنيد، يرفض أن ينكسر. وبين كربلاء والجنوب، لا يزال الخيط مشدودًا، لا من دمٍ فقط، بل من إرادةٍ تعرف، في عمقها، أن الطريق إلى الحرية لا يُعبد إلا بما هو أثمن من الحياة نفسها.
وهناك، في ذلك الفراغ المشتعل بين الدم والظل، حيث تتكسر الأصوات وتذوب الكلمات، يُكتب ما لا يُقرأ إلا بالعين التي تعرف معنى الصمود. كربلاء هنا ليست مكانًا، والجنوب ليس حدودًا، بل نبضٌ واحد يتردد في قلب الأرض. ما بدأ هناك، وما يتواصل هنا، لم يُخلق ليختتم، بل ليظل سراجًا لا ينطفئ، ينير الطريق لكل من يجرؤ أن يقف، ولو وسط الرماد، ويعلن أن المعنى لا يموت، مهما حاول السيف أن يقصيه.



