تل ابيب-ترجمة-وكالات-رأى المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، أن الولايات المتحدة الامريكية بصدد إعادة ترتيب أولوياتها وتحالفاتها في الشرق الأوسط، مركزة على أدوات الاقتصاد وتسوية النزاعات بدلًا من الاعتماد على القوة العسكرية، في توجه يعكس رؤية إدارة ترامب البراغماتية والتجارية، وسعيها لتجنب التورط في حروب طويلة الأمد.
وأشار هرئيل إلى أن ترامب يضغط من أجل تسويات إقليمية تشمل جميع الأطراف، بما فيها إسرائيل، التي لا تبدو مستعدة حتى الآن لقبول وقف الحرب في غزة. ورغم ما وصفه بمحدودية الدور الإسرائيلي في التطورات الجارية، اعتبر هرئيل أن المقترح الأميركي، رغم سطحيته وضعف صيغته، قد يسهم في إنهاء الحرب.
وأضاف أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لا يُبدي حماسة تجاه المبادرة الأميركية، خوفًا من فرض تسوية عليه، وهو ما يتعارض مع نهجه السياسي التقليدي. وحذر هرئيل من أن فشل التعاون مع واشنطن قد يؤدي إلى عواقب أكثر خطورة، مثل أن تترك الولايات المتحدة إسرائيل وحدها في مواجهة أزماتها، أو أن يلجأ نتنياهو إلى تقويض التفاهمات الأميركية باستخدام القوة، سواء في غزة أو إيران.
كما لفت هرئيل إلى أن تصريحات ترامب بشأن احتمال تزويد تركيا والسعودية بطائرات F-35 تثير قلقًا واسعًا في الأوساط العسكرية الإسرائيلية، إذ يشكل ذلك تهديدًا لمبدأ تفوق إسرائيل العسكري النوعي، المعتمد منذ أكثر من نصف قرن. وأشار إلى أن هذا الطرح يثير "الفزع" بين كبار المسؤولين العسكريين، حتى وإن لم يعبّروا عنه علنًا.
ويرى هرئيل أن حكومة نتنياهو تحاول تفادي أي تسوية دائمة للحرب في غزة خشية إدخال أطراف جديدة، مثل قوة عربية مشتركة أو دور للسلطة الفلسطينية، لكنه يحذر من أن تجاوز واشنطن لإسرائيل أو فرض تسوية رغما عنها يظل احتمالًا قائمًا.
في السياق نفسه، أشار هرئيل إلى أن ترامب يسعى لتسريع التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران بشأن برنامجها النووي، مع ارتفاع فرص نجاحه رغم محدودية إلمام ترامب ومبعوثه ستيف ويتكوف بالتفاصيل. كما أضاف أن إتمام صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس يتطلب إشراكًا فعليًا لإسرائيل، وهو ما تصرّ الأخيرة على التعامل معه بشكل جزئي، في حين يدفع الأميركيون نحو صفقة شاملة تتضمن إنهاء الحرب.
ويحذر هرئيل من أن قيود نتنياهو السياسية وتحالفه اليميني قد تدفعه لتفضيل التصعيد العسكري المحدود على تقديم تنازلات سياسية، حتى لو أدى ذلك إلى تدهور العلاقة مع واشنطن.
من جهته، رأى المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، أن زيارة ترامب إلى الخليج كشفت بوضوح عن تراجع مكانة إسرائيل في السياسات الأميركية، حيث لم تعد تحظى بالمكانة الخاصة التي كانت تتمتع بها سابقًا. وقال إن إسرائيل باتت "الطفل الذي تُرك في البيت"، بعد أن فقدت صورتها كدولة ديمقراطية مستقرة تُحظى بدعم الحزبين في واشنطن.
لكن برنياع يرى أن هذا التراجع قد يحمل فرصًا جديدة لإسرائيل، شريطة أن تغيّر الحكومة الحالية نهجها السياسي، خصوصًا في ظل تشكل شرق أوسط جديد تحركه المصالح الاقتصادية.
وأشار إلى أن إدارة ترامب فتحت قنوات تواصل مع حركة حماس، في خطوة كسرت "تابو" سياسيًا طالما التزمت به إسرائيل. ومع أن واشنطن لم تتمكن من إبرام اتفاق مع حماس بسبب رفض إسرائيل تقديم ضمانات بوقف الحرب، إلا أن حماس باتت تمتلك – بحسبه – "مفتاح الدخول إلى البيت الأبيض".
وحذر برنياع من استمرار إسرائيل في سياسة استنزاف طويلة الأمد، خصوصًا في ظل غياب قيادة مركزية واضحة لدى حماس على الأرض، نتيجة لسياسة الاغتيالات، وهو ما يجعل عملية استعادة الأسرى أكثر تعقيدًا.
أما المحلل العسكري في صحيفة "يسرائيل هيوم"، يوآف ليمور، فرأى أن الشراكة بين واشنطن وتل أبيب، التي شكّلت ركيزة أساسية في السياسة الأميركية بالمنطقة، قد تراجعت بشكل ملحوظ، رغم أنها لم تُلغَ تمامًا. وقال إن الولايات المتحدة باتت تمضي في سياساتها الإقليمية بشكل مستقل، مدفوعة بمصالحها الخاصة.
وأشار إلى أن سلسلة خطوات اتخذتها إدارة ترامب – مثل التفاوض مع الحوثيين، الحوار مع حماس، والسعي لاتفاق نووي جديد مع إيران – تمت دون التشاور مع إسرائيل. كما اعتبر أن رفع الفيتو عن بيع طائرات F-35 لتركيا والسعودية يُمثل تحوّلًا جوهريًا في سياسة واشنطن تجاه المنطقة.
وحمل ليمور نتنياهو مسؤولية هذا التراجع، معتبرًا أن ارتهانه للحزب الجمهوري وتجاهله للديمقراطيين أدى إلى تقليص الدعم الأميركي الثنائي لإسرائيل، وأضعف من نفوذ اللوبي المؤيد لها في واشنطن. كما أشار إلى أن بعض الدول الغربية باتت تنظر إلى إسرائيل كـ"دولة منبوذة"، مستشهدًا بالتوتر مع فرنسا كمثال.
وفي ما يخص غزة، اعتبر ليمور أن حكومة نتنياهو لا تمتلك استراتيجية واضحة للخروج من الحرب، وأن رفضها مناقشة مستقبل القطاع يرتبط بحسابات ائتلافية داخلية أكثر من كونه موقفًا إستراتيجيًا. وأشار إلى أن ما تطلبه واشنطن من إسرائيل لا يتعدى الاستعداد لمناقشة مبدأ "حل الدولتين"، لكن الحكومة الحالية ترفض حتى ذلك.
واختتم ليمور بالقول إن إسرائيل أضاعت فرصة ثمينة للانضمام إلى التحالف الإقليمي الجديد الذي تقوده واشنطن، والذي يركز على المصالح الاقتصادية والأمنية. فبدلًا من انتهاج سياسة الحوار، اختارت حكومة نتنياهو التمسك بسياسة "القوة ولا شيء غير القوة"، ما جعل إسرائيل تغرق أكثر فأكثر في أزمات غزة وخانيونس، بينما تقلع المنطقة نحو مستقبل مختلف.