آراء

الرجل الذي نجا من جنازته

9 مشاهدة قراءة 6 دقيقة

الكاتب : عيسى قراقع
هذا ليس خيالًا أدبيًا عن ثنائية الموت والحياة في الأساطير الميثولوجية والوجودية، ولا مجرد حدث سردي بأسلوب الكوميديا السوداء، حين يعود الإنسان من القبر إلى الحياة، ويلتقي الموت والسجن في تجربة واحدة، في صراع مستمر لمواجهة الفناء. إنها غزة والولادة العسيرة من الهاوية، وإنتاج الدهشة من قلب العدم.
لم يصدّق أحد أن أدهم البنّا، أحد سكان بلدة جباليا شمال قطاع غزة، عاد من القبر بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة والغياب. نجا من جنازته، وبُعث من عالم الأموات. كانت عائلته قد أقامت بيت عزاء، واستقبلت المعزّين بأدهم وبأشقائه الشهداء، بعد أن تلقت معلومات تفيد باستشهاده حين ذهب مع شقيقه للبحث عن كيس طحين، في زحمة الموت والجوع والانفجارات. لم يعد أدهم إلى البيت، ولم تكتمل فرحة خطيبته التي استبدلت فستان الزفاف الأبيض بفستان أسود. وقفت أمام البحر طويلًا، تنتظر عودة أدهم من الموت، فالبحر أحيانًا يستجيب لنداء القلب ويستعيد الموتى إلى الحياة.
ثلاث سنوات بلا قبر، ولا جثة، ولا شاهد، ولا أخبار توقف هذا الحزن الغامض المعلّق بين الأرض والسماء. الناس في غزة يموتون جماعات، وتضيع النفوس والأشلاء؛ يخرجون ولا يعودون. في غزة، لم يعد الموت لحظة بيولوجية واضحة، بل أصبح خبرًا أو إشاعة أو احتمالًا أو اسمًا مفقودًا أو جثمانًا لم يصل، أو صورة بلا جسد. الموت نفسه صار يحتاج إلى دليل.
هل أدهم حي أم ميت؟ لم تجده العائلة بين الجثامين الممزقة التي سلّمتها إسرائيل في غزة، ولم تصلها أي معلومة تفيد بأنه في السجن. هل هو شهيد أم أسير أم مفقود؟ هل هو تحت الأنقاض؟ إنه تعذيب جماعي لوالديه وعائلته وأحبائه، ودموع لم تتوقف. هناك موتى يُدفنون مرة واحدة، ولكن في غزة يُدفن الأحياء مرات عدة. ثلاث سنوات يمكن أن تكفي لصناعة قبر كامل في الذاكرة؛ ثلاث سنوات من النوم المتقطع، وثلاث سنوات من الأسئلة، وثلاث سنوات بين الأمل والخيبة والرجاء. وهذا من أفظع أشكال الموت النفسي في حرب إسرائيل على غزة، حين يفقد الإنسان أثره، وتصبح الحدود بين الموت والحياة أكثر هشاشة.
عاد أدهم من القبر يوم 6/7/2026، وظهر الميت الحي مع سبعة عشر أسيرًا فلسطينيًا أفرجت إسرائيل عنهم بوساطة الصليب الأحمر الدولي. نُقلوا من معبر أبو سالم إلى مستشفى ناصر في جنوب قطاع غزة، وكانت المفاجأة: كان أدهم حيًّا في مقابر السجون وزنازينها، مخفيًّا ومدفونًا في الظلام وبين القضبان.
كان جريحًا مات مرتين: مرة حين دخل في غيبوبة استمرت شهرين، بعد أن أطاحت به قنبلة، ومرة حين نعته عائلته وأقامت له العزاء. عاد أدهم من الحياة الآخرة إلى الحياة الدنيا، شاهدًا على جريمة الاختفاء القسري لآلاف من أبناء قطاع غزة، وشاهدًا على أسرى أُعدموا وعُذّبوا وسُحقت أجسادهم، وشُطبت أسماؤهم، وأُغلقت سجلاتهم، ومُحيت ملامحهم من الأخبار والتقارير.
الاختفاء القسري ليس أن يختفي الإنسان فحسب، بل أن يُجبر أهله على العيش في فراغه، وأن يصبح للروح المعذّبة صدى طويل الأمد. عاد أدهم من الموت الذي لم يمت فيه، ليشهد على موت آخرين لم يعودوا منه، وما زالوا ينتظرون من يفتح باب الجحيم.
لقد نجا أدهم من جنازته، وهذه ليست معجزة بالمعنى الديني؛ إنها فضيحة أخلاقية وسياسية وقانونية وإنسانية للمجتمع الدولي، الذي لم يستطع الدخول إلى مدافن السجون. لا زيارات، ولا رقابة، ولا حماية، ولا أحد يعرف شيئًا عن الذين قُتلوا في السجون ولم تصل أجسادهم، أو عن الذين خرجوا محمّلين بآثار التعذيب والأمراض والصدمات، أو عن حظائر الضرب والإذلال والاغتصاب وتهديم روح الإنسان.
كم مرة يحتاج العالم إلى أن يعود رجل من جنازته، كي يدرك أن هناك أحياء قد لا يجدون طريقًا للعودة؟
ثلاث سنوات كي تنتصر الحقيقة على الجنازة. عاد أدهم من قبر لم يُحفر، ومن جنازة لم يكن فيها ميتًا. عاش أهله الموت من دون جثمان، وعندما عاد، لم يعد وحده؛ عاد معه ذلك الزمن الذي لم تستطع أسرته أن تعيشه بصورة طبيعية.
ارتبك الجميع: كيف يستقبلون شخصًا عاد من موته؟ وكيف ينهون الحداد وسنوات الألم العميقة؟ اختلط الذهول بالفرح والبكاء. والناس الذين استقبلوه لا يقولون: عاد أدهم من السجن، بل يسألون: من أيّ موت عاد؟