رئيس التحرير

المخيمات.. بين الدعاية الانتخابية الإسرائيلية ومحاولات تصفية قضية اللاجئين

11 مشاهدة
المخيمات.. بين الدعاية الانتخابية الإسرائيلية ومحاولات تصفية قضية اللاجئين

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

لم تكن تهديدات وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس باحتلال مخيم فلسطيني آخر في الضفة الغربية مجرد تصريح عسكري عابر، بل تعكس توجهاً سياسياً وأيديولوجياً يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، ليرتبط بصورة وثيقة بالمعركة الانتخابية المحتدمة داخل إسرائيل، حيث تتنافس أحزاب اليمين واليمين المتطرف على استقطاب أصوات المستوطنين والناخبين عبر المزايدة في استخدام القوة ضد الشعب الفلسطيني. وتأتي هذه التصريحات في ظل استعداد إسرائيل لانتخابات عامة مرتقبة، حيث أصبح التصعيد العسكري في الضفة الغربية ورقة انتخابية تستخدمها الحكومة الإسرائيلية لإظهار التشدد وإرضاء القاعدة اليمينية.

لقد أثبتت التجربة السياسية الإسرائيلية خلال العقود الماضية أنه كلما اقترب موعد الانتخابات ارتفع منسوب الخطاب العسكري، واتسعت دائرة العمليات الميدانية ضد الفلسطينيين، باعتبارها وسيلة لإقناع الناخب الإسرائيلي بأن الحكومة هي الأكثر قدرة على فرض الأمن. غير أن ما يجري اليوم في مخيمات الضفة الغربية يتجاوز الحسابات الانتخابية المؤقتة، لأنه يكشف عن مشروع استراتيجي طويل الأمد يستهدف المخيم باعتباره رمزاً سياسياً ووطنياً لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

فالمخيم الفلسطيني ليس مجرد تجمع سكاني، وإنما شاهد حي على نكبة عام 1948، ودليل قانوني وسياسي على وجود ملايين اللاجئين الذين اقتلعوا من مدنهم وقراهم عام 48 . ولذلك فإن استهداف المخيمات بالتدمير، والتهجير، وتجريف البنية التحتية، وإفراغها من سكانها، ينسجم مع رؤية تعتبر أن إزالة المخيم تعني إضعاف أحد أهم الشواهد على حق العودة، حتى وإن بقي هذا الحق مكفولاً وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

ومنذ سنوات تعمل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تغيير طبيعة المخيمات الفلسطينية، عبر العمليات العسكرية المتكررة، وهدم المنازل، وفرض الوقائع الميدانية، وصولاً إلى الحديث عن احتلال دائم لبعض المخيمات أو تحويلها إلى مناطق خاضعة لسيطرة عسكرية مباشرة. ويأتي تهديد كاتس باحتلال مخيم جديد في هذا السياق، باعتباره محاولة لترسيخ واقع جديد يقوم على إنهاء الخصوصية السياسية للمخيمات وتحويلها إلى أحياء سكنية فاقدة لهويتها الوطنية والرمزية.

إن الهدف الحقيقي لا يقتصر على ملاحقة مجموعات مسلحة، كما تدعي إسرائيل، بل يمتد إلى تفكيك البيئة الوطنية التي حافظت على الذاكرة الفلسطينية لأكثر من سبعة عقود. فالمخيم ظل عبر التاريخ عنواناً لحق العودة، ومركزاً للحفاظ على الهوية الوطنية، ولذلك ينظر إليه اليمين الإسرائيلي باعتباره عقبة أمام أي مشروع يسعى إلى فرض حل يقوم على تجاوز قضية اللاجئين أو إسقاطها من أي تسوية مستقبلية.

وتتزامن هذه السياسات مع تصاعد مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وهو ما يكشف عن تكامل بين الأدوات العسكرية والاستيطانية. فمن جهة يجري الضغط على المخيمات لإفراغها أو تقليص حضورها، ومن جهة أخرى يتوسع الاستيطان وتفرض الوقائع الجديدة على الأرض، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بما يخدم المشروع الإسرائيلي طويل الأمد.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن الخطاب المتنامي داخل الحكومة الإسرائيلية، وخاصة لدى قادة اليمين المتطرف، الذين يدعون بصورة متكررة إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وإنهاء أي مظاهر قد ترمز إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك قضية اللاجئين وحق العودة. ولذلك فإن استهداف المخيمات يمثل جزءاً من رؤية سياسية أشمل، وليس مجرد إجراء أمني مؤقت.

ورغم حجم القوة العسكرية المستخدمة، فإن التاريخ أثبت أن المخيمات الفلسطينية بقيت عصية على محاولات محو هويتها. فمنذ النكبة وحتى اليوم، بقيت شاهداً على استمرار القضية الفلسطينية، وحافظت على ذاكرة اللاجئين وارتباطهم بقراهم ومدنهم الأصلية. إن إزالة الأبنية لا تعني إزالة الحق، وتهجير السكان لا يلغي المطالبة بالعودة، لأن الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم ولا بالقوة العسكرية.

إن المجتمع الدولي مطالب اليوم بالانتقال من بيانات القلق إلى خطوات عملية تحمي المدنيين الفلسطينيين، وتضمن احترام القانون الدولي الإنساني، وتمنع تحويل المخيمات إلى ساحات للتجارب العسكرية أو أدوات لتحقيق مكاسب انتخابية داخل إسرائيل. كما أن المطلوب فلسطينياً على الصعيد الرسمي هو تعزيز صمود المخيمات ودعم سكانها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الفلسطينية، ورمزاً لحق العودة الذي سيبقى ثابتاً لا يمكن شطبه مهما اشتدت الضغوط أو تغيرت الحكومات الإسرائيلية.