الكاتب : يونس العموري
ومن هنا تبدأ الحكاية...
قلت لها وأنا أدير بين أصابعي كأسا من النبيذ العتيق، بينما كانت أضواء المساء تتكسر على زجاج الحانة القديمة، وتنساب من النافذة المفتوحة نحو أسوار القدس المقابلة لنا... كان الليل يعسس ببطء فوق المدينة، وكانت الحجارة العتيقة تزداد وقارا كلما ازداد الظلام عمقا، كأنها تخرج من زمن وتدخل في زمن آخر... نظرت إلي بعينيها المندهشتين كطفلة ترى حلما لأول مرة، فابتسمت وقلت.. أتدرين ... كل المدن يمكن أن تروى في حكاية، إلا القدس... القدس لا تروى، بل تعاش. وكلما ظننت أنك عرفتها اكتشفت أنك لم تلمسي منها سوى طرف الثوب...
ثم أشرت نحو الأسوار المضيئة في البعيد وقلت... لا تنظري إلى الحجر فقط، فالحجر هنا يخفي أكثر مما يظهر... ما ترينه ليس سورا، بل أعمار شعوب كاملة تراكمت فوق بعضها حتى صارت جدارا... خلف كل حجر هناك يقف كنعاني قديم ما زال يرفض الرحيل ويحرس اسمه من النسيان. أحيانا أشعر أن اليبوسيين لم يغادروا المدينة أبدا، وأنهم ما زالوا يسيرون ليلا في الأزقة الضيقة، يلمسون الجدران بأصابع من غبار ويطمئنون إلى أن القدس ما زالت تحفظ لغتها الأولى في أعماقها. المدينة يا حبيبتي عربية قبل أن تتعلم الإمبراطوريات أسماءها، وكانت كنعانية حين كانت الممالك الأخرى ما تزال تتعلم المشي فوق خرائط العالم. كل الغزاة الذين مروا من هنا ظنوا أنهم أضافوا سطرا جديدا إلى حكايتها، لكنهم لم يدركوا أن الحكاية كانت أقدم منهم جميعا.
ثم أخذت رشفة صغيرة من كأس النبيذ وأبقيت عيني معلقتين بالأسوار... أتدرين ما يشبه الغزاة؟ إنهم يشبهون أمواج البحر... يأتون صاخبين، يضربون الصخور بكل قوتهم، ثم يتراجعون... أما القدس فتشبه الصخرة نفسها... مرت عليها جيوش لا تحصى، آشوريون وبابليون ورومان وصليبيون وسلاطين وملوك وجنرالات، وكلهم ظنوا أن المدينة ستفتح لهم قلبها... لكنها كانت تمنحهم مفاتيح أبوابها وتخفي روحها في مكان لا تصل إليه السيوف... لهذا بقيت عصية على الامتلاك الكامل... كانت دائما تعرف كيف تنجو... مثل امرأة جميلة تعلم أن الابتسامة ليست استسلاما، وأن الصمت أحيانا شكل من أشكال المقاومة.
كانت الحانة تزداد هدوءا من حولنا، بينما كنت أراقب انعكاس الضوء في عينيها وهي تكتشف المدينة للمرة الأولى ... قلت .. أحيانا أتخيل أن القدس ليست مدينة، بل ملكة قديمة لعنها الزمن بالخلود ... ترى الجميع يأتون ويرحلون، تحبهم جميعا وتدفنهم جميعا، ثم تبقى وحدها في النهاية. في لياليها الطويلة تستيقظ الأساطير من نومها... تخرج من بين الحجارة آلهة كنعانية نسيتها الكتب، ورعاة قدماء أضاعوا قطعانهم في التلال، وملوك دفنت تيجانهم تحت التراب، ونساء كن يخبئن القمح والزيت في جرار الفخار خوفا من الحروب... كلهم يعودون للحظة ثم يختفون مع الفجر، كأن المدينة تراجع ذاكرتها قبل أن تنام...
ثم اقتربت منها قليلا وقلت بصوت خافت .. وأتخيل أحيانا أنني كنت هناك يوم دخل السيد المسيح المدينة.. أراه يمشي بين الأزقة التي ما زالت تتنفس حتى الآن. أرى وجوه الناس تلتفت إليه كما تلتفت الأزهار نحو الضوء... لم يكن يمشي وحده، كانت تمشي معه أسئلة البشر كلها ، أسئلة الألم والخلاص والرجاء والمحبة.. كانت الحجارة تصغي لوقع خطواته، وكانت النوافذ القديمة تنحني قليلا كأنها تريد أن تحفظ صورته في ذاكرتها إلى الأبد.
وأتخيل درب الآلام يا حبيبتي كأنه نهر من الصبر يجري عبر قلب القدس .. ليس مجرد طريق من حجر، بل طريق عبرت عليه أحزان الإنسانية كلها ... هناك كانت الأكتاف المثقلة تتقدم ببطء، وكانت العيون تتابع المشهد بين مصدقة وخائفة وباكية... كل زاوية من ذلك الدرب تبدو لي كأنها تحفظ همسة أو دمعة أو صلاة... حتى اليوم، حين يمر الزائر في تلك الأزقة، يشعر أن الزمن يبطئ خطواته احتراما لذاكرة المكان... وأتخيل نساء المدينة وهن يراقبن المسيرة بصمت موجع، وأتخيل الأطفال الذين لم يفهموا تماما ما يحدث لكنهم شعروا أن شيئا عظيما يمر أمامهم. وأرى القدس كلها تسير خلف السيد المسيح، لا كمدينة من حجر بل ككائن حي ينبض بالحزن والرجاء معا. وحين ارتفع الألم فوق التل شعرت المدينة أن قلبها قد انشق نصفين. لكنها كانت تعرف أن الحكايات الكبرى لا تنتهي عند الألم. لذلك انتظرت النور...انتظرت القيامة كما تنتظر الأرض المطر بعد مواسم الجفاف الطويلة... وما زالت حتى اليوم تحفظ في حجارتها شيئا من ذلك الوعد القديم بأن الموت ليس سوى باب آخر للحياة.
ثم رفعت عيني نحو السماء وقلت .. وبعد قرون جاءت ليلة أخرى. ليلة لا تشبه الليالي كلها... ليلة أسرى فيها بالنبي العربي، خاتم الأنبياء، سيد الرحلة السماوية. أتخيل القدس في تلك الليلة نائمة تحت عباءة النجوم، ثم تستيقظ فجأة على نور لا يشبه نور الأرض. كأن السماء كلها اقتربت خطوة إضافية من العالم... وأتخيل القباب والحجارة والأشجار وقد سكنها صمت مهيب، كأنها تنتظر حدثا أكبر من الكلمات... وفي تلك اللحظة بدا المكان كأنه نقطة التقاء بين الأرض والسماء، بين المحدود واللامحدود، بين رحلة الإنسان في التراب ورحلته نحو النور. كأن الأنبياء جميعا اجتمعوا في حضرة واحدة، يحمل كل منهم رسالة عصره، ثم يلتقون عند مدينة اختارتها الأقدار لتكون شاهدة على عبور الرسالات... وأحيانا أشعر أن القدس منذ تلك الليلة لم تعد مدينة فقط، بل صارت سلما رمزيا بين العالمين... كل من ينظر إلى سمائها يتذكر أن الإنسان ليس مجرد جسد يعبر الأيام، بل روح تبحث دائما عن معنى أعلى... لهذا بقيت القدس في الوجدان أكبر من الجغرافيا، وأوسع من الخرائط، وأعمق من السياسة والحروب...
ساد الصمت قليلا، ثم تنهدت وأنا أنظر إلى الأسوار. لكن انظري إليها الآن يا حبيبتي... كم تبدو متعبة.. المدينة التي كانت تعانق القوافل صارت تحصي الحواجز. والمدينة التي كانت تفتح أبوابها للريح القادمة من الصحارى والبحار صارت تتنفس بصعوبة. هناك حصار لا تراه الخرائط كلها. حصار يلتف حول الروح أكثر مما يلتف حول الحجر. ومع ذلك لا تزال تبتسم. لا تزال تبيع الخبز والكعك في الصباح، وتعلق الياسمين على النوافذ، وتزرع الريحان في الشرفات الضيقة.
أتشمين هذه الرائحة .. ؟ أغمضت عيني للحظة ثم تابعت .. هذه ليست رائحة مدينة واحدة. هذه رائحة قرون كاملة. رائحة القهوة التي تغلي في الأزقة قبل الفجر. رائحة الكعك الساخن الخارج من الأفران الحجرية. رائحة البخور المتسلل من الكنائس القديمة. رائحة الزيت والزيتون والتين والزعتر. رائحة الكتب العتيقة في الدكاكين الصغيرة. رائحة المطر حين يهبط على حجارة عمرها آلاف السنين. القدس لا ترى فقط، بل تشم أيضا. ولكل زاوية فيها عطر مختلف يشبه صفحة مختلفة من كتاب قديم...
ثم ابتسمت وقلت.. أما أسواقها يا حبيبتي فهي قصيدة لا تنتهي. هناك تسمعين العالم كله يتحدث بلهجات مختلفة، لكنك تشعرين أن المدينة تترجم الجميع إلى لغتها الخاصة. الباعة ينادون كما كانوا يفعلون منذ قرون، والوجوه تتغير بينما تبقى النبرة نفسها. النحاس يلمع تحت الضوء، والتوابل تصنع غيوما ملونة في الهواء، والنساء يعبرن بثيابهن كأنهن مقاطع موسيقية تمشي على قدمين.
لكن الأسواق هنا ليست للبيع والشراء فقط. إنها مرايا للعالم. منذ مئات السنين كانت القوافل تأتي إليها من الصحارى البعيدة، ومن السواحل المطلة على البحار، ومن الجبال التي تغطيها الثلوج. جاءها التجار والحجاج والرهبان والمتصوفة والرحالة والشعراء والباحثون عن المعنى... بعضهم جاء يوما واحدا، وبعضهم جاء فأقام العمر كله... في أسواق القدس تسمعين العربية وهي تعانق لغات أخرى جاءت من جهات الأرض... ترين وجوها تحمل ملامح الشرق والغرب معا. وتشعرين أن المدينة تعرف الجميع بأسمائهم، حتى أولئك الذين يزورونها للمرة الأولى. كأنها أم قديمة تفتح ذراعيها لكل من يصل إلى بابها... وأتعلمين من أكثر من يحب القدس؟ ليس أهلها فقط. هناك عشاق لها في كل مكان. في مدن عربية بعيدة، وفي قرى صغيرة لم تر القدس قط، وفي بلدان أخرى لا تتحدث لغتها. هناك من يحمل صورتها في كتاب، ومن يحتفظ بحجر صغير يذكره بها، ومن يعلق صورتها فوق مكتبه، ومن يحلم أن يراها مرة واحدة قبل أن يرحل عن الدنيا. بعض المدن تكتفي بسكانها، أما القدس فلها عشاق موزعون على جهات الأرض الأربع...
وتعرفين ما الذي أحبه أكثر؟ عذراوات القدس... لا أقصد الفتيات فقط، بل عذرية الروح التي ما زالت تسكن هذه المدينة رغم كل ما مر بها. كأنها امرأة تعرضت لكل أنواع الخيبات لكنها ما زالت تحتفظ بسر ابتسامتها الأولى. بناتها يشبهن أشجار اللوز في الربيع. جميلات بعناد. رقيقات بقوة. يحملن مفاتيح البيوت القديمة في أعناقهن كأنهن يحملن خرائط الذاكرة كلها...أما رجالها... فتلك حكاية أخرى. رجال القدس لا يشبهون المحاربين في الأساطير، ولا الفرسان الذين تصفهم الكتب. إنهم أكثر بساطة وأكثر شجاعة. يخرجون كل صباح إلى أعمالهم وهم يعرفون أن الحياة نفسها أصبحت نوعا من المقاومة. يشربون قهوتهم، يضحكون، يعشقون، يتزوجون، ينجبون الأطفال، ويزرعون الياسمين قرب النوافذ. يحبون الحياة بطريقة تثير غضب الموت نفسه. كأنهم يقولون له كل يوم .. لن نعطيك ما تريد. سنعيش رغم كل شيء. ... وفي تلك اللحظة مر سرب من الغربان فوق الأسوار. رفعت رأسي وتابعت النظر إليها حتى اختفت في العتمة. ثم قلت ..أرأيت تلك الغربان؟ أحبها رغم كل شيء. تبدو لي كأنها رسل الليل القديمة. منذ آلاف السنين وهي تحوم فوق المدينة. شهدت الحروب والحصارات والمجاعات والأفراح. تعرف أسماء القتلى أكثر مما تعرفها كتب التاريخ. لكنها تعرف أيضا أن الفجر سيأتي دائما. لذلك تعود كل ليلة، ثم تختفي حين يظهر الضوء... وسكت قليلا، بينما كانت أجراس بعيدة تختلط بصوت يرتفع من جهة أخرى من المدينة. امتزج الصوتان في الهواء كأنهما نهران يلتقيان في مجرى واحد. ابتسمت وأنا أسمع ذلك واردفت بالقول .. لهذا أحب القدس. لأنها تشبه القلب البشري. مليئة بالتناقضات، ومليئة بالجروح، لكنها ما زالت تنبض. مدينة تعلمت كيف تحمل أوجاعها دون أن تتخلى عن جمالها.
ثم مددت يدي فوق الطاولة وأمسكت يدها. كانت الأسوار خلفها تبدو كأنها خارجة من حلم قديم، وكانت النجوم تتكاثر فوق القباب، وكان الليل يزداد عمقا حول المدينة التي رفضت أن تموت آلاف المرات... نظرت إليها طويلا. كانت تنظر إلى القدس كما ينظر العاشق إلى معجزته الأولى. فقلت لها: صدقيني يا حبيبتي... لو ضاعت كل خرائط العالم وبقي حجر واحد من القدس، فسيستطيع الناس أن يعيدوا بناء الذاكرة كلها انطلاقا منه. لأن القدس ليست مدينة من حجر. القدس امرأة كنعانية عجوز ما زالت تتزين بالعربية كل صباح. عذراء تتقن فن النجاة. أم تحفظ أسماء أبنائها واحدا واحدا. عاشقة تنتظر منذ آلاف السنين عودة العدالة من سفرها الطويل. وكل من يقع في عشقها مرة واحدة يظل يحملها في قلبه كجرح جميل لا يريد له أن يشفى.
ثم نظرت هي إلى كأسها، وإلى الأسوار خلف النافذة، ثم إلي، كأنها تقارن بين ثلاثة أنواع مختلفة من الدهشة. أما أنا فابتسمت وقلت لها بهدوء ... من هنا تبدأ الحكاية... لكنها لا تنتهي أبدا...



