غزة- تقرير اخباري-يعاني اهالي قطاع غزة نقصاً حادّاً في مواد التنظيف الأساسية ومستلزمات النظافة الشخصية من جراء استمرار إغلاق المعابر ومنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها منذ عدة شهور، ما ينذر بكارثة صحية مع تحول القطاع إلى بيئة ناقلة للأمراض بفعل تدمير البنية التحتية.
ويعيش أهالي غزة ظروفاً غير آدمية نتيجة استمرار الحرب، وتدمير البنية التحتية، وإغلاق المعابر أمام دخول المساعدات، ما يجعلهم عرضة لأمراض مختلفة، أخطرها الجلدية والمعوية، ويقف سكان القطاع عاجزين أمام تداعيات الحرب التي لا تفرق بين البشر والحجر والشجر، وتفشي الأوبئة التي تنهش الأجساد بصمت.
وأصبح غياب مواد التنظيف بمثابة حلقة إضافية في المشهد الأخطر، كونه يُسرّع تحوّل الأمراض الفردية إلى أوبئة جماعية، ويزيد الطين بلّة تدمير الاحتلال أكثر من 70% من البنية التحتية في القطاع منذ بداية العدوان، ما يجعل المناطق المكتظة، خصوصاً مراكز الإيواء وتجمعات الخيام، ساحة لنقل العدوى.
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن أكثر من 70% من العائلات النازحة لا تملك مواد التنظيف الأساسية، فيما تعاني المخيمات نقصاً حادّاً في المياه، سواء مياه الشرب أو مياه الاستخدام اليومي. ومع انعدام الصابون والمطهرات، يصبح غسل اليدين، باعتباره أبسط طرق الوقاية، مهمة شبه مستحيلة.
وكشف تقرير مشترك بين منظمة يونيسف وصندوق الأمم المتحدة للسكان، في مايو/أيار الماضي، أن أكثر من 690 ألف امرأة وفتاة في غزة في حاجة إلى مساعدات نظافة عاجلة، تشمل الفوط الصحية وحفاضات الأطفال ومناديل التنظيف والمياه النقية.
وتعيش "أم محمد"، داخل خيمة نزوح في مدينة غزة، وتقول لـ "العربي الجديد": "لا تتوفر الفوط الصحية، وهذا يسبب لي أرقاً متواصلاً. حتى المناديل المبللة غير متوفرة. عبوة الفوط الصحية صار ثمنها يتجاوز 10 شواكل، وزوجي عاطل عن العمل. هذه الأشياء ليست وسائل رفاهية، وإنما ضرورة نسائية. بخلاف غياب المستلزمات الخاصة بالبشرة والجلد، والتي يمكن التعامل معه، وإن كان يؤدي إلى ظهور الحبوب والبثور. قلّة النظافة تجعلنا عرضة للدغات الحشرات، والبعوض يتفشى بين خيام النازحين".
وتؤكد الفلسطينية أحلام أنها تعاني نقصاً حادّاً في توفير مواد التنظيف المختلفة، وصولاً إلى مُرطبات البشرة، كونها تتعرض لأشعة الشمس الحارقة داخل الخيام، كما تتعرض للحروق خلال مكوثها ساعات أمام النار في أثناء إعداد وجبات الطعام، مشيرةً إلى حاجتها أيضاً إلى شامبو وزيوت للشعر الذي تضرر من الاستحمام بمياه غير صالحة للاستخدام الآدمي.
وتبيّن لـ "العربي الجديد": "لا نملك مسحوق غسل الملابس، وحتى غسل الأواني صار معاناة، إذ لا يتوفر سائل الجلي، ومع عدم توفر مستلزمات الاستحمام، يصبح جميع أفراد الأسرة عرضة للإصابة بالأمراض الجلدية، خصوصاً الأطفال".
من جهته، يحذّر رئيس قسم السلامة ومكافحة العدوى بوزارة الصحة في غزة، محمود صالح، من التداعيات الصحية الخطيرة الناجمة عن غياب مواد النظافة الشخصية، وغياب مواد التنظيف والتعقيم الأساسية في المستشفيات والمراكز الصحية، وعلى رأسها الكلور والديتول.
ويوضح صالح لـ "العربي الجديد"، أن "هذه المواد تعتبر أساسية في جداول التنظيف الدورية داخل المرافق الطبية، خاصة في غرف العمليات وأقسام الأسنان وأسرة المرضى التي تتلوث بالدماء، وغيابها يرفع معدلات انتقال العدوى داخل المستشفيات. مستلزمات النظافة الشخصية، مثل الصابون والشامبو شبه مفقودة، والمتوفر لا يرقى إلى المعايير الصحية، ما أدى إلى انتشار واسع للأمراض الجلدية، كالجرب والتقرحات والطفح الجلدي، خصوصاً في فصل الصيف، وفي ظل تكدس النازحين في مراكز الإيواء".
ويضيف: "انتشار القمل بين الأطفال والكبار هو نتيجة لانعدام النظافة، وعدم توفر المطهرات اللازمة لتنظيف الحمامات والخيام ينشر العدوى، في حين تمنع سلطات الاحتلال دخول العديد من مستلزمات التعقيم والعناية الصحية. ضعف المناعة الناتج عن سوء التغذية يزيد أيضاً من سرعة انتقال العدوى بين الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال وكبار السن، واستمرار هذا الوضع سيفاقم الأزمة الصحية، وقد يؤدي إلى تفشي أوبئة يصعب السيطرة عليها".
ووفق تقرير صادر عن الأمم المتحدة، فإن أسعار منتجات النظافة في قطاع غزة تضاعفت أكثر من 600% خلال الأشهر الأخيرة، بينما يعاني غالبية الأطفال دون سن الخامسة عدم توفر مستلزمات النظافة الشخصية.
ويجلس سمير غباين (45 سنة) داخل خيمته المهترئة المقامة داخل أحد مراكز النزوح بمدينة غزة، ويروي بحسرة كيف تحولت حياته وحياة أسرته المكونة من سبعة أفراد إلى صراع يومي مع الأمراض. يقول لـ "العربي الجديد": "لا نملك المال لشراء أبسط الحاجات، ولا يملك أولادي ملابس نظيفة، وليس لدينا صابون للتنظيف. كل شيء قديم ومتسخ. لا أستطيع ممارسة أي عمل منذ سنتين بسبب الحرب، ولا توجد مواد تنظيف، لا صابون، ولا سائل جلي، ولا مسحوق غسيل. أولادي أصابهم القمل والجرب، والطفح الجلدي، والحياة في الخيام تحت حرارة الصيف صارت جحيماً".
ويوضح غباين أن أجساد أطفاله أصبحت عرضة للإصابة بمختلف الأمراض، والأخطر أنه لا تتوفر الأدوية اللازمة لعلاج تلك الأمراض. مشيراً إلى أنه توجه إلى عدة عيادات طبية للحصول على بعض المستحضرات العلاجية، لكنه عاد من دون شيء، فلا شيء متوفر في العيادات، ويناشد فتح المعابر وإدخال كل مستلزمات النظافة الشخصية قبل تفاقم الكارثة.
يعيش موسى أبو العيش مع أسرته المكونة من ثمانية أفراد، في خيمة نصبها في وسط الشارع بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة، وإلى جوار الخيمة مصرف مفتوح للمياه العادمة، يفيض بالحشرات والجرذان. ويقول لـ "العربي الجديد": "أجساد أولادي تغطيها قشور سوداء من قلة النظافة، والخطر لا يتوقف على القاذورات التي تحيط بنا، بل إن الخطر الأكبر أن أجسامهم صارت بيئة للجراثيم".
ويشير أبو العيش إلى أن "أسعار المنظفات، إن توفرت في السوق، خيالية. علبة الشامبو يصل سعرها إلى 150 شيكلاً، بينما أنا عاطل عن العمل منذ بداية الحرب، فكيف أوفر المال اللازم لشرائها؟ ولا نعرف إلى متى سنبقى في هذه البيئة المليئة بالأوساخ والجراثيم والأوبئة".
ويعمل أحمد ياسر حلاقاً، وهو يواجه معضلة مزدوجة، حماية زبائنه من انتقال العدوى بين أدوات الحلاقة، وحماية نفسه وأسرته من العدوى ذاتها. يقول لـ "العربي الجديد": "المعقمات صارت نادرة، وبالتالي غالية، وأنا مضطر إلى شرائها بالأسعار المرتفعة لحماية الزبائن من الأمراض. أضطر عادة لشراء بدائل مثل الكريمات المُصنعة محلياً، لكن جودتها أقل، وهناك ارتفاع كبير في أسعار شفرات الحلاقة. المعضلة الأكبر التي أواجهها تتمثل في تفشي الأمراض الجلدية بين أطفالي بسبب قلة النظافة، ولا يمكنني الحصول على علاج يخفف حدة الالتهاب والطفح الجلدي الذي يعانونه، الأمر الذي يشكل كارثة بالنسبة له، حيث أصبحت أخشى على حياتهم".
ونزح محمد رجب من شمالي قطاع غزة إلى غرب مدينة غزة، يصف معاناته اليومية قائلاً: "من أول يوم نزوح لم نستطع توفير الصابون أو المطهرات، ونغسل أيدينا بالمياه فقط، ومع تراكم الأوساخ صار جسمي مليئاً بالطفح الجلدي والالتهابات". ويضيف لـ "العربي الجديد": "طفلي الصغير (6 سنوات) أصيب بمرض جلدي يتمثل في ظهور انتفاخات في مختلف أنحاء جسده، وعندما توجهنا إلى العيادة الصحية، أكد الأطباء أن العامل الرئيسي للمرض هو عدم توفر النظافة الشخصية الناجمة عن عدم تكرار الاستحمام وعدم غسل اليدين بالصابون".
ومنذ بداية العدوان في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تفرض إسرائيل حصاراً مطبقاً على سكان قطاع غزة، من خلال إغلاق المعابر الحدودية، كما تُشهر سلاح التجويع في وجههم، وقد ضاعفته مع استئناف العدوان في 18 مارس/آذار الماضي، في أعقاب خرقها لاتفاق التهدئة الذي جرى توقيعه في 19 يناير/كانون الثاني الماضي، بوساطة قطرية ومصرية وأميركية، ما سبَّب خلق ظروف معيشية واجتماعية قاسية تعانيها غالبية العائلات الفلسطينية.



