آراء

الاحتلال: إنه يهلك ... الى الأستاذ عادل مفيد من بيت دقو ملهم كتابة هذا المقال

14 مشاهدة
الاحتلال: إنه يهلك ... الى الأستاذ عادل مفيد من بيت دقو ملهم كتابة هذا المقال

الكاتب : تحسين يقين


في صفحات جريدة الأيام الاثنين السابق، اجتمعت الكثير من المشاهد والمشاعر، والتي انطلقت من بلاغة وجودنا هنا على هذه الأرض العظيمة.
ستجتمع قصيدة الشاعر الكبير غسان زقطان مع كلمات آخرين، في حين سيلتقي ذلك كله مع طفل غزة الذي يحلم برجل اصطناعية، ومع نداء طفلة شقبا التي سطا الاحتلال على غرفتها وألعابها، ومع كلمات كتاب عقلاء تصريحات دولية وأمريكية تدين الاحتلال، وصولا الى استخلاص العالم بأنه لا يمكن للاحتلال أن يستمرّ وبخاصة بهذه الوحشية. وهو استخلاص يذكّرنا دوما بأن "مستعمرة المستوطنة المسلحة" لا تدري إلى أين تمضي، فصارت مأزومة، وصارت عبئا حتى على الحليف الأمريكيّ؛ فحين أقرأ صرخة الأستاذ والمزارع عادل حسين على الفيسبوك "هلكنا"، سأتذكر بأنه إذا مسّنا قرح، فقد مسّ القوم قرح مثله، بل وأكثر، لأننا في كل يوم نزرع بقاءنا بقاء طبيعيا ووجوديا، في حين يحصد الاحتلال سوء ما زرع، لذلك ننمو نحن وهو "ينشف". وكل ذلك لأن عقليته المعقّدة ترفض العيش مع الآخرين، أيّ آخرين.
في كل يوم تترّسخ فلسطين أكثر على خارطة الكون، وفي قلوب البشر، لذلك لن يكون باستطاعة البشر تحمّل عبء وجود الاحتلال الذي يبطش وهو بكامل قوته العسكريّة بشعب مدنيّ أعزل.
يبوح زقطان تحت عنوان: يحسبنــا الآخـرون ظـلالاً:
نحن في فُسحةِ البابِ
يغمرنا الوقت والانتظار
تقلّبنا الشمس ذات اليمين وذات الشمال
وفي اللَّيلْ
نطْرُقُ أَحلامنا بالجدار.
..
وفي اللَّيل
يحسَبُنا الآخَرون ظِلالاً
فلا يَطرحونَ علينا السَّلام".
اتفق الشاعر زقطان مع الأستاذ المزارع عادل الدقاويّ الذي نفث غضبه وضيقه تحن عنوان "هلكنا":
"مش تعب يوم ولا يومين، ولا تعب شغل وبس… تعبنا من الدنيا نفسها، من كثرة ما شدّت علينا، ومن كثر ما كل يوم بنقول: معلش، بكرة بتفرج، وبكرة بيجي أسوأ. صرنا نتظاهر بالقوة والصبر والعزيمة، وإحنا من جوّا مهدودين... وما بدنا المرة حدا يقول لنا: اصبروا، وكونوا أقوياء، وبكرة أحسن. بدنا بس لحظة صدق.نعترف فيها إننا بشر…".
أعجبني صدق كلمات عادل، لأن الفلسطيني ليس "سوبر مان"، أعجبني بوح ما في داخله وداخلنا، ف"نحن بشر يا بشر"، كما كتب يوما إميل حبيبي، ولكن عادل الفلسطيني لم يقف عند حدّ الشكوى، بل استمرّ في تعليم تلامذته، ورعاية أرضه، إنه فعلا يزرع الأمل لا اليأس أبدا، ولكنها صرختنا جميعا تعبنا.
وبالطبع فإن شعبنا وإن قدّر دوما كلمات التضامن، فإنه سيقدّر كثيرا وعاليا أيادي الأشقاء والأصدقاء في تقوية وجودنا على الأرض، ونحن نمضي جميعا نحو إنهاء الاحتلال.
إنهاء الاحتلال اليوم صار همّا شخصيّا للملايين في هذا العالم، ولربما آلاف الملايين التي ضجّت منه، فصار تعذيب الاحتلال لنا تعذيبا لهم أيضا. والآن يتحرك الملايين وقريبا عشرات ومئات الملايين التي ستضغط على الحكومات، ما سيزيد عزل الاحتلال، والعزل موت معنويّ يقود الاحتلال نفسه إليه بعد التخلي عن الإنسانية والعقلانية.
تعذيب فلسطين موجود في كل مكان يصله المستوطنون وجنود الاحتلال، وهم فعلا تائهون لا يعرفون أي حال وصلوا له. ولنا أن نراهم في الصور، ولنا سوء الحظ برؤيتهم هنا أيضا. نتأمل حالنا مثلا في قرية بيت دقو، أُمّ العنب، لا أُم الإرهاب طبعا كما يصفنا الاحتلال؛ فقد سطا جدار الفصل على جزء كبير من أراضي القرية الشمالية، بمبرر الأمن، فأيّ خطر يشكله القرويون على الاحتلال! لم تمر سوى بضع سنوات حتى توسعت المستوطنة القريبة، حيث يجري بناء مستوطنة جديدة وراء الجدار، ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل تسطو "الإدارة المدنية" على متنزه بسيط تقضي فيه الأسر بعض الوقت في هذا الحصار والإفقار، فيجد الأطفال بعض الفرح بالسباحة في بركة قديمة تم ترميمها. لم يعجب الاحتلال ذلك، فأية مفارقة صادمة هذه: هم يبنون مستوطنة ويسطون على القرويين، يستكثرون عليهم القليل من الفرح!
كنت هناك بالصدفة، سررت بالأطفال الضاحكين وهم يسبحون فتذكرت طفولتنا في "عين سلمان"، وفرحت لفرح الأسر التي تعدّ الطعام، فرحت لفرح الشباب، إذا بجنديي احتلال ببندقتين طويلتين، يدخلان المكان، في حين تركا  جيبا وسيارة فيها أفراد يرتون زيا مدنيّا، بادرنا أحدهم، ثلاثينيا أصابعه على الزناد بتحية وكيف الحال بالعبرية، اكتفيت بكلمة تمام. مفارقة أخرى؛ فلا يوجد هنا ما هو تمام في ظل وجود الاحتلال. رحت أتأمل أحدهما، محاولا قراءة المونولوج الذي داخله، وهو يرى ما نرى من لعب أطفال وسرور أُسر. لا أظنه كان سعيدا بما يفعله هنا، لكنّ ما أدهشني هو عبقرية المتنزهين من أعمار مختلفة، حيث تابع الأطفال السباحة والضحك زاهدين بوجودهما، وتابع الشباب والنساء ما كانوا يفعلونه، في رسالة عميقة، رسالة لهما وللاحتلال بأننا نتابع حياتنا الطبيعية هنا، فنحن نتآلف مع المكان الذي يلفظكم. أعجبني ما رأيت وسمعت وزادت ثقتي بأبناء وبنات شعبنا. من المؤكّد أن هذا المحتلّ قال في نفسه: ما الذي نفعله هنا؟
هل كان جندي الاحتلال أم مستوطنا؟ وهل هناك فرق في ظل تغطية حكومة الاحتلال وتشريعها لكل ما هو مناقض لشرائع السماء والأرض! تذكرت آخر فقرة في رواية "مزرعة الحيوانات" لجورج أورويل، حيث أنه وبعد نقل النظر تجاه مستر جونز وتجاه الخنازير، لم يستطع التمييز بينهما. 
هل كان جندي الاحتلال أم مستوطنا؟ ليس سؤالا صحيحا، لأن جندي الاحتلال في الأصل مستوطن في هذه البلاد؛ ففي الجوهر، هما واحد، هما مستوطنان، والواقع المعاش الآن يثبت ذلك.
"هلكوا من تعذيبنا" يا شيخ عادل! هلك الاحتلال من نفسه وأفعاله الشريرة الحمقاء بزراعة الحقد، فهل من يفعل ذلك يترك مجالا لأمل العيش هنا في سلام! أي عاقل في "دولة الاحتلال" يعرف ان الحل السياسي، والذي يعني انهاء الاحتلال هو بداية الطريق للسلام.
لذلك، وفي صفحات "الأيام"، قرأنا في يوم واحد فقط، لكتاب إسرائيليين يدينون الاحتلال بعمق، بمن في ذلك كاتب نقد لغة الاحتلال نقدا حادا.
وبالرغم من الضيق يا أستاذ عادل ويا غسّان زقطان، فإن من سبقنا حين قال: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج كان صادقا. قول ينسب للإمام الشافعيّ الذي كان يقرض الشعر أيضا. فيا سيدنا الشافعيّ نحن نعتقد أنها ستفرج، بفعل بقائنا هنا، وفعل أحرار العالم.
الاحتلال على مفترق للاختيار مستوطنين وقادة، إما إعادة النظر في أفعال الشرّ والعودة لمسار العقل، أو استمرار السطو على شعبنا الأعزل، فإن استمرّ ذلك، فالمعنى واضح والنتيجة انتحار.
أما شعبنا، فسيواصل الحياة، ستتوفر رجل صناعية لطفل غزة، ومعه 8 آلاف بترت أطرافهم، وسيكون هناك بيت وغرفة لنداء من شقبا، وستتعرف نداء على بلدها العريق من التعرّف على مغارة شقبا.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.