الكاتبة : سها زيدان
في عالم رقمي لا يهدأ، أصبحت الشاشة نافذة العالم، والمشاهدات مقياس القيمة، والتفاعل عملة النجاح. كثير من الشباب وجدوا أنفسهم فجأة تحت الأضواء، بلا استعداد، بلا خبرة، وبلا أي أدوات لحماية أنفسهم نفسيًا أو اجتماعيًا. النتيجة: محتوى يُصنع ليس من أجل القيمة، بل من أجل البقاء مرئيًا، مهما كلف الأمر.
هذا السباق يخلق تنازلات صغيرة أولًا، ثم كبيرة لاحقًا: تخفيف الأفكار، مبالغة في التعبير، أو البحث عن الإثارة بأي ثمن. ما كان يومًا جزءًا من الحياة الخاصة صار مادة للعرض: البيوت، العائلات، وحتى الأطفال يُقدّمون على الشاشة بلا وعي بالعواقب. العلاقات الإنسانية تتحوّل إلى أدوات جذب، وتُستهلك الذوات للحفاظ على الظهور.
نلاحظ أن بعض المؤثرين يلجأون إلى التحديات الخطرة والمغامرات المصوّرة، مثل القفز من ارتفاعات، التجول في أماكن خطرة، أو مقالب قد تهدد السلامة. المشاهدون الشباب غالبًا يقلدون هذه التصرفات ظنًا منهم أنها مقبولة أو مطلوبة، فيصبح التهور جزءًا من حياتهم اليومية، وتصبح المخاطرة “جزءًا طبيعيًا” من الترفيه.
هناك نمط آخر يعتمد على الابتزاز العاطفي وجذب المشاعر، من خلال دموع، صراخ، أو مواقف عائلية حميمية تُعرض على الجمهور. المتابع، خصوصًا المراهق، يشعر بأنه جزء من حياتهم، ويبدأ في تقليد سلوكياتهم، أو الانشغال بما يعرضونه، دون وعي بالعواقب أو التفكير النقدي. هذا النوع من المحتوى يغذي الإحساس بالفراغ النفسي، ويُنشئ معايير غير واقعية للنجاح والسعادة.
بعض المؤثرين يلجأون إلى الفوضى والصراخ والإثارة البصرية، ويرون أن هذه الطريقة تضمن المزيد من المشاهدات، ويصبح تصرفهم نموذجًا لدى الشباب بأن الفوضى، الصراخ، والاستهزاء طريقة مقبولة للنجاح، ويترسخ هذا الانطباع في وعي الجمهور، مؤثرًا على الذوق العام والممارسات الاجتماعية.
هناك من يقدّمون حياة مثالية أو مستفزة: سيارات فارهة، ملابس باهظة، رحلات فاخرة، وجبات باهظة. هذه الصور تُخلق شعورًا بالنقص لدى الشباب، فيبدأون بمحاولة التقليد، وتتحوّل المقارنة المستمرة إلى ضغط نفسي واجتماعي. العقل الجمعي الصغير يرى أن القيمة مرتبطة بما يُظهره الإنسان لا بما يقدمه أو يحققه بالجهد والعمل.
بعض المؤثرين الثقافيين أو التعليميين ينقلون معلومات مشوّهة أو مبسطة عن مواضيع ثقافية أو صحية أو اجتماعية، فتتشوّه رؤية المتلقي للواقع، ويصبح التفكير النقدي ضعيفًا، ويختزل الشباب الفهم في الصور القصيرة والعناوين المبهرة، بدل البحث والمعرفة الدقيقة.
تكرار هذه الأنماط يؤدي إلى مخاطر واضحة على المجتمع: تطبيع السلوكيات الخطرة، تعزيز الفوضى والابتذال، ضعف الذوق العام، وضغط مستمر على الشباب، حيث يقاس النجاح بعدد الإعجابات والمشاهدات وليس بالجهد أو التعلم أو القيمة الحقيقية للفكرة. الدراسات أكدت هذا الواقع؛ فالضغوط النفسية، الإرهاق، واضطراب الهوية لدى صُنّاع المحتوى أصبح أمرًا شائعًا. الذات تتحول إلى مشروع دائم للعرض، تحت ضغط التفاعل المستمر والخوف من الاختفاء. دخل سريع، بلا ضوابط، بلا رقابة على المضمون، خلق نموذجًا يشجع على التفاهة ويكافئ الإثارة ويهمّش القيمة الحقيقية.
ومع كل هذا، يبقى هناك طريق للخروج من هذه الدوامة. يمكن للمنصات الرقمية أن تضع آليات تشجع الإبداع الحقيقي وتحمي صُنّاع المحتوى من الاستنزاف النفسي، مثل دعم المحتوى الثقافي المفيد، إنشاء برامج للتوعية بالسلوكيات الرقمية الآمنة، وتقديم أدوات لمراقبة التأثير النفسي للمتابعين. المتابعون أيضًا عليهم أن يتعلموا التمييز بين القيمة الحقيقية والإثارة السطحية، وأن يكون لديهم وعي نقدي بما يشاهدونه، مع تشجيع الحوار الأسري والمدرسي حول المحتوى الرقمي وتأثيراته على القيم والسلوك.
الشهرة، حين تُبنى على معنى وقيمة، يمكن أن تكون مساحة تأثير وإلهام، تمنح صُنّاع المحتوى القدرة على توجيه الأجيال نحو المعرفة، الثقافة، والفكر النقدي. أما إذا تحوّلت إلى سباق أرقام مستمر، فإنها تصبح عبئًا نفسيًا وثقافيًا، يترك أثره العميق على الفرد والمجتمع. هذه فرصة للتوقف والتفكير بعمق، لإعادة تقييم النجاح، ولتربية أنفسنا والأجيال القادمة على معنى أكبر من مجرد الظهور، على وعي أعمق، وذوق رصين، وفهم حقيقي لما هو مهم وما هو مضيعة للوقت والعقل.
في الختام، هذه فرصة للوعي، للتفكير، وللتحكم بما نستهلكه من محتوى رقمي. المجتمع الواعي يقيس النجاح بالقدرة على التمييز بين القيمة والسطحية، بين الحقيقة والمبالغة، وبين السعي للنمو والتعلم، وبين الوقوع في فخ الشهرة السريعة.



