الكاتب : محمد زهدي شاهين
ليست المؤتمرات في تاريخ الحركات مجرد محطات تنظيمية عابرة، بل هي لحظات انكشاف حقيقية: إمّا أن تعيد الحركة تعريف نفسها بما يليق بتضحياتها، أو تنزلق إلى تكرارٍ مُتعب لا يقنع أحدًا. وفي هذا السياق، يأتي المؤتمر العام الثامن لحركة فتح بوصفه اختبارًا حقيقيًا لروح الحركة، لا لشكلها فقط .
لقد نشأت حركة فتح من رحم المعاناة، وتشكّلت كحالة وعي قبل أن تكون إطارًا تنظيميًا. لقد كانت “فتح” فكرة التحرر حين كان الصمت هو القاعدة، وكانت المبادرة حين كان الانتظار هو السائد. لكن الحركات التي لا تُراجع نفسها، تتحول من طاقة تغيير إلى عبءٍ على الذاكرة.
من هنا، لا يُطلب من المؤتمر الثامن أن يُجمّل الصورة، بل أن يُعيد بناءها على أسسٍ صلبة:
أولها استعادة البوصلة الوطنية التي يتم استعادتها من خلال الفعل المبادر، وبالوعي الجمعي، وبنقد الذات، وبالتحرر من الارتهان، وبإعلاء المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة و بعيدًا عنها، فالناس لم تعد تبحث عن شعارات، بل عن مواقف واضحة تنحاز للكرامة والحق دون مواربة.
وثانيها إعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة في بنية القرار، لأن الثقة لا تُستعاد بالخطب، بل بإشراك وجوه قادرة ونظيفة تعبّر عن نبض الشارع لا عن مصالح النخبة.
وثالثها الاقتراب من الناس، لا عبر الخطاب وحده، بل عبر الفعل اليومي؛ فالفلسطيني اليوم لا يريد من يقوده من فوق، بل يريد من يسير معه في تفاصيل حياته الصعبة.
إن مصداقية “فتح” اليوم لا تُقاس بتاريخها فقط، بل بقدرتها على أن تكون صادقة مع حاضرها. فالتاريخ يمنح الشرعية، لكن الحاضر وحده يمنح الثقة. وبين الشرعية والثقة، تقف الحركة أمام خيارين: إمّا أن تُجدّد نفسها "بشجاعة"، أو أن تُترك لذكرياتها.
المؤتمر الثامن فرصة، وربما تكون الأخيرة، ليُقال إن “فتح” لم تكن مجرد مرحلة في التاريخ الفلسطيني، بل مشروعًا مستمرًا يتجدد بقدر ما يصدق مع شعبه. فالشعوب لا تُخدع طويلًا، لكنها تغفر كثيرًا لمن يملك شجاعة الاعتراف، وجرأة التصحيح.
وفي النهاية، لا تحتاج “فتح” إلى أن تُقنع الناس بأنها كانت عظيمة، بل أن تُثبت لهم أنها ما زالت قادرة على أن تكون كذلك.



