تل ابيب-ترجمة -وكالات-تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية حالة من التوتر الشديد وسط تعمق الخلاف داخل الائتلاف الحكومي حول قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، في ظل تصعيد غير مسبوق من قبل الأحزاب الدينية، التي لوّحت بانهيار التحالف الحاكم والدفع نحو انتخابات مبكرة.
ورغم التصريحات "الإيجابية" التي أطلقها النائب في الكنيست يولي إدلشتاين بعد لقائه مع ممثلي الأحزاب الحريدية، ووصفه للأجواء بـ"المريحة"، فإن التباينات الجوهرية بين الطرفين ما تزال قائمة، ما يعزز احتمالات تفكك الحكومة.
وأكدت مصادر من حزب "ديجل هتوراه"، فجر اليوم الأربعاء، أن ليلة الأمس شهدت لحظة حاسمة، بعدما قررت القيادات الدينية العليا "التوجّه إلى صناديق الاقتراع"، في إشارة مباشرة إلى تأييد خيار الانتخابات المبكرة.
ووفقًا لمقربين من الحاخام موشيه هليل هيرش، فإن الأخير بصدد إصدار فتوى تُلزم الحزب بالانسحاب من الحكومة، في حال استمر الجمود السياسي حول أزمة التجنيد.
أما الحاخام دوف لنداو، الشريك القيادي لهيرش في الحزب ذاته، فقد دعا صراحةً إلى تأييد قانون لحل الكنيست، فيما يتحرك قادة حزب "أغودات يسرائيل"، الشريك الآخر في "يهدوت هتوراه"، لتقديم مشروع قانون مماثل خلال الأيام المقبلة، مع ترك هامش زمني لنتنياهو لاستدراك الموقف.
في المقابل، ما يزال حزب "شاس" يتبنّى موقفًا غامضًا، إذ يفضّل زعيمه أرييه درعي التريث بانتظار ما ستؤول إليه تحركات "يهدوت هتوراه"، خصوصًا أن الناخبين التقليديين لـ"شاس" من الداعمين الأقوياء لنتنياهو، وهو ما يمنع الحزب من الظهور كمَن فجّر الحكومة.
من جهتها، لا تضيّع المعارضة الإسرائيلية الفرصة؛ إذ أعلنت أحزاب "يش عتيد"، "يسرائيل بيتينو" و"العمل" عن عزمها طرح مشروع قانون لحل الكنيست الأسبوع المقبل، بعدما أرجأت تقديمه هذا الأسبوع لتجنّب التصويت الفوري.
وداخل حزب "الليكود"، تتوجه الانتقادات إلى إدلشتاين الذي اتُّهم من قبل بعض المقربين بـ"الجمود السياسي"، ورفضه تقديم أي تنازلات رغم أن استبداله غير مطروح في الوقت الحالي، خشية تعقيد مسار التشريع وخسارة الغطاء القانوني البرلماني.
وفي تصريح حادّ، قال أحد كبار مسؤولي الائتلاف إن "إدلشتاين قرر تفجير الحكومة بيديه، رغم تنازلات الحريديم المتكررة"، محذرًا من أن "إسقاط الحكومة الآن سيمنح اليسار فرصة تولّي السلطة في لحظة أمنية حساسة".
ويتمحور جوهر الخلاف حول آلية فرض العقوبات على طلاب المعاهد الدينية الذين لا يؤدّون الخدمة العسكرية. إذ يطالب إدلشتاين بعقوبات فورية وشاملة، تشمل حتى من يعتبرون "الدراسة مهنة دينية"، وهو ما ترفضه الأحزاب الحريدية بشكل قاطع. كما يطالب باستثناء المتجندين في الشرطة والإطفاء والإسعاف من نسب التجنيد، في حين يرغب الحريديم باحتسابهم ضمن الحصص لإظهار تقدم وهمي في معدّلات التجنيد.
ومن أبرز شروط إدلشتاين: الوصول إلى 50% من نسبة التجنيد بين الحريديين خلال خمس سنوات، وتفعيل العقوبات فورًا، في حين تصرّ الأحزاب الدينية على تأجيل تطبيق هذه الإجراءات لحين صدور مصادقة من وزير أو هيئة تنفيذية مختصة.
وعلى الرغم من حجم الخلاف، اتفق الطرفان على استمرار الحوار. ومساء أمس، توجّه ممثلو "ديجل هتوراه" إلى منزل الحاخام هيرش في بني براك لإطلاعه على تفاصيل اللقاء مع إدلشتاين، فيما عنونت صحيفة الحزب "يتيد نئمان" صفحتها الرئيسية بـ"الائتلاف على حافة الانهيار"، متسائلةً: "هل سيلتزم نتنياهو بوعده لطلاب المعاهد الدينية؟".
وقد يُتخذ قرار الحسم خلال الساعات المقبلة من قبل الحاخامين هيرش ولنداو، إلا أن هناك مؤشرات على احتمال منح الحكومة مهلة أخيرة لتسوية الخلاف، بدل الانسحاب الفوري.
في سياق متصل، عقد موطي بابتشيك، مساعد وزير الإسكان يتسحاق غولدكنوبف والشخصية الأقوى في طائفة "غور"، اجتماعًا لافتًا مع زعيم المعسكر الرسمي بيني غانتس، في إشارة إلى انفتاح محتمل من "أغودات يسرائيل" على بدائل ائتلافية جديدة.
من جانبه، أرسل رئيس "ديجل هتوراه" موشيه غافني رسالة إلى مكتب نتنياهو يُحذّر فيها من "خطوات تصعيدية فورية" في حال عدم تحقيق اختراق خلال الليلة الماضية، دون توضيح ما إذا كان المقصود هو الانسحاب من الحكومة أو تعليق التعاون البرلماني كما جرى في مرات سابقة.
ومثّل عيد "الأسابيع" اليهودي نقطةً فاصلة بالنسبة للأحزاب الدينية لتسوية قضية قانون التجنيد، وقد سبق لها أن عطّلت عمل الكنيست احتجاجًا على ما وصفته بتراخٍ في تنفيذ الالتزامات، مما أزعج شركاء آخرين داخل الائتلاف.
وفي ظل احتدام المواجهة، بات قانون التجنيد يشكل اختبارًا مصيريًا لمصير حكومة نتنياهو، فيما قد تشكّل قرارات الحاخامين الحريديم البوصلة التي تحدد شكل المرحلة السياسية المقبلة في "إسرائيل".