الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
ليس المطلوب اليوم أن نضيف خطاباً جديداً إلى عشرات الخطابات التي تُقال عن فلسطين، بل أن نطرح سؤالاً أكثر قسوة وواقعية: ماذا تفعل المؤسسة الوطنية الفلسطينية عندما يقتحم الاحتلال المخيم، ويُحاصر البيت، ويُعتقل الشاب، ويُهدم المنزل، ويُقتل المواطن، وتُترك العائلة والمجتمع أمام الأزمة يبحثان عن من يديرها ويتابعها ويحوّلها إلى قضية سياسية وإعلامية وقانونية؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالأزمة الفلسطينية الراهنة ليست فقط أزمة اقتحامات واجتياحات واعتقالات واستيطان وتهجير، وليست فقط أزمة عجز دولي عن ردع الاحتلال؛ إنها، في جانب منها، أزمة في إدارة الفعل الوطني نفسه: غياب المبادرة في لحظات الخطر، غياب الخطة المتكاملة، بطء الاستجابة، تعدد الأصوات، ضعف التنسيق، وخصوصاً غياب خطاب سياسي وإعلامي فلسطيني قادر على أن يسبق رواية الاحتلال بدلاً من أن يظل يركض خلفها.
وهذا هو جوهر التحليل الملموس للواقع الملموس: ألا نكتفي بتوصيف الواقع، وألا نحوله إلى خطبة سياسية، بل أن نسأل: ما الذي يحدث فعلاً؟ من يدير الحدث؟ من يحدد روايته؟ من يحشد الرأي العام حوله؟ ما الأدوات المتاحة؟ أين نقاط القوة والضعف؟ وما الذي يجب تغييره؟
المخيم ليس خبراً عابراً ..
حين تتعرض مخيمات اللاجئين لاقتحامات متكررة، فإن التعامل معها باعتبارها مجرد أحداث أمنية متفرقة هو خطأ سياسي كبير. فالمخيم في الوعي الفلسطيني ليس مجرد تجمع سكاني؛ إنه أحد أكثر الرموز كثافة في الذاكرة الفلسطينية: النكبة، واللجوء، والاقتلاع، والتمسك بحق العودة، واستمرار الصراع عبر الأجيال.
لذلك فإن اقتحام المخيم ليس مجرد عملية عسكرية تستهدف مجموعة من الأشخاص؛ إنه حدث سياسي واجتماعي وإنساني وإعلامي، ينبغي أن تكون له استجابة وطنية متكاملة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين غرفة العمليات السياسية التي تجمع المعلومات من الميدان؟ أين فريق التوثيق الفوري؟ أين المحامون؟ أين الدبلوماسيون؟ أين الإعلام الرسمي؟ أين التواصل مع المؤسسات الدولية؟ أين الخطاب الذي يخاطب المواطن الفلسطيني أولاً، ثم الرأي العام العربي والدولي؟ وأين المتابعة التي تستمر بعد انتهاء الاقتحام ولا تسمح بأن يتحول الضحايا إلى أرقام في أرشيف الأخبار؟
الاحتلال يعمل على تحويل الجريمة إلى حدث يومي، بينما المطلوب فلسطينياً تحويل الحدث اليومي إلى قضية سياسية متراكمة.
وهذه نقطة جوهرية.فالاحتلال لا يراهن فقط على القوة العسكرية؛ إنه يراهن أيضاً على الزمن، وعلى الاعتياد، وعلى إنهاك المجتمع، وعلى أن يصبح اقتحام المخيم خبراً في الصباح ثم خبراً قديماً في المساء.
ومن هنا فإن غياب الاستراتيجية لا يعني فقط غياب خطة عسكرية أو أمنية، بل يعني قبل ذلك غياب إدارة سياسية متكاملة للأزمة.
إسرائيل لا تدير المعركة بالرصاص وحده ..
في المقابل، تدرك إسرائيل أن السيطرة على الأرض لا تنفصل عن السيطرة على الصورة والرواية والمعلومة. فكل عملية عسكرية لها رواية جاهزة: "مكافحة الإرهاب"، "إحباط تهديد"، "عملية أمنية"، "اعتقال مطلوبين". وفي كثير من الأحيان تصل الرواية الإسرائيلية إلى وسائل الإعلام العالمية قبل أن تتشكل الرواية الفلسطينية الرسمية.
وهنا لا يعود السؤال: هل لدينا إعلام فلسطيني؟
السؤال الأدق هو: هل لدينا منظومة إعلامية فلسطينية تعمل وفق عقيدة سياسية واضحة لإدارة الصراع على الرواية؟
وهذا فرق كبير. فالإعلام الذي ينتظر البيان الرسمي، ثم يعيد نشره، ليس إعلاماً مقاوماً للرواية؛ إنه إعلام إخباري في أحسن الأحوال. أما إعلام القضية، فهو الذي يمتلك المعلومة، والصورة، والشاهد، والوثيقة، واللغة، والسياق، والقدرة على الوصول إلى الجمهور، ويعرف مسبقاً ما هي الأسئلة التي سيطرحها الإعلام الدولي، وما هي الرواية التي سيحاول الاحتلال فرضها.
وهنا تبدو المفارقة التاريخية مؤلمة.
ماذا نتعلم من أبو عمار؟ ..
كان الشهيد ياسر عرفات، رغم كل التحولات والخلافات التي أحاطت بتجربته، يدرك خطورة تعدد الأصوات في لحظات الصراع. ففي حديث صحفي عام 1971 تحدث صراحة عن ضرورة مواجهة التشرذم، وعن الحاجة إلى "قيادة واحدة وصوت واحد"، وربط ذلك أيضاً بمواجهة الحملات الإعلامية والنفسية التي تتعرض لها الثورة الفلسطينية.
هذه ليست دعوة إلى إلغاء التعدد السياسي الفلسطيني، فالتعدد جزء من طبيعة المجتمع الفلسطيني وتاريخه، وإنما المقصود هو شيء مختلف: التعدد في الاجتهاد لا ينبغي أن يتحول إلى فوضى في إدارة المعركة الوطنية.
كان المطلوب أن تتعدد الآراء داخل غرفة القرار، لكن عندما تخرج الرسالة إلى العالم تكون واضحة ومفهومة ومقنعة.
والأهم أن عرفات كان يدرك مبكراً أن الاحتلال لا يخوض معركة عسكرية فقط، بل يخوض أيضاً حرباً نفسية وإعلامية.
هذه الفكرة تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
أبو إياد : التنظيم قبل الشعارات ..
الشهيد صلاح خلف، أبو إياد، ترك في التجربة الفلسطينية درساً بالغ الأهمية يتعلق بالعلاقة بين القيادة والتنظيم والواقع. ففي قراءة موثقة لأفكاره وتجربته، كان يرى أن أحد أسباب عقم تجارب الحركة الوطنية السابقة هو غياب الجهاز المركزي الدائم ذي البنية المتينة، وأن المطلوب بناء منظمة شعبية قادرة على الاستمرار مهما كان مصير القائد أو الشخص.
هذه الفكرة تصلح اليوم مدخلاً أساسياً لمراجعة الأداء الفلسطيني. فلا يجوز أن يكون لكل اقتحام "خلية أزمة" مؤقتة، ثم تنتهي الخلية بانتهاء الحدث. ولا يجوز أن يرتبط تحرك المؤسسة الوطنية بقدرة شخص أو مسؤول على المبادرة. المطلوب مؤسسات وآليات ثابتة، تعمل على مدار الساعة، وتملك الصلاحية والمعلومة والموارد.
أبو جهاد: من الفكرة إلى الممارسة ..
الشهيد خليل الوزير، أبو جهاد، يقدم نموذجاً آخر أكثر ارتباطاً بفكرة تحويل الرؤية إلى فعل. فقد جمع بين التنظيم والعمل الميداني والعلاقات الخارجية والإعلام؛ وتشير سيرته إلى أنه أصدر في بدايات حركة فتح نشرات مثل "نداء الحياة: فلسطيننا"، ثم أشرف لاحقاً على إصدارات إعلامية أخرى، كما تولى مسؤوليات سياسية وتنظيمية متعددة.
وكانت إحدى عباراته التي تستحق التوقف عندها: "إياك أن يشعر عدوك بالعزة عليك"، في سياق حديثه عن ضرورة الحفاظ على العنفوان والكرامة في مواجهة الاحتلال.
المعنى السياسي الأوسع لهذه العبارة اليوم هو أن المجتمع الذي يشعر بأن مؤسساته غائبة في لحظة الخطر، يفقد جزءاً من ثقته بقدرته على مواجهة الأزمة.
المواطن في المخيم لا يريد فقط أن يسمع خطاباً سياسياً عاماً؛ يريد أن يعرف: من يتابع؟ من يوثق؟ من يتصل بالمؤسسات الدولية؟ من يتابع المعتقلين؟ من يساند عائلات الضحايا؟ من يحول الجريمة إلى ملف؟ ومن يمنع الاحتلال من احتكار تعريف ما حدث؟
كنفاني: حين يصبح الإعلام جزءاً من المقاومة السياسية ..
ولعل غسان كنفاني هو المثال الأكثر وضوحاً على أن المعركة على فلسطين ليست معركة بندقية وحدها. فقد كان الراحل الكبير صحفياً وأديباً ومثقفاً وسياسياً، لكنه تعامل مع الكلمة باعتبارها جزءاً من الصراع نفسه. وقد أسس وحرر مجلة "الهدف"، التي تحولت إلى منبر رئيس للعمل السياسي والإعلامي للجبهة الشعبية، كما عُرف بدراساته حول "أدب المقاومة". وتُنسب إليه عبارة شديدة الدلالة: "إن الإعلام معركة"، وهي عبارة تختصر جوهر المسألة.
كنفاني لم يكن يتعامل مع الإعلام باعتباره ملحقاً بالسياسة؛ بل كان الإعلام عنده جزءاً من صناعة الوعي السياسي ذاته.
وهنا تحديداً تكمن إحدى مشكلات الحاضر. فقد أصبح لدينا إعلام فلسطيني واسع من حيث عدد المنصات، لكن الاتساع التقني لا يعني بالضرورة امتلاك استراتيجية إعلامية.
لدينا عشرات المواقع والصفحات والقنوات والمنصات، لكن هل لدينا غرفة تفكير إعلامية مركزية تضع سيناريوهات مسبقة للرواية الإسرائيلية وتبني الرد الفلسطيني عليها؟
هل لدينا بنك معلومات باللغة الإنجليزية وغيرها، محدث باستمرار، يضم أسماء الضحايا، وصورهم، وشهاداتهم، والخرائط، والوثائق، والتسلسل الزمني للاقتحامات؟
هل لدينا متحدثون مدربون يستطيعون مخاطبة الإعلام الغربي بلغة قانونية وسياسية وإعلامية مقنعة؟
هل لدينا فريق يلاحق الصحف العالمية بعد كل حادثة ويصحح المعلومات المغلوطة؟
هل لدينا قدرة على تحويل قصة طفل في مخيم إلى قصة إنسانية يفهمها صحفي في لندن أو نيويورك أو مدريد، دون أن تفقد بعدها السياسي الفلسطيني؟
إذا كانت الإجابة بالنفي أو حتى بـ"ليس بالقدر الكافي"، فالمشكلة ليست نقصاً في الوطنية، وإنما نقص في المنهجية.
ان المشكلة الفلسطينية اليوم ليست فقط أن إسرائيل تمتلك رواية أقوى في بعض وسائل الإعلام الغربية؛ المشكلة أننا كثيراً ما نسمح لها بأن تكون الرواية الأولى. وفي الإعلام، الأولوية مهمة. فمن يعرّف الحدث أولاً يملك جزءاً كبيراً من القدرة على تفسيره.
إذا قالت إسرائيل: "عملية أمنية"، ثم جاء الرد الفلسطيني بعد ساعات ليقول "جريمة"، فقد بدأ النقاش من أرضية الاحتلال. أما إذا بدأ الفلسطيني من الحقيقة الملموسة: "اقتحمت قوات الاحتلال مخيماً مدنياً في الساعة كذا، وأغلقت المداخل، وأصابت مدنيين، واعتقلت فلاناً، ومنعت الإسعاف من الوصول..."، ثم وضع الحدث في سياقه القانوني والسياسي والتاريخي، فإن الرواية تبدأ من الواقع لا من تعريف الخصم له.
وهنا يكون التحليل الملموس للواقع الملموس أداة إعلامية أيضاً.
نحن لا نحتاج إلى مبالغات ولا إلى أخبار غير دقيقة او أرقام غير موثقة او خطاب عاطفي منفصل عن الوقائع.
بل نحتاج إلى حقيقة دقيقة، موثقة، سريعة، إنسانية، ومتصلة بسياق سياسي واضح.
ثمة خطأ آخر يجب الاعتراف به: التعامل مع المواطن الفلسطيني باعتباره متلقياً للبيان الرسمي. فالمواطن ليس رقماً في استطلاع، ولا متلقياً سلبياً .. هو يعيش الأزمة وهو الذي يواجه الحاجز وهو الذي يسمع الرصاص وهو الذي يبحث عن ابنه وهو الذي يعرف تفاصيل المخيم.
وإذا لم يجد المؤسسة الوطنية إلى جانبه في لحظة الخطر، فإنه يبدأ بالبحث عن مصادر أخرى للمعلومة والتفسير. وهنا تتسع الفجوة بين المواطن والمؤسسة.
لذلك فإن إدارة الأزمة تبدأ من استعادة الثقة، والثقة لا تُطلب بالخطاب؛ بل تُبنى بالفعل.
المطلوب: عقيدة وطنية لإدارة الأزمات ..
لا يكفي أن نقول إن هناك حاجة إلى "خطة استراتيجية". المطلوب تحويل العبارة إلى نظام عمل واضح. ويمكن أن تبدأ المعالجة من إنشاء منظومة وطنية دائمة لإدارة الأزمات، تضم السياسي والإعلامي والقانوني والدبلوماسي والاجتماعي، بحيث تكون مهمتها:
- الرصد المبكر: متابعة التطورات في المدن والمخيمات والقرى والاستيطان والاعتقالات والتهجير.
- غرفة عمليات دائمة: تعمل وفق بروتوكولات واضحة عند وقوع أي اقتحام أو اعتداء واسع.
- مركز توثيق وطني: يحول كل حادثة إلى ملف موثق بالصورة والشهادة والوثيقة والتاريخ والموقع.
- استجابة إعلامية فورية: إصدار معلومات دقيقة بلغات متعددة، بعيداً عن المبالغة والانفعال.
- فريق للرواية الدولية: التواصل مع الصحفيين والمؤسسات الحقوقية والبرلمانات والجامعات ومراكز الأبحاث.
- وحدة قانونية: تحويل الوقائع الميدانية إلى ملفات قابلة للملاحقة القانونية والسياسية.
- إعلام محلي للمواطن: لأن المواطن الذي لا يعرف ماذا تفعل مؤسساته يشعر بأن المؤسسات غائبة، حتى لو كانت تعمل في غرف مغلقة.
- قاعدة بيانات موحدة: تمنع تضارب الأرقام والأسماء والتصريحات.
- تدريب متحدثين فلسطينيين: لا يكفي أن يكون المتحدث وطنياً؛ يجب أن يكون قادراً على تقديم الحجة في ثلاثين ثانية، وفي ثلاث دقائق، وفي مقابلة كاملة.
- تقييم بعد كل أزمة: ماذا حدث؟ أين أخطأنا؟ ماذا نجح؟ وما الذي يجب تغييره قبل الأزمة القادمة؟
هذه ليست رفاهية مؤسساتية. إنها جزء من الأمن السياسي للمجتمع الفلسطيني.
ان الإعلام الذي كان يعتمد على الصحيفة والإذاعة أصبح اليوم يعتمد على الهاتف والمنصة الرقمية والفيديو القصير والذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل. لكن الذي لم يتغير هو قانون الصراع نفسه: من يمتلك المبادرة، والمعلومة، والتنظيم، والقدرة على تحويل الواقع إلى رواية سياسية، يمتلك جزءاً أساسياً من القدرة على التأثير.
اخيرا، فالمواطن الفلسطيني، وخصوصاً في المخيمات والمناطق الأكثر تعرضاً للاقتحام، لم يفقد القدرة على الصمود. والمشكلة أن قدرته على الصمود لم تعد تجد دائماً مؤسسة سياسية وإعلامية توازيها في التنظيم والاستجابة. وهنا يجب أن يكون النقد موجهاً إلى الأداء والمنهج، لا إلى المجتمع.
فالمواطن ليس المشكلة والمخيم ليس المشكلةوالصحفي ليس المشكلة. والناس الذين يخرجون إلى الشارع دفاعاً عن وطنهم ليسوا المشكلة.
السؤال الحقيقي هو: هل تمتلك القيادة والمؤسسات الوطنية خطة لتحويل هذا الصمود الشعبي إلى قوة سياسية وإعلامية ودبلوماسية وقانونية مستدامة؟
إن كانت الإجابة غير واضحة، فهذه هي اللحظة التي يجب أن يبدأ فيها التصحيح.

