الكاتب : محمد زهدي شاهين
هل هو خطأ عابر أم أمر متفق عليه ام يحمل في ثناياه بشكل ضمني شيء آخر؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد لنا من القاء نظرة عامة على هذا المشهد ومن ثم سنلقي نظرة معمقة في ثنايا المطلب الأمريكي.
فواهم من ظن أو اعتقد بأن فكرة العفو عن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو التي طالب بها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب عبر رسالة رسمية بعثها يوم الاربعاء الموافق ١٢/١١/٢٠٢٥م إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يدعوه فيها إلى العفو الكامل عن بنيامين نتنياهو الذي يحاكم منذ العام ٢٠٢٠م أمام القضاء الإسرائيلي بتهم فساد منسوبة إليه بأنها فكرة سديدة ستؤدي إلى استتباب أمن المنطقة بل على العكس من ذلك تماما، فنحن نرى بأن هذه الخطوة ستؤدي إلى امور ايجابية من ناحية ما سنقوم بتوضيحها لاحقاً، ومن ناحية اخرى ستؤدي إلى حالة سلبية وضبابية تلقي بظلالها بشكل اكثر حدة مما سبق، فمن الناحية الأولى ستعمق الأزمة الداخلية في كيان الاحتلال، كون عملية العفو هذه تتقاطع مع مبدأ العدالة من وجهة نظر الإسرائيليين في حال ثبوت التهم المنسوبة إليه، ومن ناحية اخرى ستؤدي إلى تعميق أزمة المنطقة والاقليم.
وفي استطلاع للرأي نشر يوم الجمعة الموافق ١٤/١١ في صحيفة معاريف الإسرائيلية اجراه معهد (لازار) من اجل قياس ورصد ردود افعال الشارع الاسرائيلي كانت نتيجته تشير الى أن ٤٤% من الإسرائيليين ممن شملهم الاستطلاع يعارضون منح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عفواً من تهم الفساد الموجهة له، في حين أيد ذلك ما نسبته ٣٩% ، وهذه نسب قريبة من بعضها البعض نوعا ما ولها دلالاتها الخاصة بأن الجمهور الاسرائيلي منقسم بين مؤيد ومعارض بنسب قد تكون متساوية الى حد ما.
لقد جاء هذا المطلب الامريكي من باب حرص الولايات المتحدة الأمريكية من اجل المضي قدما في تنفيذ اتفاق وقف اطلاق النار وإن دل هذا فإنما يدل على وجود رغبة وقرار امريكي من اجل تنفيذ هذا الاتفاق وإنقاذه من الانهيار وبالذات من قبل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي تحاول وتعمل بشتى الطرق من اجل انهياره. هذا الحرص الأمريكي لا يأتي من باب الحرص على تحقيق السلام العادل والمتوازن الذي ينصف المظلوم أومن اجل وقف العدوان على ابناء شعبنا الفلسطيني وشعوب منطقتا الغربية، ولا يصب أيضاً في مصلحة المنطقة والاقليم بقدر ما هو رغبة في تحقيق انجاز سياسي هذا من باب ومن باب أخر فوقف اطلاق النار في قطاع غزة بمثابة مدخل أساسي ومهم من اجل هندسة وترتيب أمور المنطقة وفقا للرؤية الأمريكية ومن باب ثالث من اجل انقاذ الاحتلال الاسرائيلي من نفسه بعد أن تهشمت صورته على مستوى العالم وبعد أن صدرت مذكرات اعتقال من محكمة الجنايات الدولية بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو وشخصيات اسرائيلية اخرى لثبوت الأدلة والبراهين بأنهم مجرمي حرب.
وبالعودة الى كون اتفاق وقف اطلاق النار الذي تم التوصل إليه يعد بمثابة انجاز سياسي للرئيس الامريكي ولإدارته فلا بد لنا من التوقف هنا قليلا كون الموازين في مثل هذه الحالة يراها الكثيرون بأنها قد اختلت وجدران العدالة قد تصدعت وانهارت، فلا يعقل ومن غير المقبول اطلاقا اعطاء الشريك والداعم الأساسي للاحتلال وبالأخص خلال العامين المنصرمين هذا الوصف والقول بأنه صاحب انجاز سياسي فلا يجوز تجميل صورة القاتل والمستبد.
عند الغوص في الاعماق والقاء نظرة وتحليل معمقين نجد بأن طلب العفو الامريكي الذي جاء على لسان الرئيس الامريكي دونالد ترامب وبرسالة رسمية وجهت للرئيس الاسرائيلي نجد بأنه بمثابة خطأ وقعت فيه الإدارة الأمريكية لجهلها في القوانين بشكل عام أو لإغفالها الأمر القانوني الذي يتطلب من المتهم الاقرار بالذنب أولاً في حال ما كان ما يزال يمثل أمام القضاء بصفته متهما ولم تثبت إدانته بعد، وهذا الأمر متعارف عليه وفقاً للمبدأ القانوني الأساس للمحاكمة العادلة الذي يقول بأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته، وهذا ما يتوافق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، هذا من جانب، مع العلم بأننا نستبعد وقوع الإدارة الأمريكية وطواقمها في مثل هذا الخطأ الساذج.
ومن جانب أخر فنحن نقرأ ونرجح بأن هذا المطلب ليس مجرد طلب عادي من اجل أن يتم مقايضة نتنياهو بالعفو عنه في مقابل الحصول على ضمانات منه من اجل أن يستمر في تنفيذ اتفاق وقف اطلاق النار، بل نرى فيه اكثر من ذلك بكثير وهو وصول الإدارة الأمريكية الى قناعات بأن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يقوم مرارا وتكرارا بافتعال الأزمات من اجل التهرب من محاكمته التي ستؤدي به إلى دخول اقبية السجن. وهنا بيت القصيد فالإدارة الأمريكية تعي تماما بأن الرغبات الشخصية لبنيامين نتنياهو تتعارض مع المصلحة العامة الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء وهذا ما ذهبنا إليه في إحدى مقالاتنا قبل عام ونيف، لهذا نرى بأنها قد لجأت الى طرح هذه الفكرة من اجل اصطياد عصفورين بحجر واحد وهما تحقيق مرادها بتسجيلها انجازات سياسية وحمايتها للكيان وتقريع وإهانة وإذلال رئيس الوزراء الاسرائيلي والايقاع به في حال ما وافق على تقديم طلبا استرحامياً من اجل أن يتم العفو عنه. هذا الأمر يقودنا ضمنيا الى وجود علاقة فاترة نوعا ما بين الإدارة الأمريكية وحكومة بنيامين نتنياهو حتى لو بدى الأمر على خلاف ذلك جراء الغزل والأعجاب المتبادل الذي شاهدناه وسمعناه من كلا الرجلين، فلا شيء يمنح بالمجان.
من المرجح جدا وبعد هذه الزوبعة وجس نبض الإدارة الأمريكية لرد فعل رئيس الوزراء الاسرائيلي فمن الممكن بأن تذهب بعيد طلب العفو عنه إلى طلب اسقاط التهم المنسوبة إليه باعتبار أن هذه القضية هي قضية سياسية وليست قضية قضائية، وهذا ما سيفجر ازمة اخرى وهي التدخل في شؤون القضاء الإسرائيلي.
تحت كل الظروف فإن عملية العفو من قبل القضاء الإسرائيلي عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الصادرة بحقة وبحق شخصيات اسرائيلية اخرى مذكرات اعتقال من محكمة الجنايات الدولية لن تغير من حقيقة الأمر شيئاً فهم مجرمي حرب أمام القانون والقضاء الدولي، وهذه بالتأكيد اكبر من تلك. لهذا وفي حال ما تم هذا الأمر فمن المرجح بأن يتمادى المجرم في اجرامه ويزيد بطشاً على بطشه، وهذا الأمر نذير شؤم للمنطقة برمتها، لذلك لا بد لمنطقتنا بأن تستعد للأخطار المحدقة بها.
والسؤال المطروح هنا والذي ستجيبنا الأيام القادمة عنه هو في حال ما تم الأمر بالعفو عنه أو تمت عملية اسقاط التهم الموجهة إليه في حال ما تم اعتبارها بأنها قضية سياسية فهل سيكون ذلك ضمن صفقة تشمل المنطقة والاقليم؟



