الكاتبة : سهير سلامة
منذ يومين وانا اتفحص كتابا فلسفيا، لفت نظري مقولة ان الرجولة داء ودواء، وكنت منذ فترة طويلة ادركت ان الارتجال، هو فن التعامل مع اللحظة، لا ادري لم ربطت بين الكلمتين، فتوصلت لفكرة ان تعريف الارتجال، بأنه القدرة على التصرف والتعبير واتخاذ القرار دون إعدادٍ مسبق، اعتمادا على الخبرة والحدس،وسرعة البديهة. وعلى عكس الاعتقاد الشائع، فإن الارتجال ليس عشوائية أو تهورا، بل مهارة عقلية وسلوكية تنمو مع التجربة وتزداد نضجا مع الوعي.
في الحياة اليومية، تواجه الإنسان مواقف لا تمنحه وقتا كافيا للتخطيط، حوار مفاجئ، مشكلة طارئة، أو فرصة غير متوقعة، هنا يظهر دور الارتجال بوصفه أداة للبقاء والتكيف.
فالقدرة على قراءة الموقف بسرعة، وربط المعطيات المتاحة، ثم التصرف بثقة، هي ما يجعل الارتجال عنصرا أساسيا في النجاح .
في المجالات الإبداعية، كالمسرح، والموسيقى والخطابة، يُعد الارتجال روح العمل الفني، كثير من اللحظات الخالدة لم تكتب مسبقا، بل وُلدت في لحظتها، صادقة ومباشرة، هذا الصدق هو ما يمنحها التأثير، لأن المتلقي يشعر بعفويتها وقربها من الواقع، أما في التفكير واتخاذ القرار، فالارتجال لا يعني تجاهل التخطيط، بل موازنته.
إذن التخطيط يهيىء الطريق، لكن الارتجال يسمح بتعديل المسار عندما تتغير الظروف، الشخص القادر على الارتجال هو شخص مرن، لا يتجمد أمام المفاجآت، بل يتعامل معها كجزء طبيعي من الحياة.
تعلم الارتجال يتطلب الثقة بالنفس، وتقبل الخطأ، والانفتاح على التجربة، فالخوف من الخطأ هو أكبر عائق أمام الارتجال، بينما الإيمان بأن الخطأ فرصة للتعلم يحرر الإنسان ويمنحه جرأة المحاولة.
في النهاية، الارتجال مهارة إنسانية عميقة، تُنمي الحضور الذهني، وتُعزز القدرة على التواصل، وتُساعد على مواجهة الحياة بوعي ومرونة.
وبين التخطيط والارتجال، تتشكل التجربة الإنسانية في أكثر صورها واقعية وحيوية، في عالم تُقاس فيه القيمة بالدقة، وتُرسم فيه الحياة بخطوط صارمة، يجيء الارتجال كنسمة غير متوقعة تُعيد للإنسان نبضه، فالارتجال ليس فوضى كما يظنه البعض، بل شجاعة داخلية، واستجابة حية للحظة، وقدرة على اتخاذ القرار حين تغيب الخرائط.
الرجال بمعناهم الإنساني قبل الجندري، لا تُحييهم الخطط وحدها، بل تُحييهم تلك اللحظات التي يقفزون فيها خارج النص، حين يثقون بعقولهم وحدسهم، ويتحملون مسؤولية القرار دون ضمانات، الارتجال هنا ليس تهورا، بل وعي مرن، وحضور كامل في الزمن الراهن، فكم من موقف في الحياة لا يمنحك وقتا للتفكير الطويل...
كلمة تُقال في وقتها، موقف يُحسم بسرعة، فرصة لا تنتظر، في هذه اللحظات، لا ينقذك إلا قدرتك على الارتجال، أن تجمع ما تعرفه، وما تشعر به، وما تراه، ثم تتحرك، الحركة هنا هي الحياة.
الارتجال يقتل الخوف من الخطأ، لأنه يفترض مسبقا أن الخطأ جزء من التجربة، ومن لا يخطىء لا يعيش، ومن لا يعيش لا يتعلم، لهذا، فإن الارتجال يوقظ في الإنسان روح المبادرة، ويمنحه إحساسا بالقوة الداخلية، لأنه يدرك أنه قادر على المواجهة حتى دون استعداد كامل .
وفي الفن، والخطابة، والحوار، وحتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، نرى أن أكثر اللحظات صدقا وتأثيرا هي تلك التي وُلدت ارتجالا، لم تُصقل كثيرا، لكنها خرجت حقيقية، والحقيقة دائما أقوى من الكمال المصطنع.
ليس المطلوب أن نعيش بلا تخطيط، بل أن لا نتحول إلى أسرى له، أن نترك مساحة للارتجال، لأن فيها تتجلى إنسانيتنا، فالإنسان الذي لا يعرف كيف يرتجل، قد ينجح، لكنه نادرا ما يشعر بالحياة، لهذا نقول: الارتجال يحيي الرجال، لأنه يذكرهم بأنهم أحياء، قادرون، ومسؤولون عن اختياراتهم، حتى في أكثر اللحظات غموضا.



