محليات

تقرير ل"عير عميم" يكشف عن أزمة حقيقية في التعليم بالقدس

18 مشاهدة قراءة 13 دقيقة

القدس-واثق نيوز-وكالات-كشف التقرير السنوي الصادر عن جمعية "عير عميم" في أيلول/سبتمبر 2026، والمتخصص في رصد واقع التعليم في القدس الشرقية للعام الدراسي 2025–2026، عن أزمة بنيوية متجذرة تعصف بالمنظومة التعليمية الفلسطينية في المدينة المحتلة. 

,حذرت المؤسسات الحقوقية والمجتمعية على مدار سنوات من خطورة اتساع ظاهرة "الأطفال المختفين"، وهم الأطفال الذين تغيب أسماؤهم عن سجلات المتابعة والرقابة في بلدية الاحتلال في القدس.
ولم تأتِ المعطيات الواردة في التقرير نتيجة إفصاح تلقائي من السلطات والمؤسسات المعنية، بل كانت حصيلة مسار قانوني وقضائي طويل خاضته المؤسسات الحقوقية، استنادًا إلى قانون حرية المعلومات، إذ اضطرت بلدية الاحتلال في القدس إلى تقديم بياناتها عقب التماس إداري قدمته الجمعية، بعد مماطلة وتأخير في الكشف عن الأرقام المتعلقة بواقع التعليم.

وتُظهر المعطيات العامة لتوزيع الطلاب في المدينة أن الطلاب الفلسطينيين الملتحقين بالتعليم الرسمي والتعليم غير الرسمي المعترف به يشكلون نحو 35.6% فقط من إجمالي الطلاب في القدس، البالغ عددهم 109,788 طالبًا. لكن خلف هذه النسبة الرسمية يبرز رقم مقلق، يمثل ثقبًا أسود في إدارة المنظومة التعليمية؛ إذ يوجد ما لا يقل عن 33,334 طفلًا في سن التعليم الإلزامي، بين الثالثة والثامنة عشرة، لا يتلقون تعليمهم في أي من المنظومتين الرسمية أو المعترف بها.

وحذرت المؤسسات الحقوقية والمجتمعية على مدار سنوات من خطورة اتساع ظاهرة "الأطفال المختفين"، وهم الأطفال الذين تغيب أسماؤهم عن سجلات المتابعة والرقابة في بلدية الاحتلال في القدس، من دون أن تتوافر لدى المؤسسات المعنية معلومات واضحة عن أماكن تعليمهم، أو ما إذا كانوا يتلقون أي شكل من أشكال التعليم أصلًا.

ورغم أن بلدية الاحتلال في القدس بدأت خلال العامين الأخيرين بتقديم أرقام وتقسيمات أكثر تفصيلًا بشأن الأطر التعليمية التي تستوعب هذه الفئة، فإنها لا تزال تفتقر إلى معلومات دقيقة وموثوقة عن أكثر من 11 ألف طفل مقدسي، أي ما يعادل نحو ثلث الأطفال الملتحقين بالمنظومتين الرسمية والمعترف بها.

وتعتمد البلدية في التعامل مع هذه المجموعة على تقديرات عامة تستند إلى مطابقة عناوين الأطفال في سجل السكان، من دون امتلاك قوائم اسمية أو إجراء متابعة ميدانية فعلية. ووفق تقديرات بلدية الاحتلال في القدس، تتوزع أعداد الأطفال غير الملتحقين بالمنظومة التعليمية الرسمية على النحو الآتي:

15 ألف طفل: يُقدّر أنهم يتعلمون في أطر تعليمية خاصة وغير معترف بها رسميًا من قبل البلدية.

3,500 طفل: تتراوح أعمارهم بين 3 و4 سنوات، ولم يلتحقوا بأي إطار تعليمي أو روضة أطفال، إذ تفترض البلدية أن أسرهم تفضل إبقاءهم في المنازل أو إرسالهم إلى أطر خاصة غير مرخصة.
3,000 طالب: يُصنّفون على أنهم متسربون فعليًا، بعد تركهم المدارس الرسمية والمعترف بها.
800 طفل: مسجلون في أطر تابعة لوزارة العمل، وتتوافر لدى البلدية بيانات بشأنهم.
مئات الطلاب: يتعلمون في مؤسسات داخلية وملاجئ تابعة لشعبة الرفاه الاجتماعي، بموجب أوامر قضائية، فيما لا تقدم البلدية إحصاءات دقيقة بشأنهم.
آلاف الطلاب: يحمل ذووهم الإقامة الدائمة ومسجلون في القدس، لكنهم يتلقون تعليمهم في مدارس تابعة لمنظومة السلطة الفلسطينية خلف الجدار أو في بلدات الضفة الغربية.
ويعكس عجز بلدية الاحتلال في القدس عن توفير قاعدة بيانات اسمية ومحدثة للطلاب، واكتفاؤها بتقديرات غير دقيقة تتكرر سنويًا، تنصلًا من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الأطفال الواقعين ضمن نطاق صلاحياتها، كما يكشف عن خلل جوهري في آليات الرقابة والمتابعة التعليمية في المدينة.

وتشكل البنية التحتية التعليمية في القدس الشرقية واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا؛ إذ يكشف تحليل تقرير "عير عميم" أن بلدية الاحتلال في القدس ووزارة التربية والتعليم الإسرائيلية تبنيان خططهما لمعالجة النقص في الغرف الصفية، بما فيها الخطط الخمسية، استنادًا إلى تقديرات تعود إلى نحو عقد من الزمن، وتحديدًا إلى عام 2017، من دون الأخذ في الاعتبار النمو السكاني المتواصل والاحتياجات التعليمية المتراكمة عامًا بعد آخر.

وفي أعقاب الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسرائيلية في كانون الثاني/يناير 2023، ضمن الالتماس رقم 6183/16، أُلزمت الدولة وبلدية الاحتلال في القدس بوضع مسار مرحلي ملزم لتخطيط وبناء الغرف الصفية الناقصة في القدس الشرقية خلال أربعة أشهر. لكن، وبعد تمديدات متكررة ومماطلة في تقديم الخطة التفصيلية، تبيّن أن المسار الذي عرضته السلطات لا يكفي لسد العجز المتفاقم.

وتستند بلدية الاحتلال في القدس في حساباتها إلى تقدير قديم يشير إلى نقص 2,235 غرفة صفية عام 2017. غير أن الدراسات التي يستعرضها التقرير، والمبنية على المعطيات الديموغرافية، تظهر أن هذا التقدير لم يعد يعكس حجم الاحتياجات الفعلية، في ظل الزيادة الطبيعية في أعداد الطلاب.

وتوضح الحسابات الواردة في التقرير حجم الفجوة التعليمية حتى عام 2026:

أولًا، ينضم سنويًا ما لا يقل عن ألفي طالب جديد إلى المنظومة التعليمية في القدس الشرقية، في ظل نمو ديموغرافي يبلغ نحو 3%.
ثانيًا، تتطلب هذه الزيادة توفير ما لا يقل عن 70 غرفة صفية جديدة سنويًا، لمجرد استيعاب الطلاب الجدد، من دون معالجة العجز المتراكم سابقًا.
ثالثًا، أدى تراكم هذه الحاجة خلال تسع سنوات، بين عامي 2017 و2026، إلى ضرورة توفير 630 غرفة صفية إضافية، نتيجة الزيادة الطبيعية وحدها، ما يرفع إجمالي العجز التقديري من 2,235 غرفة عام 2017 إلى 2,865 غرفة صفية.
رابعًا، لم تسلّم بلدية الاحتلال في القدس، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2026، سوى 582 غرفة صفية في رياض الأطفال والمدارس، وفق ردودها الرسمية، من بينها ست غرف فقط خلال العام الدراسي 2025–2026.
وبناءً على هذه المعطيات، يُقدّر العجز الفعلي مع بداية العام الدراسي 2026 بنحو 2,283 غرفة صفية.

وفي المقابل، تمتد خطط التخطيط والبناء التي تعرضها بلدية الاحتلال في القدس حتى عام 2032، وتتضمن إنشاء نحو 2,206 غرف صفية جديدة فقط. لكن احتساب الزيادة الطبيعية المتوقعة في أعداد الطلاب حتى ذلك العام، والتي ستضيف حاجة إلى نحو 1,050 غرفة صفية أخرى، يرفع إجمالي العجز المتوقع إلى 3,285 غرفة.

وهذا يعني أنه حتى في حال تنفيذ خطة بلدية الاحتلال بالكامل، وبنسبة 100%، ومن دون أي عقبات أو تأخيرات، سيبقى نقص هيكلي يناهز 1,100 غرفة صفية، بما يؤكد أن الخطط المطروحة لا توفر حلًا جذريًا للأزمة، ولا تواكب الاحتياجات الفعلية للطلاب المقدسيين.

وفي محاولة للتعامل مع هذا النقص، تلجأ بلدية الاحتلال في القدس إلى استئجار عشرات المباني السكنية والتجارية وتحويلها إلى مرافق تعليمية، رغم عدم ملاءمة بعضها للاحتياجات الصحية والهندسية للعملية التعليمية. كما لا توفر البلدية بيانات شفافة ومفصلة بشأن أعداد هذه الغرف أو شروط السلامة المتبعة فيها.

وتمثل معدلات التسرب المدرسي في القدس الشرقية إحدى أخطر النتائج الاجتماعية والتعليمية المترتبة على تدهور البيئة المدرسية، واكتظاظ الصفوف، والنقص في المباني والمرافق التعليمية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي تواجهها العائلات المقدسية.

ورغم أن رد بلدية الاحتلال في القدس الصادر في أيلول/سبتمبر 2026 لم يتضمن بيانات حديثة عن التسرب المدرسي، بحجة أن تحليل هذه البيانات لا يجري إلا في كانون الأول/ديسمبر، فإن الأرقام السابقة تشير إلى وجود نحو 3,000 طالب متسرب رسميًا من المدارس المعتمدة.

وباحتساب هذا العدد من إجمالي طلاب المدارس، من دون رياض الأطفال، والبالغ 86,624 طالبًا، تتجاوز نسبة التسرب 3.4%. وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعدلات العامة المسجلة في الوسطين اليهودي والعربي داخل إسرائيل، والتي تتراوح بين 1.9% و2.2%، وفق المعطيات الرسمية.

ورغم أن الخطة الخمسية الحكومية تضمنت ميزانيات لمكافحة التسرب المدرسي، وتوسيع خدمات الإرشاد النفسي والتربوي، وزيادة أعداد الأخصائيين الاجتماعيين، فإن هذه التدخلات لم تعالج جذور الأزمة. فقد خُصص نحو 14.5 مليون شيقل خلال العامين 2024–2025، و15.1 مليون شيقل خلال العامين 2025–2026، إلى جانب عشرات ملايين الشواقل المخصصة للتعليم اللامنهجي والأنشطة المجتمعية.

لكن هذه المخصصات، وفق ما تكشفه معطيات التقرير، تبقى محدودة الأثر في مواجهة أزمة بنيوية تتجاوز نقص التمويل المخصص للبرامج الاجتماعية والتربوية. فالبيئة المدرسية الطاردة، والنقص الحاد في المباني والغرف الصفية والكوادر التعليمية، إلى جانب السياسات المتبعة تجاه جهاز التعليم الفلسطيني في القدس الشرقية، تشكل عوامل متداخلة تضعف قدرة هذه البرامج على تحقيق نتائج ملموسة.

وبذلك، لا تقتصر الأزمة التعليمية في القدس الشرقية على نقص الغرف الصفية أو ارتفاع معدلات التسرب، بل تمتد إلى غياب قاعدة بيانات موثوقة عن آلاف الأطفال، وعجز بلدية الاحتلال في القدس عن متابعة أوضاعهم التعليمية. وهي مؤشرات تكشف عن أزمة شاملة تهدد حق جيل كامل من الأطفال المقدسيين في التعليم، وتترك تداعياتها تتجاوز المدرسة إلى مستقبل المجتمع الفلسطيني في المدينة.