آراء

الحرب وتآكل الطبقة الوسطى .. حينما تضيع حصيلة العمر

11 مشاهدة قراءة 6 دقيقة

الكاتب : د. بسام سعيد 

لم تكن الحرب في قطاع غزة مجرد تدمير للمنازل والبنية التحتية، بل كانت زلزالًا اجتماعيًا واقتصاديًا ضرب الطبقة الوسطى والمنتجة في العمق؛ فأفقد قطاعات واسعة منها مصادر دخلها ومدخراتها، ودفعها دفعًا من الاستقرار والإنتاج إلى دائرة العوز والاعتماد على المساعدات.
ولعل أكثر المشاهد إيلامًا هو حال الكثير من موظفي وكالة الغوث (الأونروا) والتعليم والقطاعات الخدمية، ممن أمضوا سنوات طويلة في العمل الوظيفى ، ثم تقاعدوا واستثمروا مدخرات العمر في بناء منازل تؤوي أسرهم، فإذا بالحرب تحوّل تلك البيوت إلى ركام، وتذهب سنوات التعب والادخار أدراج الرياح. هذا ما أسرّ به صديق لي، روى ذلك والدمع يملأ عينيه!
وهذا الوجع ينسحب كذلك على حال كثيرين ممن عملوا في الدول العربية، أو داخل الوطن كعمال وشغيلة ، وجمعوا أموالهم حجرًا فوق حجر لبناء منزل، أو تأسيس مشروع صغير، أو تأمين مستقبل أبنائهم، فإذا بهم يخسرون كل شيء، ويجدون أنفسهم يقيمون في خيام على قارعة الطريق.
وليس المزارع الغزي بأقل ألمًا من هؤلاء؛ فالمزارع الذي قضى عقودًا يتعهد أرضه بالرعاية والزرع، ويعتاش من خيرات محصوله ليغذّي الأسواق ويكفل كرامة عائلته، وجد نفسه بين عشية وضحاها وقد جُرِفت أرضه، ودُمرت شبكات ريه، واحترق زرعه وشجره . تحول هذا المنتج الصامد، الذي كان يطعم غيره، إلى نازحٍ في خيمة قفرة، يقف في طوابير الانتظار متطلعًا إلى "الكابونة" أو " التكية" والمساعدات الإغاثية كي يسد رمق أطفاله، في تحول قسري مأساوي يعصر القلب ألمًا.
ولكي ندرك عمق هذه المأساة، يكفي أن نتخيل الموظف المتقاعد الذي كان يحلم بقضاء ما تبقى من عمره في بيته، أو المزارع الذي كان يرى كرامته في سنبلة أرضه، أو المغترب الذي عاد محمّلًا بأحلام الاستقرار لتلتهم الحرب شقاء غربته، أو صاحب المحل التجاري الذي اختفت بضاعته ورأس ماله تحت الركام.
وهناك أيضًا المعلم والموظف الذي كان يخطط لمستقبل أبنائه بثقة، فأصبح اليوم عاجزًا عن تلبية أبسط احتياجاتهم. أما الأبناء الذين نشأوا على الاعتقاد بأن التعليم والعمل هما بوابة الحراك الاجتماعي، فيجدون أنفسهم أمام واقع تتراجع فيه قيمة الشهادات والخبرات أمام غياب فرص العمل وتبدد مقومات الحياة.
ومن منظور سوسيولوجي، فإن تآكل الطبقة الوسطى والشرائح المنتجة يعني تراجع إحدى أهم ركائز التوازن الاجتماعي؛ فهي الطبقة القائمة على العمل والتعليم والإنتاج الزراعي والصناعي. غير أن المأساة لا تقف عند حدود انهيار هذه الطبقة وتحولها نحو الفقر، بل تتضاعف  بظهور فئة طفيلية من "القطط السمان" وتجار الحروب.
لقد أفرزت الكارثة طبقة جديدة اغتنت واقتاتت على حساب آلام الناس وقوت يومهم؛ عبر احتكار السلع، واستغلال حاجة النازحين، والمضاربة بأسعار المواد الأساسية والغذائية. وفي الوقت الذي تلاشت فيه مدخرات الطبقة الوسطى وتجرفت فيه أراضي المزارعين ، كانت هذه الفئة تتضخم ثرواتها على حساب أوجاع الفقراء والمكلومين، مما عمّق الفجوة الطبقية وأحدث شرخًا قيمًا وإنسانيًا داخل المجتمع.
إن الخسارة هنا لا تتعلق بالمال والممتلكات والأراضي فحسب، بل بانهيار الشعور بالأمان، وفقدان الاستقلال الذاتي، وانكسار منظومة العدالة الاجتماعية .
إن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تقتصر على بناء الحجر والخرسانة، بل يجب أن تشمل إنصاف الإنسان الذي فقد حصيلة عمره، وإعادة استصلاح أراضي المزارعين ودعمهم للعودة إلى الإنتاج، ومحاربة مظاهر الاستغلال الاحتكاري، واستعادة قدرة المواطن على العمل والإنتاج والحياة بكرامة.
فخلف كل منزل مدمّر قصة ادخار طويلة، وخلف كل أرض مجرفة شقاء عقود، وخلف كل أسرة فقدت استقرارها أحلام تبخرت، وخلف الركام طبقة اجتماعية تتآكل بصمت، في مقابل فئة قليلة تقتات على الكارثة. وإذا كان الركام والدمار  هما الوجه المرئي للحرب، فإن تآكل الطبقة الوسطى وتشوه النسيج الاقتصادي هما من أخطر آثارها الصامتة؛ لأنهما يهددان حاضر الأسر، ومستقبل الأبناء، وقدرة غزة على النهوض من جديد.

 *أكاديمي وكاتب يقيم في غزة