ثقافة

الطاهر وطار في ذكرى رحيله ال16 : حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن

9 مشاهدة
الطاهر وطار في ذكرى رحيله ال16 : حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير
في الثاني عشر من آب/أغسطس 2010، غاب عن المشهد الثقافي العربي واحد من أبرز الأصوات الروائية الجزائرية، الطاهر وطار، بعد حياة حافلة بالنضال والكتابة والانشغال العميق بأسئلة الوطن والإنسان والتاريخ. وقد ترك وراءه تجربة روائية واسعة، جعلت من الرواية وسيلة لاستعادة الذاكرة الجزائرية، ومساءلة التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي عرفتها البلاد قبل الثورة وأثناءها وبعد الاستقلال.

ولذلك فإن استحضار وطار في ذكرى رحيله لا ينبغي أن يكون مجرد وقوف عند تاريخ الوفاة، بل هو مناسبة لإعادة قراءة مشروعه الأدبي، لأن أعماله لم تكن حكايات منفصلة عن زمنها، وإنما كانت محاولة مستمرة لفهم الجزائر في أفراحها وانكساراتها، وفي أحلامها الكبرى وتناقضاتها المؤلمة.

«اللاز»: الرواية التي فتحت جرح الذاكرة
تحتل رواية «اللاز» مكانة مركزية في تجربة الطاهر وطار، فهي من الأعمال التي رسخت حضوره في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية. ولا تكمن أهمية الرواية في موضوعها التاريخي فحسب، وإنما في الطريقة التي أعاد بها الكاتب النظر إلى الثورة الجزائرية من الداخل، بعيداً عن الصورة الاحتفالية الجامدة التي تحول التاريخ إلى أسطورة لا تسمح بالسؤال.

في «اللاز» يصبح التاريخ مادة أدبية حية، تتداخل فيها الثورة بالنزاع الإنساني، والحلم الوطني بالصراع الإيديولوجي، والبطولة بالخوف والضعف والخيانة. ويستعمل وطار الاسترجاع الزمني ليستعيد صفحات من الماضي، بحيث لا يعود الماضي مجرد زمن انتهى، بل يصبح قوة حاضرة في تشكيل الشخصيات والأحداث. وتشير دراسات نقدية إلى أن وطار بدأ منذ «اللاز» بتجريب تقنيات روائية حديثة، ومنها تكسير التسلسل الزمني وتوظيف الاسترجاع وتداخل مستويات لغوية مختلفة.

وهنا تكمن قيمة الرواية: فالثورة عند وطار ليست صورة واحدة مكتملة، وإنما تجربة بشرية معقدة، فيها المناضل والحالم والمتردد والمثقف والفلاح، وفيها أيضاً أسئلة مؤجلة حول معنى الحرية ومصير الثورة بعد الانتصار.

ولعل شخصية اللاز نفسها تحمل جانباً من هذا القلق؛ فهي ليست مجرد شخصية روائية تؤدي وظيفة داخل الحكاية، وإنما تتحول إلى علامة على الإنسان الذي يعيش في قلب التحولات الكبرى، ويجد نفسه ممزقاً بين الماضي والحاضر، وبين الجماعة وذاته.

إن وطار لا يكتب التاريخ من أجل تمجيده فقط، بل يكتبه لكي يسأل: ماذا حدث للإنسان داخل التاريخ؟ ومن دفع ثمن الأحلام الكبرى؟ وهل يكفي أن تنتصر الثورة عسكرياً حتى تتحقق العدالة والحرية؟

من «رمانة» إلى «الزلزال»: الجزائر في مرآة الرواية
إذا كانت «اللاز» تستعيد الثورة وتناقضاتها، فإن «رمانة» تفتح نافذة على المجتمع الجزائري وتكشف علاقة الفرد بالبيئة الاجتماعية والسياسية التي تحيط به. وتظهر في هذه الأعمال ملامح المرحلة الواقعية الاشتراكية في تجربة وطار، وهي مرحلة شملت كذلك «الزلزال».

أما «الزلزال» فتتخذ من المدينة فضاءً للصراع والتحول، وتكشف عن مجتمع يعيش ارتدادات ما بعد الاستقلال. فالزلزال هنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل يمكن قراءته رمزياً بوصفه زلزالاً اجتماعياً وفكرياً وسياسياً أصاب الإنسان الجزائري وهو ينتقل من زمن الاستعمار إلى زمن الدولة الوطنية.

وهكذا تتضح إحدى سمات مشروع وطار: الانتقال من سؤال الثورة إلى سؤال ما بعد الثورة. فالمشكلة لم تعد فقط كيف يتحرر الوطن، وإنما ماذا يفعل الإنسان بالحرية بعد الحصول عليها؟ وكيف تتحول شعارات الثورة إلى واقع اجتماعي؟ وماذا يحدث عندما تصطدم الأحلام بالمصالح والصراعات؟

«الحوات والقصر»: صراع الإنسان والسلطة
في «الحوات والقصر» تتخذ علاقة الإنسان بالسلطة بعداً رمزياً أكثر وضوحاً. ويستخدم وطار الحكاية والإيحاء لبناء عالم روائي يمكن قراءته على أكثر من مستوى، بحيث تصبح السلطة والقصر والحوات رموزاً لعلاقات اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الحكاية المباشرة.

وهنا تتجلى براعة وطار في تحويل الواقع إلى رمز أدبي؛ فهو لا يقدم الواقع كما هو، وإنما يعيد تشكيله داخل عالم تخييلي يسمح للقارئ بأن يرى ما وراء الأحداث.

«الشمعة والدهاليز»: حين يظلم الوطن
ومع «الشمعة والدهاليز» يدخل الطاهر وطار مرحلة أخرى من تجربته، مرحلة أكثر تعقيداً في اللغة والرمز والبناء. فإذا كانت «الشمعة» توحي بالنور والأمل، فإن «الدهاليز» تستحضر العتمة والتعقيد والممرات المغلقة. ويبدو العنوان نفسه أشبه بخريطة رمزية لمرحلة تاريخية يعيش فيها الإنسان بين الرغبة في النور والسقوط في ظلمات الواقع.

وقد اهتمت دراسات نقدية بهذه الرواية إلى جانب «الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي» في تحليل صورة المدينة الجزائرية خلال سنوات العنف في التسعينيات، حيث تظهر المدينة فضاءً للخوف والصراع والعنف.

وهنا يصبح وطار أكثر التصاقاً بالمحنة الجزائرية: لم يعد يستعيد الثورة فقط، وإنما أصبح يواجه سؤالاً أشد قسوة: كيف وصل المجتمع الذي حلم بالحرية إلى هذا القدر من العنف؟

«الولي الطاهر»: العودة إلى الجذور
في «الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي» تتغير أدوات وطار الفنية بصورة ملحوظة. فالموروث الديني والصوفي والأسطوري يدخل بقوة في تشكيل الرواية، ويصبح الماضي والحاضر متداخلين.

وقد كشفت دراسات حول أعمال وطار المتأخرة عن أهمية تقنية الاسترجاع في بناء الزمن الروائي، إذ يستخدمها الكاتب لإقامة حوار بين الماضي والحاضر، وإضاءة صفحات من تاريخ الجزائر من خلال الذاكرة السردية.

كما قرأ بعض النقاد في هذه الرواية نزوعاً صوفياً ورمزياً، بينما أظهرت دراسات أخرى أن وطار وظف التجريب في بناء هذا العالم الروائي، فلم يعد ملتزماً دائماً بالبنية التقليدية للرواية.

إن عودة «الولي الطاهر» إلى مقامه ليست مجرد عودة مكانية، بل يمكن فهمها بوصفها عودة رمزية إلى الجذور: إلى الطفولة، والذاكرة، والموروث، والأسئلة الأولى التي شكلت وعي الإنسان الجزائري.

وطار بين الواقعية والتجريب
من أبرز ما يميز تجربة الطاهر وطار أنها لم تبقَ أسيرة أسلوب واحد. فقد بدأت أعماله بملامح واقعية واضحة، ثم أخذت تجربته تتجه نحو الرمز والتكثيف والتجريب ومساءلة التراث. وتصف بعض القراءات النقدية هذا المسار بالانتقال من الواقعية في «رمانة» و«اللاز» و«الزلزال»، إلى الرمزية في «الشمعة والدهاليز»، ثم إلى أفق أكثر صوفية وتجريباً في «الولي الطاهر».

وهذا التطور ليس مجرد تبدل في الأسلوب، بل يعكس تطور الأسئلة نفسها. فحين كان السؤال هو الثورة، احتاج وطار إلى لغة أكثر التصاقاً بالواقع. وحين أصبح السؤال هو أزمة الإنسان والمجتمع والهوية، اتسعت أدواته لتشمل الرمز والأسطورة والتراث والتناص والاسترجاع.

لقد كان وطار يعرف أن الواقع المعقد لا يمكن دائماً التعبير عنه بلغة مباشرة، ولذلك جعل من التجريب الفني وسيلة لفهم الواقع، لا مجرد استعراض شكلي.

لغة وطار: لغة الجزائر وهي تتكلم
ومن أهم أسرار قوة رواياته لغته التي تجمع بين الفصحى والموروث الشعبي والتعبير اليومي واللغة السياسية والثقافية. ولذلك تبدو شخصياته وكأنها تنتمي إلى بيئتها فعلاً، لا إلى عالم لغوي مصطنع.

كان وطار يريد للرواية أن تكون قريبة من الإنسان الجزائري، وأن تستوعب أصواته وذاكرته ومفرداته. وفي الوقت نفسه لم يتخلَّ عن عمق اللغة العربية وقدرتها على التعبير عن الأفكار الكبرى.

وهكذا أصبحت اللغة عنده جزءاً من مشروع الهوية: الكتابة بالعربية لم تكن اختياراً جمالياً فقط، بل كانت أيضاً موقفاً ثقافياً من تاريخ الجزائر وذاكرتها ومستقبلها.

لماذا يبقى الطاهر وطار حاضراً؟
بعد مرور سنوات على رحيله، لم تتحول أعمال الطاهر وطار إلى وثائق تاريخية جامدة؛ بل ما زالت قابلة للقراءة لأن الأسئلة التي حملتها لم تنتهِ بانتهاء زمنها.

في «اللاز» نسأل عن الثورة ومصير الإنسان.

وفي «الزلزال» نسأل عن معنى الاستقلال والتحولات الاجتماعية.

وفي «الحوات والقصر» نسأل عن السلطة والإنسان.

وفي «الشمعة والدهاليز» نواجه العنف والظلام والبحث عن النور.

وفي «الولي الطاهر» نعود إلى الذاكرة والتراث والبحث عن المعنى.

لهذا يمكن القول إن الطاهر وطار لم يكن يكتب عن الجزائر فقط، بل كان يكتب الجزائر نفسها؛ يكتب تاريخها من خلال الإنسان، ويكتب السياسة من خلال الحكاية، ويكتب المجتمع من خلال الشخصية، ويكتب الذاكرة من خلال الرواية.

الكاتب الذي ترك الشمعة مشتعلة
في ذكرى رحيل الطاهر وطار، لا نستعيد اسماً من الماضي فحسب، وإنما نستعيد مشروعاً أدبياً ما زال قادراً على إثارة الأسئلة. لقد عاش وطار في زمن الثورة، ثم في زمن الدولة والاستقلال، ثم في زمن التحولات والأزمات، فاختار أن يجعل من الرواية شاهداً على كل ذلك.

رحل الكاتب في 12 آب 2010، لكن شخصياته بقيت تتحرك في الذاكرة، وظلت «اللاز» تستعيد جراح الثورة، وظل «الزلزال» يهز أسئلة المجتمع، وظلت «الشمعة» تقاوم عتمة «الدهاليز»، وظل «الولي الطاهر» يعود إلى مقامه حاملاً معه أسئلة الإنسان والذاكرة والمصير. وقد ترك وطار عدداً كبيراً من الأعمال الروائية، من بينها «رمانة»، و«اللاز»، و«الزلزال»، و«الحوات والقصر»، و«الشمعة والدهاليز»، و«تجربة في العشق»، و«عرس بغل»، و«العشق والموت في الزمن الحراشي»، و«الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي»، و«الشهداء يعودون هذا الأسبوع».

ولعل أجمل وفاء له ألا نكتفي بتذكر يوم رحيله، بل أن نعود إلى كتبه؛ لأن الكاتب الكبير لا يموت حين يصمت قلمه، وإنما يبدأ غيابه الحقيقي عندما تتوقف الأجيال عن قراءة أسئلته.

الطاهر وطار رحل جسداً، لكن «اللاز» و«الزلزال» و«الشمعة والدهاليز» وسائر عوالمه الروائية ما زالت تقول إن الأدب ذاكرة لا تُدفن، وإن الرواية تستطيع أن تحفظ من تاريخ الوطن ما قد تعجز الذاكرة وحدها عن الاحتفاظ به.