رئيس التحرير

فلسطين : بين اختلال النموذج الاقتصادي وضرورة إعادة بناء العقد الاجتماعي

1 مشاهدة
فلسطين : بين اختلال النموذج الاقتصادي وضرورة إعادة بناء العقد الاجتماعي

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 
 
تعيش فلسطين اليوم واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية تعقيدًا منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. فالأزمة الراهنة لم تعد مجرد عجز في الموازنة أو تأخر في صرف الرواتب، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تمس طبيعة النموذج الاقتصادي برمته، وتنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن، ولا سيما أبناء الطبقة المسحوقة من العمال وصغار الموظفين والمتقاعدين والعاطلين عن العمل. هؤلاء هم الحلقة الأضعف، وهم من يدفعون الثمن الأكبر في كل أزمة مالية تتكرر، بينما تبقى فئات أخرى أقل تأثرًا بوطأة الانكماش الاقتصادي.

لقد آن الأوان لأن تتحول إدارة الأزمة من سياسة ردود الأفعال إلى رؤية وطنية شاملة تعيد النظر في أسس الاقتصاد الفلسطيني وعلاقته بالاحتلال وبآليات التمويل والإنتاج والعدالة الاجتماعية.

إن النقد الموجه إلى القيادة الفلسطينية لا ينبغي أن يكون بهدف التقليل من حجم التحديات التي يفرضها الاحتلال، فهو يتحكم في المعابر والموارد وحركة التجارة وجزء كبير من الإيرادات العامة، لكن ذلك لا يمنع من مساءلة السياسات الاقتصادية الداخلية، ولا من مراجعة الخيارات التي أثبتت محدوديتها. فالإدارة الاقتصادية تحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية، وترشيد الإنفاق، وتحديد الأولويات، وإشراك الخبراء والمؤسسات الوطنية في صياغة حلول طويلة الأمد بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات المتكررة.

ومن أبرز القيود البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني ما يرتبط باتفاقية باريس الاقتصادية، التي نظمت العلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في ظروف تاريخية مختلفة. ويرى كثير من الاقتصاديين الفلسطينيين أن هذه الاتفاقية حدّت من قدرة الفلسطينيين على رسم سياسة نقدية وجمركية وتجارية مستقلة، وجعلت الاقتصاد الفلسطيني شديد الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة هذه الاتفاقية بصورة جدية، والسعي إلى تعديلها أو استبدالها بترتيبات اقتصادية تمنح الفلسطينيين مساحة أوسع لإدارة شؤونهم الاقتصادية، مع إدراك أن أي تغيير يتطلب جهودًا سياسية وقانونية ودبلوماسية معقدة، وليس قرارًا أحاديًا يمكن تنفيذه فورًا.

وفي موازاة ذلك، يمكن العمل على تخفيف آثار هذه القيود عبر تنويع الشراكات التجارية، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات حيثما أمكن، وتعزيز الاستثمار في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة، بما يزيد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود أمام الأزمات.

كما أن الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بإيرادات المقاصة والقيود المفروضة على الحركة والتجارة تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على السلطة الفلسطينية، وتؤثر بصورة مباشرة في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. ويستدعي ذلك تكثيف التحرك القانوني والدبلوماسي، وتوسيع شبكة العلاقات الاقتصادية مع الدول والمؤسسات الدولية، والبحث عن أدوات مالية تقلل من هشاشة المالية العامة في مواجهة هذه الضغوط.

وفي قلب هذه الأزمة يقف المواطن الفلسطيني وحيدًا. فالموظف الذي ينتظر راتبه، والعامل الذي فقد مصدر رزقه، وصاحب الدخل المحدود الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، هم الذين يتحملون العبء الأكبر. أما أصحاب الدخول المرتفعة ورؤوس الأموال الكبرى، فإن قدرتهم على امتصاص آثار الأزمات غالبًا ما تكون أكبر، وهو ما يوسع الفجوة الاجتماعية ويزيد الإحساس بعدم العدالة.

لقد بدأت مظاهر التفاوت الطبقي تظهر بصورة أوضح في المجتمع الفلسطيني. ففي الوقت الذي تعيش فيه قرى ومخيمات وأرياف كثيرة ظروفًا اقتصادية قاسية، ويكافح سكانها لتأمين احتياجاتهم الأساسية، تبدو في بعض المناطق الحضرية، ولا سيما في رام الله، مظاهر استهلاك وبذخ تعكس واقعًا اقتصاديًا مختلفًا. وهذه الملاحظة لا تعني أن المدينة بأكملها تعيش الرفاه، فهناك أيضًا فئات واسعة فيها تواجه صعوبات معيشية، لكنها تشير إلى اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، وإلى تركّز الثروة لدى شريحة محدودة مقارنة بأوضاع كثير من المواطنين في مختلف المحافظات.

إن استمرار هذا التفاوت يهدد التماسك الاجتماعي. فقد رأى ابن خلدون أن قوة المجتمعات تقوم على "العصبية" بمعناها الاجتماعي، أي روح التضامن والتكافل التي تحفظ المجتمع وتمنحه القدرة على مواجهة الشدائد. وعندما تتراجع هذه الروح، ويغلب الشعور بالفوارق والامتيازات، تضعف الثقة بين مكونات المجتمع، ويصبح أكثر عرضة للأزمات والانقسامات. ويمكن استلهام هذه الفكرة اليوم باعتبارها دعوة إلى تجديد قيم التضامن والمسؤولية المشتركة، لا إلى الانغلاق أو الإقصاء.

وفي السياق نفسه، تطرح بعض الأفكار المستلهمة من النقد الماركسي للاقتصاد الرأسمالي عناصر تستحق النقاش في الحالة الفلسطينية، ليس بوصفها وصفة جاهزة، بل باعتبارها إطارًا لتحليل اختلالات توزيع الثروة والموارد. ومن ذلك تعزيز دور الدولة في حماية الفئات الأقل دخلًا، وتطوير أنظمة ضريبية أكثر عدالة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، ودعم التعاونيات الزراعية والإنتاجية، وتشجيع الملكية التعاونية والمشروعات الصغيرة، بما يحد من تركز الثروة ويعزز فرص العمل والإنتاج المحلي. ويمكن الاستفادة من هذه الأفكار ضمن اقتصاد مختلط يوازن بين دور القطاع الخاص والعدالة الاجتماعية.

ومن الضروري أيضًا إطلاق برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي يقوم على عدة محاور، من أبرزها:

-إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، مع تقليص النفقات غير الضرورية.
-تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.
-دعم القطاعات الإنتاجية بدلاً من الاعتماد المفرط على الاقتصاد الاستهلاكي.
-توسيع شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
-تشجيع الاستثمار في القرى والمخيمات والمناطق المهمشة، بما يحد من التفاوت التنموي.
-تحفيز الاقتصاد التعاوني والمبادرات المجتمعية التي توفر فرص عمل وتدعم الإنتاج المحلي.
-العمل مع الشركاء الدوليين لتوسيع هامش الاستقلال الاقتصادي وتقليل الاعتماد على مصادر دخل معرضة للتقلبات السياسية.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إدارة أزمة مالية، بل إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والكفاءة والمساءلة. فالمواطن الفلسطيني لا يطالب بالمعجزات، وإنما بسياسات تمنحه شعورًا بأن الأعباء موزعة بصورة أكثر إنصافًا، وأن التضحيات مشتركة بين الجميع، لا أن يتحملها الموظف والعامل وأصحاب الدخل المحدود وحدهم.

كما ان قوة المجتمع الفلسطيني عبر تاريخه لم تكن في وفرة موارده، بل في تماسكه وقدرته على التضامن والصمود والحفاظ على هذه القوة يتطلب سياسات اقتصادية تقلص الفوارق، وتعزز الإنتاج، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، لأن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينجح في ظل اتساع الفجوة الاجتماعية واستمرار شعور الفئات الأكثر ضعفًا بأنها وحدها تتحمل كلفة الأزمات المتلاحقة.