لندن- اعتبرت مجلة “إيكونوميست”، في مقالها الافتتاحي الرئيسي وغلاف عددها الجديد هذا الأسبوع، اتفاقية وقف إطلاق النار في غزة، والتي رعتها الولايات المتحدة، “بداية جديدة للشرق الأوسط”، وأن الاختراق الدبلوماسي الذي حققه الرئيس دونالد ترامب قد يفتح الباب أمام مدخل جديد للسلام.
وأشارت إلى أن العديد من الرؤساء الأمريكيين عملوا على تحقيق انفراجة في الصراع المستعصي بين إسرائيل والفلسطينيين. والآن، بعد عامين من هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وبعد جولات من القتل الذي لم يتوقف في غزة، انضم دونالد ترامب إلى القائمة المحدودة لأولئك الذين نجحوا.
وقالت إن الاتفاق المبدئي بين إسرائيل و”حماس” لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى يفتح رؤية جديدة للشرق الأوسط. ووصفت الفرجة بالضيقة، لكنها تظل أفضل فرصة لإحلال سلام دائم، منذ اتفاقيات أوسلو عامي 1993 و1995. مع أن الرؤية الحالية تختلف جذريًا عن النهج المحتضر في ظل أوسلو، لأنها تقدم تحولًا عن المفاوضات المجردة التي لا نهاية لها حول الخرائط والترتيبات الدستورية الافتراضية لدولتين. بدلًا من ذلك، تعد بنهج عملي، حيث يتم حكم غزة وإعادة بنائها، والتخلص من “الإرهابيين” الذين كانوا يسيطرون عليها ذات يوم.
وتقول “إيكونوميست” إن الإسرائيليين والفلسطينيين يعتقدون أن لديهم ما يكسبونه من التعايش أكثر من تدمير بعضهم البعض. وسيكون النجاح أقل من مجرد احتفال في البيت الأبيض، وأكثر بـ”خلاطات الأسمنت” التي تدور لأكثر من عقد في غزة، وكبح جماح المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية، وتلاشي خطر الصواريخ، وإيمان الناس العاديين- ببطء وبشكل متزايد- بمستقبل أكثر أمانًا وازدهارًا.
وجاء ذلك بعد أن اجتمع الجانبان في شرم الشيخ بمصر، مع وجود مفاوضين من أمريكا ومصر وقطر وتركيا جاهزين للضغط. لم يتم الإعلان عن التفاصيل بعد، ولكن من المقرر أن تطلق “حماس” سراح الأسرى الإسرائيليين العشرين الذين ما زالوا على قيد الحياة، إلى جانب إطلاق سراح موازٍ للسجناء الفلسطينيين من قبل إسرائيل، وتدفق المساعدات، وانسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي من المدن الرئيسية في غزة، إلى ما أسماه السيد ترامب “خطًا متفقًا عليه”.
وقد كانت هناك نشوة في إسرائيل وما تبقى من غزة. وربما سافر ترامب إلى المنطقة للاحتفال بالاتفاق.
وبموجب خطة ترامب المكونة من 20 نقطة، ستُشكل في المرحلة التالية حكومة تكنوقراطية تعيد بناء غزة مع إقصاء “حماس” عن السلطة. وسيتم نزع سلاحها وتوفير الأمن من قبل قوة دولية. وسيرأس ترامب مجلس إشراف حتى يتولى الفلسطينيون المسؤولية، ربما تحت سلطة فلسطينية مُصلحة. الهدف الأسمى والأعلى هو ما يطلق عليه ترامب “السلام الدائم” بين إسرائيل وجميع الأراضي الفلسطينية.
لكن العقبات التي ستقف أمام التقدم هائلة كما تقول، كيف لا؟
فلا يزال على المفاوضين من كلا الجانبين تسوية خلافاتهم حول نزع سلاح “حماس”، على سبيل المثال. وقد يوافقون، بينما يخططون لتخريب التقدم لاحقًا. مع ما يُقدّر بـ78% من مباني غزة المتضررة وقلة الصناعات المتبقية، قد تتعثر عملية إعادة الإعمار. والأهم من ذلك، أن الإسرائيليين والفلسطينيين العاديين فقدوا الثقة في إمكانية السلام. وبعد ثلاثين عامًا من أوسلو، وبعد صدمة 7 تشرين الأول/ أكتوبر، يرى معظم اليهود الإسرائيليين الأراضي الفلسطينية كدولة شبه فاشلة. في عام 2012، أيد 61٪ من الإسرائيليين حل الدولتين، والآن ربما يدعمه ربعهم فقط، ويُظهر الكثيرون لامبالاة مخيفة تجاه فقدان أرواح الفلسطينيين. من جانبهم، يرى الفلسطينيون إسرائيل كدولة مارقة ملتزمة باحتلال أراضيهم وإطلاق العنان للعنف بشكل روتيني. في استطلاع للرأي في أيار/ مايو، أيد 50٪ منهم هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ونفى 87٪ أن تكون “حماس” قد ارتكبت فظائع، وأيد 41٪ المقاومة المسلحة.
ومع ذلك، هناك أسباب للأمل. يمكن أن تؤدي نهاية الحرب إلى تغيير في القيادة على كلا الجانبين، مع إقناع بقايا “حماس” أو إجبارهم على التخلي عن أي دور رسمي في حكومة غزة.
ويجب على إسرائيل إجراء انتخابات خلال 12 شهرًا، وتشير استطلاعات الرأي إلى أنها قد تؤدي إلى رحيل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن منصبه، ونهاية ائتلافه مع أحزاب اليمين المتطرف.
وتضيف المجلة أن الآفاق قد تحسنت في الخارج، ففي جميع أنحاء العالم ينصب التركيز العام على السلام بعد سنوات من تجاهله.
ولدى أمريكا رئيس لا يخشى الضغط على إسرائيل بقوة. وقد أدى إضعاف النظام الإيراني وجماعته الوكيلة إلى تقليل تهديده للمنطقة بشكل كبير. كما أن استعداد دول الخليج العربية ليس فقط لدفع تكاليف إعادة إعمار غزة، ولكن أيضًا لدعم عملية السلام، وربما المساعدة في توفير الأمن، هو خطوة كبيرة إلى الأمام.
وهذا تطور جيد، على حد تعبير المجلة، لأنه سيتعين على الأطراف الخارجية كبح جماح الدوافع التدميرية لدى الجانبين.
وبعد أن ضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب على إيران، ووبخها على ضرب قطر، ودفعها إلى صفقة أسرى، يجب على ترامب أن يسعى جاهدًا لدفع نتنياهو أو خليفته إلى الحد من توسع المستوطنات اليهودية. يجب عليه دعم المؤسسات الفلسطينية بمنع إسرائيل من حرمانها من عائدات الجمارك، ومنعها من تسهيل عنف جماعات الأمن الذاتي التي يرتكبها المستوطنون والجنود.
ويجب على الدول العربية أن تستخدم كل نفوذها لدفع الفلسطينيين إلى نبذ العنف، وحث السلطة الفلسطينية على الإصلاح، ومساعدتها في إيجاد قادة جدد.
وعلى الفاعلين الترويج لرؤية جديدة، تتمثل بالنسبة للإسرائيليين في احتمال نشوء نظام أمني إقليمي جديد يجعلهم أكثر أمانًا من خلال تعميق التعاون مع الدول العربية، بناءً على اتفاقيات أبراهام التي تم توقيعها عام 2020. وربما قاد هذا إلى بناء روابط جديدة مع سوريا ولبنان أيضًا، وكلاهما لم يعد تحت تأثير إيران.
وبالنسبة للفلسطينيين، يتمثل هذا في احتمال إعادة الإعمار في الداخل وروابط اقتصادية جديدة مع الخليج تمهد الطريق للتجارة وفرص العمل.
وتعتقد المجلة أن غزة هي المفتاح، وسيرغب الفلسطينيون في كل مكان في معرفة ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الالتزام بالسماح بتشكيل حكومة تكنوقراطية في القطاع بدعم دولي. من جانبهم،
وسيراقب الإسرائيليون ما إذا كان الفلسطينيون في غزة قادرين على حكم أنفسهم بشكل أفضل، وتفكيك البنية التحتية للإرهاب، وإصلاح المؤسسات التي سيطرت عليها “حماس”.
وعلى الجميع ألا يتخيلوا أن عمل هذا سيكون سهلًا.
ولكن الصفات التي مكّنت ترامب من التوصل إلى وقف إطلاق النار، أي استعداده للتنمّر والتصعيد وخلق شعور ملحّ بالحاجة الماسة، تختلف عن الالتزام المستمر على مدى سنوات عديدة، والذي سيتطلبه دوره كرئيس لهيئة إعادة الإعمار. ومع ذلك، ففي منطقة لم تعرف سوى عقود من الصراع، تعد هذه لحظة استثنائية: فرصة ضئيلة، لكنها حقيقية، لبداية جديدة.




