آراء

حركة "فتح" بين إرث التاريخ واستحقاقات المستقبل 

11 مشاهدة
حركة "فتح" بين إرث التاريخ واستحقاقات المستقبل 

الكاتب : د. سليمان عيسى جرادات 

تمثل حركة «فتح» إحدى أهم الظواهر السياسية والنضالية والتنظيمية في التاريخ الفلسطيني المعاصر،  فمنذ انطلاقتها في مطلع عام 1965، ارتبطت بمشروع استعادة القرار الوطني المستقل، وقادت مراحل أساسية من العمل الوطني، وأسهمت في بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتثبيت حضورها ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، ثم انتقلت مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة عنوانها بناء المؤسسات الوطنية على الأرض.

وتكمن أهمية حركة فتح التاريخية في قدرتها على الجمع بين العمل الوطني والسياسي والتنظيمي والدبلوماسي، وما قدمه قادتها التاريخيون، إلى جانب أجيال متعاقبة من المناضلين والكوادر، من إسهامات أسهمت في ترسيخ حضور الحركة ودورها الوطني خلال العقود الماضية ، وفي هذه المرحلة، يبرز دور الرئيس محمود عباس بصفته قائداً عاما وحامياً للإرث الوطني للحركة، وحريصاً على صون دورها ومكانتها، والاستمرار في تطوير أدائها السياسي والتنظيمي بما ينسجم مع متطلبات المرحلة ويحافظ على ثوابتها الوطنية.

وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على هذا الإرث لا يعني الاكتفاء بما تحقق، بل يتطلب مواصلة التجديد السياسي والتنظيمي والشعبي، وتعزيز قدرة الحركة على الاستجابة للتحولات والتحديات الراهنة ، ومن المهم كذلك ترسيخ وضوح الأدوار المؤسسية بين حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، بما ينسجم مع طبيعة ومهام كل إطار؛ ففتح حركة سياسية وطنية، ومنظمة التحرير هي الإطار الوطني الجامع، فيما تضطلع السلطة الوطنية بمسؤوليات الحكم والإدارة ، ويسهم هذا الوضوح في تعزيز التكامل بين هذه المكونات، ودعم وحدة القرار الوطني، وترسيخ العمل المؤسسي، بما يحافظ على مكانة حركة فتح ويعزز فاعلية المؤسسات الوطنية والعامة، في إطار الدور الذي يضطلع به الرئيس محمود عباس في حماية القرار الوطني وصون المسار المؤسسي.

لقد كشفت التجربة، ولا سيما الانتخابات التشريعية عام 2006، أن التاريخ وحده لا يكفي لضمان ثقة الناخب ، فقد ساهمت عوامل متعددة، من بينها الانقسام الداخلي وتعدد القوائم وضعف الانضباط التنظيمي وتراجع الثقة الشعبية، في خسارة فتح للانتخابات ، وكان الدرس الأهم أن الانتخابات تحاسب الحاضر بقدر ما تحترم الماضي ، ولذلك فإن الاستحقاق التشريعي القادم في نوفمبر ٢٠٢٦م يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الحركة على استعادة ثقة الجمهور وتقديم مرشحين وبرنامج واضحين.

لقد انعقد المؤتمر العام الثامن بوصفه محطة مهمة لإعادة بناء الحركة، ليس فقط من خلال انتخاب الهيئات القيادية، وإنما من خلال تحويل مخرجات المؤتمر إلى ممارسة مؤسسية ، فالقيمة الحقيقية لأي مؤتمر حزبي لا تقاس بالأسماء والنتائج وحدها، بل بقدرته على تجديد التنظيم، وتفعيل المؤسسات، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وإعادة الاعتبار للقاعدة الحركية.

وعليه فأن أبرز التحديات التي تواجه فتح اليوم التباين بين الأجيال ، غير أن المطلوب ألا يتحول الاختلاف إلى صراع أو قطيعة ، فالجيل التاريخي يمتلك البذرة الأولى والخبرة والذاكرة، بينما يمتلك الجيل الجديد الطاقة والأدوات والرؤية المرتبطة بواقع مختلف والحل هو بناء شراكة بين الخبرة والتجديد، وإعداد صف ثانٍ وثالث من القيادات وفق الكفاءة والإنجاز في كل إقليم ، مع احترام الخبرة التاريخية وعدم تحويل الأقدمية إلى احتكار دائم للمسؤولية.

ان معالجة ( الصراعات ) أو نسميها التباين أو الاختلاف في وجهات النظر الداخلية لا ينبغي أن تقوم على التسويات الشخصية أو المحاصصة، وإنما على احترام النظام الداخلي، وتفعيل الأطر، وضمان حق الاختلاف والاعتراض، وإيجاد آليات مؤسسية للوساطة والمساءلة والمصالحة ،  فالحركة القوية ليست التي تخلو من الخلاف، بل التي تمتلك القدرة على إدارة خلافاتها دون أن تتحول إلى انقسامات،  وهذا يتطلب إعادة تفعيل الأطر التنظيمية كأولوية أساسية، من الأقاليم والمناطق والشعب إلى الشبيبة والمرأة والطلبة والنقابات والاتحادات. كما ينبغي تحديث سجل العضوية، وإجراء انتخابات داخلية دورية، وربط المسؤولية بالكفاءة، وإعادة الاعتبار للكادر باعتباره أساس التنظيم خاصة فئة الشباب والمرأة، فيجب الانتقال بهما من الحضور الرمزي إلى الشراكة الفعلية في القرار فاستنهاض الشباب يتطلب مدارس سياسية وتنظيمية وبرامج لإعداد القيادات، وتمكين المرأة يتطلب مواقع حقيقية في المؤسسات وليس مجرد تمثيل شكلي.

وفي هذه المرحلة الدقيقة ، تحتاج فتح إلى لملمة صفوفها القيادية في المستويات كافة، وفتح قنوات الحوار بين قيادات الصف الأول والثاني والكوادر للجاهزية لأي استحقاقات مستقبلية ، وبناء ثقافة سياسية تعتبر الاختلاف حقاً، والوحدة مسؤولية، والتنظيم مؤسسة لان وحدة فتح ليست شأناً تنظيمياً فقط، بل ضرورة وطنية في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والإقليمية ، وأقوى مواجهة لأي تحد خارجي تبدأ من الداخل مؤسسة قوية، قيادة موحدة، تنظيم ديمقراطي، قانون محترم، وكادر شاب وواعٍ، وعلاقة سليمة بين أبناء الحركة.

 إن فتح التي تحتاجها فلسطين اليوم هي فتح التي تستند إلى إرثها النضالي العريق، وتستمد منه القوة والدروس، لكنها في الوقت ذاته تنظر بثقة إلى المستقبل وتواكب تطلعات شعبها ، إنها فتح القادرة على تجديد قياداتها وطاقاتها، وفتح المجال أمام أجيالها الجديدة، مع الحفاظ على صلتها بتاريخها ورموزها ومؤسسيها، بما يعزز استمرارية الحركة وتجددها من خلال الإنجاز والعمل والمسؤولية، وتوحيد الصف ، وتعزيز روح الأخوة والشراكة، واستثمار طاقات الشباب والكفاءات، وتجديد الحياة التنظيمية بروح إيجابية ومسؤولة،وهذه  تمثل خطوات أساسية لاستعادة الحركة لدورها الريادي وقدرتها على التأثير والقيادة.

وأخيرا إن مستقبل فتح يصنعه قيادتها كأولوية وأبناؤها حين يلتقون ويتجاوزون الخلافات، ويضعون مصلحة الحركة والمشروع الوطني فوق كل اعتبار. وبوحدتها وتجددها وثقة شعبها بها، تستطيع فتح أن تواصل دورها التاريخي كرافعة أساسية للمشروع الوطني الفلسطيني وصمام أمان لوحدةا الشعب واستقلال قراره الوطني.

*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراة في الوظيفة العمومية