الكاتب: يونس العموري
كان آخر الحراس الواقفين على اسوار المدينة التي لا تنام ... لم يكن رجلا يسير على الارض فحسب، بل كان يشبه زيتونة هرمة غرست جذورها في اعماق التاريخ حتى صارت اغصانها تعرف اسرار الغزاة والقديسين والانبياء والعابرين... كان اذا دخل الازقة القديمة شعرت الحجارة انها تستعيد اسماءها الاولى، وان الاقواس التي اثقلها الغبار ترفع ظهورها قليلا كي تمر هيبته من تحتها... لم يكن مجرد سياسي او قائد، بل كان اشبه براهب قديم خرج من كتب الاساطير حاملا مفاتيح المدينة التي ضاعت بين اصابع الملوك والسلاطين والجنود....
كان ابن سادن المدينة القديمة .. التي حملت اسماء كثيرة عبر العصور.,, مرة سُميت ايلياء حين كانت السماء اقرب الى الارض، ومرة دعيت اورسالم ، حين اختلطت صلوات البشر بدموع الانبياء، ومرة كانت مدينة السلام التي لم تعرف السلام قط ، ومرة كانت درة المشرق التي تتنازعها الامبراطوريات كما تتنازع الذئاب قمرا وحيدا في ليلة شتاء... لكنه كان يعرف ان الاسماء ليست سوى اثواب تبدلها المدن، اما الروح فتبقى واحدة .. . ولهذا ظل يحمل روحها فوق كتفيه كما يحمل الناس اطفالهم الهاربين من العاصفة...
وكان يعرف ان للمدن قلوبا خفية، وان قلب ايلياء لم يكن فقط في القباب والاسوار، بل في البيوت التي تحفظ الذاكرة من التلاشي ... ولهذا صار بيت الشرق اكثر من مجرد بناء حجري عتيق.. كان يشبه قلعة من زمن اخر، او خيمة اخيرة بقيت مضاءة وسط صحراء طويلة من العتمة .. هناك في ذلك البيت القابع كحارس عجوز عند تخوم الحلم ، كانت المدينة تستعيد صوتها كلما حاول الصمت خنقها .. كان بيت الشرق اشبه بمرآة كبيرة ترى فيها المدينة وجهها الحقيقي بعيدا عن الاقنعة التي فرضتها الحروب والخرائط والجنود... لم يكن البيت مجرد مقر سياسي كما ظنه الغرباء، بل كان معبدا صغيرا للذاكرة ، وميناء ترسو عنده سفن الحكايات القادمة من المنافي .. كانت جدرانه تعرف اسماء الامهات اللواتي انتظرن ابناءهن، وتحفظ صدى الاجتماعات الطويلة التي كانت تشبه جلسات حكماء قدامى يحاولون انقاذ مدينة من الغرق ... كان الداخل اليه يشعر وكأنه يدخل قلب المدينة نفسها، لا بيتا عاديا ... حتى نوافذه بدت كأنها تراقب الازقة بحزن نبيل، وكأنها تعرف ان الخرائط الجديدة تحاول اقتلاع المعنى من المكان ...
كان حارس ايلياء الاخير.. يتحرك في بيت الشرق كما يتحرك ناسك قديم في معبده الاخير... هناك كان صوته يعلو قائلا ان هذه المدينة ليست للبيع، وليست بندا على طاولة مفاوضات عابرة، بل روح شعب كامل... كان يردد دائما ان معركة المكان ليست معركة حجارة فقط، بل معركة وجود ووعي وذاكرة... وكان يقول ان اخطر ما يمكن ان يحدث هو ان يعتاد الناس على الخسارة، وان يقبلوا الغياب كأنه قدر ابدي...
كان يشبه صلاح الدين حين عاد من ركام الحروب ليعيد للمدينة وجهها، لكنه لم يكن يمتلك جيشا من الفرسان ولا رايات من حرير... كان سلاحه الكلمات والصبر والذاكرة... كان يعرف ان المدن لا تسقط فقط حين تدخلها الجيوش، بل حين يفقد اهلها القدرة على تذكرها.. ولهذا كان يحرس الذاكرة اكثر مما يحرس الحجارة... كان يخاف على الحكاية اكثر من خوفه على الجدران، لان الجدران قد تهدم ثم تعاد، اما اذا ماتت الحكاية فلن يبقى شيء سوى الفراغ ... كان يمشي في طرقات المدينة كما يمشي كاهن سومري في معبد قديم، يعرف ان كل حجر يحمل اسطورة وكل نافذة تخفي صلاة وكل درج حجري شهد خطى الانبياء والجنود والعشاق والمصلوبين.. وكان حين يتحدث عن المدينة تشعر انها ليست مكانا بل كائنا حيا يتنفس ويتألم ويشيخ ويقاوم. كانت بالنسبة اليه امرأة عجوزا ترتدي ثوب المطر وتجلس عند بوابة الزمن تنتظر ابناءها الذين تاهوا في المنافي ... وهو المؤمن ان اهل المدينة هم سورها الحقيقي. لم يكن يرى البطولة في الشعارات العالية وحدها، بل في بقاء الناس داخل بيوتهم، في فتح الدكاكين القديمة كل صباح، في اصوات الاطفال وهم يركضون قرب الاسوار، وفي امراة تعلق الغسيل على شرفة مطلة على الحزن. كان يقول ان من يبقون في المدينة هم الذين يكتبون تاريخها الحقيقي، وان الحضور نفسه شكل من اشكال المقاومة. ولذلك ظل يدعو الناس الى التشبث بالحياة كما يتشبث الغريق بخشبة اخيرة وسط البحر...
وحين رحل حامي الذاكرة ، بدا الامر وكأن احدا اقتلع عمودا من اعمدة الهيكل الخفي الذي كان يسند روح المدينة... لم يكن موته مجرد غياب رجل، بل بدا وكأن الزمن نفسه تعثر وسقط .. بعده صارت الازقة اكثر بردا، وصارت النوافذ تغلق مبكرا، وصارت القباب تبدو كأنها تسبح وحدها في سماء بعيدة لا تسمع الدعاء... حتى الريح التي كانت تمر فوق الاسوار فقدت شيئا من صوتها، كأنها كانت تبحث عنه بين الوجوه ولا تجده ..
وبعده ايضا صار بيت الشرق كقصر مهجور في اسطورة قديمة ... الابواب التي كانت تضج بالخطوات خيم عليها الصمت، والممرات التي كانت تحفظ اصوات النقاشات الطويلة بدت كأنها فقدت نبضها... كان البيت يشبه سفينة كبيرة رست فجأة في ميناء النسيان. وحين أُغلق، شعر كثيرون ان المدينة نفسها اغلقت نافذة كانت تتنفس منها... لم يكن اغلاق بيت الشرق اغلاقا لبناء، بل كان محاولة لخنق المعنى الذي مثله، المعنى الذي يقول ان لهذه المدينة اهلها وذاكرتها وقلبها الذي لا يموت...
بعد رحيله تمددت العتمة في الممرات القديمة مثل حبر اسود انسكب فوق مخطوطة مقدسة... صار الغرباء اكثر عددا من اصحاب المكان، وصارت الحجارة تتعلم لغة اخرى لا تشبه صوت المؤذنين ولا اجراس الكنائس. كان الغياب يتسلل ببطء كما يتسلل الصدأ الى سيف مهمل... وكل شيء بدا وكأنه يتحول الى متحف كبير للذكريات، مدينة معلقة بين الحياة والاسطورة، بين الصلاة والخراب...
كانت المدينة بعده تشبه طروادة بعد احتراقها، تقف على الرماد وتحاول ان تتذكر وجوه من ماتوا دفاعا عنها... وكان الناس يمشون في اسواقها كما يمشي الناجون من الطوفان، يحملون بقايا اسمائهم فوق اكتاف متعبة. لم يعد هناك من يرفع صوته كما كان يفعل، ولا من يجمع شتات الحكاية كما كان يجمعها. صار الجميع يتحدثون عن المكان، لكن قلة فقط كانت تعرف روحه كما عرفها هو...
كان يشبه جلجامش في رحلته الطويلة للبحث عن الخلود، لكنه كان يعرف ان الخلود الحقيقي ليس في الجسد بل في الاثر الذي يتركه الانسان في ذاكرة مدينته. ولهذا بقي اسمه عالقا في الحجارة وفي اصوات الباعة وفي رائحة الخبز الصاعد من افران البلدة القديمة. حتى الاطفال الذين لم يروه صاروا يسمعون عنه كما يسمع الناس عن الفرسان القدامى الذين كانوا يحرسون المدن من السقوط.
وفي الليالي التي يغطي فيها الضباب اسوار المدينة، يبدو كأنه ما زال هناك، يمشي قرب الابواب القديمة، يتفقد الحراس، يربت على اكتاف العابرين، ويهمس للحجارة الا تنسى اسمها... كأن روحه تحولت الى طيف يحوم فوق القباب والادراج الحجرية والاشجار العتيقة... وكأن المدينة نفسها صارت تحفظ صوته في تجاويفها كما تحفظ البحار اصداء السفن الغارقة.
لقد فهم فيصل الحسيني ما لم يفهمه كثيرون. فهم ان المدينة ليست فقط معركة على الارض، بل معركة على المعنى. وان من يخسر معنى المدينة يخسرها حتى لو بقي واقفا فوق حجارتها. ولهذا ظل يقاتل كي تبقى الحكاية حية، كي يبقى الناس قادرين على تسمية الاشياء باسمائها القديمة، كي لا تتحول الازقة الى مجرد خرائط سياحية بلا روح. وكان يردد ان المدينة لا تحتاج الى البكاء عليها بقدر ما تحتاج الى من يعيش فيها ويحمي ذاكرتها ويمنع اقتلاعها من قلوب اهلها.
كان يعرف ان المدن العظيمة تشبه العنقاء، تحترق ثم تعود من الرماد، لكنه كان يخاف ان يأتي يوم لا تجد فيه العنقاء رمادا تعود منه ... ولذلك ظل يحمل المدينة في قلبه كما يحمل الناس صلاة اخيرة في زمن الخراب. كان يدرك ان الذين يريدون سرقة المكان يبدأون دائما بسرقة الذاكرة، بتغيير الاسماء، بمحو الحكايات، بتحويل المقدس الى مجرد مشهد عابر في صورة سياحية... بعده صار الليل اطول... وصارت المآذن تبدو كأنها تنادي في فراغ بعيد... وصارت الاشجار العتيقة في الساحات القديمة تشبه عجائز ينتظرن ابناء لن يعودوا. وحتى الحمام الذي كان يحلق فوق القباب بدا وكأنه فقد طريقه. كانت المدينة تدخل ببطء في عزلة تشبه عزلة الملوك المهزومين في الاساطير القديمة.
ومع ذلك، بقي شيء منه فيها. بقي في الاصوات الخافتة التي تخرج من الحوانيت القديمة، وفي الكتب المغبرة فوق الرفوف، وفي العيون التي ما زالت تنظر الى السماء بثبات رغم كل شيء. بقي في عناد المدينة نفسها، تلك التي تشبه امرأة لا تكف عن تضميد جراحها ثم الوقوف من جديد.
كان فيصل الحسيني يعرف ان المدن لا تموت دفعة واحدة، بل تموت حين يتوقف اهلها عن الحلم بها. ولهذا ظل حتى اخر ايامه يزرع الحلم في القلوب كما يزرع الفلاح بذوره في ارض مهددة بالجفاف. كان يؤمن ان الحلم شكل من اشكال المقاومة، وان الذين يحلمون لا يهزمون بسهولة.
اليوم، حين تمر في طرقات ايلياء القديمة، تشعر ان ظله ما زال معلقا بين الاقواس الحجرية. كأن الحجارة تحفظ وقع خطواته، وكأن الابواب القديمة تنتظر ان يعود ذات صباح حاملا صوته وابتسامته واصراره القديم. وربما لهذا السبب لا تزال المدينة، رغم كل ما اصابها، تقف حتى الآن. تقف مثل شجرة زيتون ضربتها العواصف لكنها رفضت السقوط.
وهكذا صار الرجل جزءا من اسطورة المكان. لم يعد مجرد اسم في كتاب او صورة معلقة على جدار، بل صار يشبه الشخصيات التي تعيش بين الحقيقة والرمز. صار واحدا من اولئك الذين يتحولون بعد موتهم الى حراس خفيين للمدن القديمة. وحين يذكره الناس، لا يذكرونه كسياسي عابر، بل كآخر الفرسان الذين حاولوا ان يمنعوا الليل من ابتلاع مدينة كانت دائما تقف بين السماء والهاوية.
وفي النهاية، ربما لم يكن فيصل الحسيني مجرد انسان عاش ومات، بل كان مرآة لروح المدينة نفسها. مدينة تتعب لكنها لا تنكسر، تحزن لكنها لا تصمت، وتبقى رغم كل شيء واقفة على حافة الزمن، تحمل اسماءها القديمة في قلبها مثل تعويذة ابدية ضد النسيان.



