محليات

بلدات شمال غرب القدس المهمشة .. تحت وطأة الحصار الإسرائيلي والعزل السياسي عن المدينة الأم

36 مشاهدة
بلدات شمال غرب القدس المهمشة .. تحت وطأة الحصار الإسرائيلي والعزل السياسي عن المدينة الأم

شمال غرب القدس-الدائرة الاعلامية / المؤتمر الوطني الشعبي للقدس-تواجه بلدات شمال غرب القدس، وعلى رأسها بدّو، بيت عنان، بيت إكسا، القبيبة، وبيت دقو وبيت اجزا وقطنة وخرب ام اللحم وغيرها، واقعاً قاسياً يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. هذه البلدات، التي كانت تمثل امتداداً طبيعياً للقدس، تحولت إلى جيوب معزولة بفعل سياسات إسرائيلية منهجية تستهدف تغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية للمنطقة، وقطع أي رابط يربط سكانها بالمدينة المقدسة. وتتعدد أدوات الخنق التي يمارسها الاحتلال، بدءاً من نظام التصاريح التعسفي، ومروراً بالحصار العسكري وإغلاق الحواجز، وصولاً إلى الاستيطان ومصادرة الأراضي وتدمير القطاع الزراعي، وهو ما يُعدّ تطبيقاً لسياسة الفصل العنصري (الأبرتهايد) بأبعادها المختلفة.

نظام التصاريح والعزل السكاني ..
في إطار سياسة العزل والعقاب الجماعي، فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي نظام تصاريح مشدداً على سكان بلدات شمال غرب القدس، وهو ما وصفته السلطات المحلية في بيت إكسا، بأنه "قرار جاء مفاجئاً دون أي تشاور مع السكان"، مما تسبب في حالة من الخوف والقلق بين الأهالي. وأوضح زايد أن القرار يلزم السكان باستخراج تصاريح للدخول إلى منازلهم، ويمنع أي شخص لا يحمل تصريحاً من دخول البلدة، معتبرة أن هذه السياسة تهدف إلى "عزل السكان عن محيطهم الفلسطيني وتحويل حياتهم إلى سلسلة من القيود والتنكيل، حتى أصبح أصحاب الأرض يُعاملون كمقيمين جدد، وكأنهم ضيوف في أراضيهم".

ويتجاوز القيد حركة الأفراد ليطال المواليد الجدد والزواج، إذ يرفض الاحتلال تسجيل أي شخص جديد يقيم في بيت إكسا، فتسجل الزوجات الجدد أسماؤهن على الحاجز فقط دون تعديل العنوان في الهوية، ويُعاملن كمقيمات من الدرجة الثانية. أما المواليد الجدد، فإذا كان أحد الوالدين من خارج البلدة، لا يسجلون في بيت إكسا، بل في عنوان أحد الأبوين خارجها.

وأكدت البلدية أن الهدف من هذه السياسة هو تقليص عدد السكان تدريجياً، ودفعهم إلى مغادرة البلدة، في خطة متكاملة لعزل هذه المناطق عن امتدادها الفلسطيني وفرض واقع جديد بالقوة.

الحصار العسكري والحواجز ..
تعيش بلدات شمال غرب القدس حصاراً متصاعداً، يتمثل في إغلاق مداخلها ومنع الأهالي من الدخول والخروج. ففي سبتمبر/ايلول 2025، طبق جيش الاحتلال حصاراً على 9 قرى وبلدات في المنطقة، شمل بدّو وبيت عنان والقبيبة وغيرها، عقب عملية عسكرية نفذها شابان من المنطقة. وأكدت بلدية القبيبة، في حينها،أن الأوضاع في القرية كانت "من أتعس ما يكون"، حيث عاث الجيش الإسرائيلي خراباً في منازل القرية وواصل مداهمتها.

ويتجلى أثر الحواجز العسكرية في تقطيع أوصال المنطقة وعزلها. فوفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ينشر الاحتلال في القدس ومحيطها 82 حاجزاً عسكرياً وبوابة حديدية، حوّلت بلدات وقرى المحافظة إلى معازل منعزلة. ومن أبرز هذه الحواجز، حاجز بيت إكسا الذي أقيم عام 2010 وتم تشغيله فعلياً عام 2013، وهو ما حول تنقلات السكان إلى "كابوس"، وفقاً لرئيس بلدية بيت إكسا.

الاستيطان ومصادرة الأراضي ..
يتزامن الحصار ونظام التصاريح مع توسع استيطاني منهجي في محيط بلدات شمال غرب القدس. فقرية بيت دقو، التي يبلغ عدد سكانها نحو ألفي نسمة، تحيط بها مستوطنتا "جفعات زئيف" و"حدشاه"، وقد تمت مصادرة نحو ألف دونم من أراضيها البالغة 6 آلاف دونم، ولا يستطيع أصحابها الوصول إليها بسبب المستوطنات وجدار الفصل العنصري.

أما بيت إكسا، فقدرت مساحتها بنحو 9 آلاف دونم، إلا أن الاحتلال استولى على الجزء الأكبر منها، ولم يتبق للأهالي سوى 500 إلى 600 دونم مخصصة للزراعة والبناء، وهي اليوم مهددة بالمصادرة أيضاً، في "شكل من أشكال التهجير البطيء للسكان". وهذا يتوافق مع ما وصفه الصحفي بلال كسواني بأنه "ضم فعلي" لأراضي البلدة عبر سلسلة من القرارات العسكرية، وعلى رأسها مصادرة جميع أحواض القرية، وتغيير صفتها القانونية إلى "منطقة تماس" تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي الكاملة.

وفي رافات، إحدى بوابات محافظة القدس الشمالية، صادر الاحتلال أكثر من 1200 دونم من أصل 4 آلاف دونم، لإقامة الجدار الفاصل ومعسكر "عوفر" عليها، مما حرم الأهالي من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم.

تدمير القطاع الزراعي ومنع التسويق ..
شكل القطاع الزراعي هدفاً رئيساً لسياسات الاحتلال في شمال غرب القدس، لا سيما في قرية بيت دقو التي تشتهر بزراعة العنب بأنواعه الثمانية، حيث يبلغ إنتاجها السنوي نحو 450 طناً. وقد أوضح منسق هيئة العمل الشعبي في المنطقة، الدكتور سعيد يقين، أن الاحتلال بدأ استهداف الزراعة الفلسطينية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتطورت الأمور بداية الثمانينيات، وصولاً إلى منع إدخال عنب بيت دقو إلى القدس والداخل، وإغلاق السوق الرئيس أمامها، ثم منع إدخال أي صنف فاكهة عام 2000 فصاعداً.

ويضطر أهالي بيت دقو اليوم لتسويق منتجاتهم في سوق على مدخل بلدتهم، أو عبر فعاليات محدودة، في ظل غمر الأسواق الفلسطينية بالعنب الإسرائيلي بأسعار منافسة، مما يضرب المحصول المحلي ويهدد استمرارية الزراعة كسبل عيش رئيسة. وتأتي هذه السياسة ضمن خطة أوسع لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أسواق القدس، وفصل اقتصادهم عن اقتصاد المدينة الأم.

الفصل العنصري كسياسة منهجية ..
تندرج جميع الإجراءات المذكورة أعلاه ضمن ما يمكن وصفه بأنه تطبيق لسياسات الفصل العنصري (الأبرتهايد) بنسختها الإسرائيلية. فالاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1973 تعتبر أن الأفعال اللاإنسانية الناجمة عن سياسات الفصل العنصري هي "جرائم ضد الإنسانية". وتشمل هذه الأفعال: حرمان فئة أو فئات بشرية من حقها في الحياة والحرية الشخصية، وإخضاعها لظروف معيشية يقصد منها إفضاؤها إلى الهلاك الجسدي، واتخاذ تدابير تهدف إلى منعها من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتقسيم السكان وفق معايير عنصرية.

وما يحدث في بلدات شمال غرب القدس يمثل نموذجاً حياً لهذه السياسات:

العزل المكاني: عبر جدار الفصل والحواجز التي تفصل هذه البلدات عن القدس وتحولها إلى كانتونات معزولة.
التمييز في التنقل: من خلال نظام التصاريح الذي يمنع السكان من الوصول إلى منازلهم وأراضيهم دون إذن مسبق.
السيطرة على الأرض والموارد: عبر مصادرة الأراضي لصالح المستوطنات ومنع الاستثمار الزراعي والتجاري.
العقاب الجماعي: كما حدث في حصار قرى شمال غرب القدس عقب عمليات عسكرية، حيث عوقب جميع السكان، بما في ذلك رئيس بلدية القبيبة، بسبب أفعال أفراد، وهو ما يعد خرقاً صريحاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر فرض العقوبات الجماعية.

وتعكس معاناة سكان بلدات شمال غرب القدس نموذجاً مركزاً للسياسات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير هوية القدس ومحيطها، وفصل هذه المناطق عن مركزها الفلسطيني الطبيعي. فمن خلال نظام التصاريح، والحواجز، والحصار، والاستيطان، وتدمير الزراعة، تمارس سلطات الاحتلال شكلاً من أشكال الفصل العنصري المنهجي، يستهدف دفع السكان إلى الرحيل وإحلال واقع ديمغرافي وجغرافي جديدين . ويؤكد مراد زايد أن هذه السياسات تهدف إلى "تهجير ناعم يتم خطوة بخطوة"، بينما يحذر الدكتور سعيد يقين من أن استمرار هذه السياسات سيقضي على آخر ما تبقى من ارتباط هذه القرى بأرضها وهويتها.
 الملوثات البيئية وتأثيرها الصحي ..  
إلى جانب سياسات العزل والاستيطان، يعاني سكان بلدات شمال غرب القدس من أزمة بيئية وصحية متفاقمة تتزايد بسبب ممارسات الاحتلال، وفي مقدمتها تحويل المنطقة إلى مكب للنفايات، وما يرتبط بذلك من ارتفاع مقلق في معدلات الإصابة بالأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان.

ويعد مكب النفايات في بلدة رافات واحداً من أبرز الملفات البيئية التي تثير قلق السكان، حيث تترتب عليه آثار خطيرة على صحة المواطنين والمناطق المحيطة. وقد تناول لقاء جمع الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس اللواء بلال النتشة مع رؤساء المجالس المحلية في المنطقة هذه القضية، حيث ناقش المجتمعون "قضية مكب النفايات في بلدة رافات، وما يترتب عليه من آثار بيئية وصحية على السكان والمناطق المحيطة، خاصة في ظل المخاوف التي يطرحها المواطنون بشأن آليات استخدام المكب والتعامل مع النفايات وانبعاث الغازات والروائح منه".

وتتجاوز خطورة هذا المكب كونه مجرد موقع لتجميع النفايات، إذ تؤكد المعلومات أن الاحتلال يستخدم أراضي الضفة الغربية، بما فيها المناطق القريبة من القدس، لإلقاء نفاياته، بما فيها النفايات الخطرة والنفايات الإلكترونية التي تحتوي على مركبات كيميائية ومعادن ثقيلة، في جريمة بيئية ممنهجة. وتشير مصادر إلى أن إسرائيل تنقل سنوياً مئات الآلاف من الأطنان من النفايات المختلفة إلى الضفة الغربية، منها النفايات الطبية والطين الناتج عن معالجة الصرف الصحي والزيوت المستعملة والمذيبات الكيميائية والبطاريات والنفايات الإلكترونية، وتستفيد من معايير بيئية أقل صرامة في المستوطنات مقارنة بتلك المطبقة داخل أراضيها.

وقد ضبطت سلطة جودة البيئة الفلسطينية 51 حالة تهريب نفايات ضارة من إسرائيل إلى الضفة الغربية بين عامي 2021 و2022، شملت مخلفات البناء والزراعة وزيوت وبطاريات مستعملة ونفايات طبية وبلاستيكية ولحوم فاسدة. كما أغلقت السلطة مكباً عشوائياً في منطقة قلنديا على الشارع المؤدي إلى قرية رافات، وذلك تنفيذاً لقرار قضائي استناداً إلى تقارير فنية حول "تهريب نفايات إسرائيلية صلبة متنوعة من أراضي 48 والتخلص منها في الموقع".

حالات السرطان في قطنة وخرب أم اللحم ..
يثير انتشار حالات الإصابة بمرض السرطان في منطقة خِرَب أم اللحم في بلدة قطنة قلقاً كبيراً بين السكان والجهات المحلية. وقد ناقش اللقاء الذي جمع النتشة مع رؤساء المجالس المحلية "ما يثار بشأن انتشار حالات الإصابة بمرض السرطان في منطقة خِرَب أم اللحم في بلدة قطنة، وما إذا كانت هناك عوامل بيئية أو صحية يمكن أن تكون مرتبطة بارتفاع معدلات الإصابة". وأكد المجتمعون ضرورة "إجراء فحوص ودراسات علمية وميدانية من قبل الجهات الصحية والبيئية المختصة، وعدم الاكتفاء بالتقديرات أو المعلومات غير الموثقة".

وتكتسب هذه المخاوف مصداقية في ضوء ما تؤكده الدراسات والتقارير حول الآثار الصحية المدمرة للنفايات الخطرة التي تلقيها إسرائيل في الضفة الغربية. فحرق النفايات الإلكترونية، وهو ممارسة شائعة في بعض المناطق، يطلق ملوثات خطرة مثل الديوكسينات والجسيمات الدقيقة والمركبات العضوية المتطايرة وأول أكسيد الكربون، مما يتسبب في أمراض الجهاز التنفسي والقلب، ويزيد من خطر الإصابة بالسرطان. وتقدر الخسائر الصحية والاقتصادية الناجمة عن تلوث الهواء بسبب حرق النفايات في الضفة الغربية بنحو 9.1 مليارات شيكل بين العامين 2023 و2030، وفي عام 2022 وحده قدرت التكاليف الصحية بما يتراوح بين 880 مليون و1.3 مليار شيكل.

وتحذر تقارير بيئية من أن تسرب الملوثات مثل الرصاص والزئبق والكادميوم من البطاريات والنفايات الإلكترونية، وهي مواد سامة تدوم لعقود في البيئة، تؤثر على النظام البيئي بأكمله وتلوث المياه الجوفية التي تعد المصدر الأساس لمياه الشرب والري في معظم المناطق الفلسطينية.

استعمار بيئي ..

وتندرج الممارسات البيئية الإسرائيلية في شمال غرب القدس ضمن إطار أوسع يمكن وصفه بـ"الاستعمار البيئي"، حيث تُنقل أضرار التلوث إلى الأراضي الفلسطينية، فيما تُحافظ المستوطنات الإسرائيلية على بيئة أكثر أماناً وتنظيماً. وتشير دراسات إلى أن إسرائيل تنظر إلى الضفة الغربية باعتبارها فضاء للتوسع الاستيطاني، وتستغل المناطق الفلسطينية لتحويلها إلى مكب نفايات، مما يتيح لها تطوير سياسات المحو بوسائل بيئية تتسبب في تلوث المياه الجوفية وإبادة الثروة الحيوانية والنباتية.

وتقمع إسرائيل أي محاولات من السلطة الفلسطينية لتطوير بنية تحتية متكاملة لإدارة النفايات، وتحرص على ضمان عدم تطوير البنية التحتية الفلسطينية المتعلقة بإعادة التدوير أو التخلص من النفايات، مما يخلق فجوة بيئية بين الإسرائيليين والفلسطينيين كوسيلة أخرى لخلق واقع طارد للفلسطينيين. ويؤكد الباحث وليد حباس أن إسرائيل تمنع السلطة الفلسطينية من تطوير أدوات لمعالجة النفايات الخطرة، في الوقت الذي تواصل فيه توسيع منشآتها لمعالجة النفايات المرتبطة بالمستوطنات، ما يعمق الفجوة البيئية ويحول التلوث إلى أداة إضافية من أدوات السيطرة على الأرض والموارد.

وتحذر منظمات حقوقية من أن هذا الواقع يجعل من الأراضي الفلسطينية "ملاذاً بيئياً" للنفايات الإسرائيلية، حيث يتم تصدير الأضرار البيئية والصحية إلى المناطق الفلسطينية، بينما تستفيد الشركات الإسرائيلية من انخفاض تكاليف التشغيل والمعالجة. كما أن هناك منظمات استيطانية تستخدم المخاطر البيئية الناتجة عن سياسات الاحتلال نفسها ذريعة للمطالبة بفرض مزيد من السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.

جانب مظلم من المعاناة ..
يشكل ملف التلوث البيئي والنفايات الإسرائيلية في شمال غرب القدس جانباً مظلماً من معاناة السكان، يتكامل مع سياسات العزل والحصار والاستيطان. فمكب رافات وغيره من المكبات، إلى جانب النفايات الخطرة المهربة، تمثل تهديداً مباشراً لصحة السكان، وهو ما يفسر المخاوف المبررة من ارتفاع معدلات السرطان في مناطق مثل قطنة وخرب أم اللحم. وهذه الممارسات، التي تحرم الفلسطينيين من بيئة نظيفة وآمنة، تشكل جزءاً لا يتجزأ من منظومة الفصل العنصري التي تهدف إلى دفع السكان إلى الرحيل وإحلال واقع جديد بالقوة، حيث تصبح الحياة في هذه البلدات مستحيلة بسبب التلوث والأمراض، إلى جانب القيود على الحركة والزراعة والتسويق.