الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
ليست الحروب مجرد مواجهات عسكرية بين جيوش أو صراع على الأرض والحدود، بل هي امتحان أخلاقي وإنساني يكشف حقيقة الأفراد والمجتمعات والدول. ففي أوقات السلم قد تختلط الأقنعة بالوجوه، وتختبئ النوايا خلف الشعارات، أما عندما تدوي صفارات الإنذار، وتسقط القذائف، ويصبح الموت خبراً يومياً، فإن كثيراً من الأقنعة تتساقط، وتظهر النفوس على حقيقتها.
في الحرب نرى الإنسان الذي يقتسم آخر رغيف خبز مع جاره، ونرى في المقابل من يحتكر الطعام ويرفع الأسعار مستغلاً حاجة الناس. نرى الطبيب الذي يبقى في غرفة العمليات أياماً متواصلة لإنقاذ الجرحى، ونرى من يحول آلام الناس إلى تجارة. نرى الصحفي الذي يخاطر بحياته لينقل الحقيقة، ونرى آخر يبيع قلمه لمن يدفع أكثر، فيزوّر الوقائع ويبرر الجرائم.
الحرب لا تبتدع الأخلاق ولا تصنع المبادئ، لكنها تكشف ما كان كامناً في النفوس. فمن تربى على الرحمة يزداد رحمة، ومن امتلأ قلبه بالحقد يزداد قسوة، ومن آمن بالوطن يثبت في الميدان، ومن كانت مصالحه الشخصية فوق كل اعتبار يبحث عن أول طريق للنجاة ولو كان على حساب أبناء شعبه.
وفي فلسطين، كما في كثير من بقاع العالم التي عرفت ويلات الحروب، ظهرت صور مشرقة ستبقى خالدة في الذاكرة. أمهات قدمن أبناءهن وهن يرددن كلمات الصبر والإيمان، وشباب حملوا الجرحى تحت القصف، وأطباء ومسعفون وصحفيون ومتطوعون واصلوا أداء رسالتهم رغم المخاطر الهائلة. هؤلاء لم تصنعهم الحرب، بل كشفت معدنهم الأصيل.
لكن الوجه الآخر كان أكثر قسوة. فقد برز من استغل الأزمات لتحقيق مكاسب شخصية، ومن تاجر بالمساعدات، ومن احتكر السلع الأساسية، ومن جعل معاناة الناس وسيلة للربح أو الشهرة أو تصفية الحسابات السياسية. وهؤلاء أيضاً لم تفسدهم الحرب بقدر ما كشفت ما كان مختبئاً في داخلهم.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد، فالحروب تكشف أيضاً حقيقة الدول ومواقفها. فهناك دول ترفع شعارات حقوق الإنسان والعدالة، لكنها تصمت عندما تكون الضحية لا تنسجم مع مصالحها السياسية، أو تبرر استخدام القوة المفرطة، أو تتعامل بازدواجية مع المبادئ التي طالما تغنت بها. وفي المقابل، هناك شعوب ومؤسسات وأفراد يقفون إلى جانب المظلوم، انطلاقاً من قناعة أخلاقية وإنسانية، بعيداً عن الحسابات الضيقة.
كما تكشف الحرب قوة الروابط الاجتماعية. ففي الأزمات تتجلى قيمة التكافل، عندما تتقاسم العائلات ما لديها، وتفتح البيوت أبوابها للنازحين، ويتحول الجار إلى سند، والغريب إلى أخ. إنها لحظات تؤكد أن المجتمع الذي يمتلك روح التضامن يستطيع أن يصمد أمام أقسى الظروف، حتى وإن كانت إمكاناته محدودة.
ومن الدروس التي تفرضها الحروب أن الوطنية ليست خطاباً يلقى في المناسبات، ولا شعارات ترفع على المنصات، بل هي موقف عملي يظهر عند الشدائد. فالوطن يحتاج إلى من يبني ويحمي ويصبر ويضحي، لا إلى من يتاجر باسمه أو يستخدمه سلماً لتحقيق مصالحه الخاصة.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تتذكر بعد انتهاء الحروب حجم الثروات التي جمعها الانتهازيون، بل تتذكر أسماء الشهداء، والأطباء، ورجال الإنقاذ، والمعلمين الذين واصلوا رسالتهم، والإعلاميين الذين نقلوا الحقيقة، وكل من اختار الوقوف إلى جانب الإنسان في أصعب اللحظات. أما أصحاب المصالح الضيقة، فإن الزمن غالباً ما يضعهم في المكان الذي يستحقونه، مهما حاولوا تزيين أفعالهم.
إن الحرب، على قسوتها، تترك درساً لا ينسى: النفوس الأصيلة تزداد نقاءً، والنفوس المريضة ينكشف زيفها. وفي نهاية المطاف، لا يقاس الإنسان بما يقوله عن نفسه في أيام الرخاء، بل بما يفعله عندما تضيق السبل، ويصبح الموقف أغلى من الكلام.
ولهذا، فإن أعظم ما تكشفه الحروب ليس حجم الدمار الذي تخلفه، بل حقيقة الإنسان نفسه. فهي مرآة تعكس القيم، وتختبر الضمائر، وتفرز بين من يحمل الإنسانية في قلبه، ومن يحمل المصلحة في جيبه. وبين هذين النموذجين يُكتب التاريخ، ويُصنع المستقبل، وتبقى المواقف الصادقة شاهدة على أن الشدائد، مهما بلغت قسوتها، تبقى المعيار الأصدق لمعرفة معادن الرجال والنساء، وأن الحرب، قبل أن تكون مواجهة بالسلاح، هي امتحان للضمير والإنسانية.

