رئيس التحرير
في الوقت الذي كانت فيه قرية تل جنوب نابلس تزف شهداءها ، وكانت غزة تواصل عدّ ضحاياها تحت القصف والجوع والحصار، وكانت القدس تعلن عن استشهاد ابنها خليل الرشق وتنزف تحت وطأة الاقتحامات والاعتقالات والاستيطان، اختارت بعض المناطق في الضفة الغربية أن تحتفل بنتائج الثانوية العامة التي اعلنت اليوم الجمعة وكأن البلاد تعيش موسمًا من الفرح الخالص، لا زمنًا من الدم والرماد.
لا أحد يعترض على النجاح، ولا أحد يرفض أن يفرح طالبٌ سهر الليالي واجتهد حتى بلغ غايته. فالنجاح حق، والفرح به حق أيضًا. لكن الفرح، كما الأخلاق، له زمانه ومكانه وحدوده، خصوصًا عندما يكون الوطن بأسره يرتدي السواد.
أي معنى لأن تهتز الشوارع بأصوات المفرقعات، وأن تعلو أبواق السيارات، وأن تجوب الفرق الغنائية الأزقة، بينما في الجهة الأخرى من الوطن أمٌ تبحث بين الركام عن بقايا ابنها؟ وأبٌ في قرية تل يحتضن جثمان فلذة كبده؟ وأسرة مقدسية تكلل جبين ابنها بالغار وتستعد لهدم منزلها أو اعتقال أحد أفرادها؟ وأطفال غزة ينامون على أصوات الانفجارات لا على زغاريد النجاح؟
ليس السؤال هنا: لماذا يفرح الناس؟ بل: كيف ينسون بهذه السرعة؟
أي مفارقة مؤلمة هذه التي تجعل أصوات الألعاب النارية تتداخل مع أصوات الرصاص؟ وكيف أصبح مشهد سيارات الأعراس والاحتفالات يمر في وطن تحولت طرقاته إلى مواكب تشييع لا تكاد تتوقف؟
إن ما يؤلم ليس الاحتفال بحد ذاته، وإنما هذا الانفصال الخطير عن الواقع، وهذا التبلد التدريجي في الإحساس الجمعي، حتى باتت المأساة اليومية لا تحرك في بعض النفوس سوى لحظة عابرة قبل العودة إلى تفاصيل الحياة وكأن شيئًا لم يكن.
لقد تحدث ابن خلدون، قبل قرون، عن مظاهر انحلال العمران عندما يضعف الشعور بالمصلحة العامة ويتراجع الإحساس المشترك، فينصرف الأفراد إلى خلاصهم الشخصي، وتتغلب الأنانية على روح الجماعة، ويصبح كل إنسان منشغلًا بعالمه الخاص، غير مكترث بما يصيب مجتمعه من أوجاع . ورغم أن إسقاط أفكار ابن خلدون على واقع معاصر يحتاج إلى حذر، فإن هذا الوصف يلامس ظاهرة اجتماعية خطيرة تتمثل في تراجع الحس الجماعي أمام تصاعد النزعة الفردية.هذه ليست أزمة احتفال، بل أزمة وعي. فعندما يصبح الدم خبرًا عاديًا، والشهيد رقمًا، والمجزرة مشهدًا يوميًا لا يغير في سلوكنا شيئًا، فهنا يبدأ الخطر الحقيقي. لأن الاحتلال لا ينتصر فقط عندما يقتل أبناءنا، بل ينتصر أيضًا عندما ينجح في تفكيك شعورنا الجمعي، وفي تحويل الألم الوطني إلى شأن يخص أصحابه وحدهم.
كيف يمكن أن نطالب العالم بأن يتضامن مع غزة إذا كنا نحن نعجز عن مراعاة مشاعر أهلها؟ وكيف نستنكر صمت الآخرين على جرائم المستوطنين، بينما نعجز عن الصمت ساعات قليلة احترامًا لدماء الشهداء؟
إن المستوطنين اليوم لا يكتفون بالقتل وإطلاق النار، بل يحرقون القرى، ويعتدون على المدنيين، ويقتلعون الأشجار، ويسممون المراعي، ويقتلون المواشي، ويحاولون تحويل حياة الفلسطيني إلى جحيم دائم. وفي المقابل، ينشغل بعضنا باستعراضات احتفالية صاخبة، وكأن الوطن يعيش أيام ازدهار وسلام.
لسنا ضد أن يبتسم الناجح، ولا ضد أن تفرح عائلته، بل نتمنى لكل بيت فلسطيني الفرح. لكن هناك فرق بين فرحٍ هادئ يحترم وجع الناس، وبين استعراض صاخب يطعن مشاعر الثكالى.
إن الوطنية ليست شعارات ترفع في المناسبات، وإنما هي إحساس حي بالآخر. والإنسانية ليست خطبًا تلقى، بل قدرة على أن تؤجل بعض مظاهر الفرح احترامًا لمن فقدوا كل شيء.
أليس من حق أم الشهيد أن تشعر أن أبناء وطنها يشاركونها الحزن ولو بالصمت؟ أليس من حق أطفال غزة أن يدركوا أن هناك من يستحي أن يرقص بينما هم يبحثون عن لقمة خبز؟ أليس من حق القدس، وهي تواجه محاولات الاقتلاع والتهويد، أن ترى أبناء شعبها أكثر تماسكًا وأشد إحساسًا؟
لسنا بحاجة إلى إلغاء الفرح، وإنما إلى تهذيبه. ولسنا بحاجة إلى منع الاحتفال، وإنما إلى إعادة الاعتبار لقيمة التعاطف، وإلى استعادة البوصلة الأخلاقية التي تجعلنا نزن أفعالنا بميزان الضمير قبل ميزان العادة.
إن المجتمعات الحية لا تقاس فقط بقدرتها على الفرح، وإنما بقدرتها على مواساة بعضها بعضًا، وعلى الشعور بالألم المشترك. أما حين يصبح كل فرد جزيرة معزولة، يبحث عن خلاصه الشخصي، ويتصرف وكأن ما يجري حوله لا يعنيه، فإن ذلك يمثل إنذارًا أخلاقيًا يستحق التوقف عنده.
إلى كل ناجح... مبارك نجاحك، فهو ثمرة تعبك، لكن تذكر أن أجمل ما يزين نجاحك هو تواضعك، وأسمى ما يرفعه هو احترامك لدماء الشهداء وآلام الجرحى ودموع الأمهات.
رفقًا بالألم... قليلٌ من الخجل أمام هذا البحر من الدم. فالوطن الذي يشيع أبناءه كل يوم، لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من الضمير.

