ثقافة

 قراءة في رواية "بين القصرين" لنجيب محفوظ

12 مشاهدة قراءة 15 دقيقة

الكاتبة : سهى زيدان

تبدأ رواية "بين القصرين" في الساعات الأولى من الصباح، مع أمينة التي تنتظر عودة زوجها أحمد عبد الجواد. من هذا البيت في حي الجمالية بالقاهرة، يدخل نجيب محفوظ إلى حياة أسرة نتابع تفاصيلها اليومية، وعلاقات أفرادها، وما يجمعهم من روابط وما يفصل بينهم من خوف ورغبة واختلاف. تمتد الحكاية حتى أحداث ثورة 1919، لكن محفوظ يمنحنا الوقت لنعرف الناس قبل أن نرى كيف تصل التحولات إلى بيوتهم وتغير مصائرهم.

هذه البداية مفتاح لفهم الرواية. فمحفوظ لا يعزل الحدث السياسي عن الحياة التي تجري بعيدًا عن الشوارع والساحات، بل يكشف المجتمع من خلال تفاصيله اليومية: علاقة الأب بأبنائه، وموقع المرأة داخل الأسرة، ورغبة الجيل الجديد في اختيار طريقه. وحين تتصاعد الأحداث الوطنية، نكون قد عرفنا ما يربط الشخصيات بالحياة، وما يمكن أن تخسره حين يدخل التاريخ إلى عالمها الخاص.

صدرت "بين القصرين" عام 1956، وهي الجزء الأول من ثلاثية نجيب محفوظ. وتكمن إحدى ميزاتها الفنية في قدرة الكاتب على بناء عالم واسع يضم شخصيات كثيرة وعلاقات متشابكة وأمكنة متعددة، مع الاحتفاظ بتماسك الحكاية. فالتفاصيل اليومية تكشف طبيعة المجتمع، وتمنح مصائر الشخصيات وزنها الإنساني حين تبلغ الأحداث ذروتها.

في قلب هذا العالم يقف أحمد عبد الجواد، المعروف بلقب "سي السيد"، الرجل الذي يفرض سلطته على بيته، ويحدد لأفراد أسرته ما يجوز وما لا يجوز، ويحرص على أن تبقى كلمته نافذة. لكن حياته خارج المنزل تكشف تناقضًا واضحًا مع النظام الذي يفرضه داخله؛ فهو يطالب زوجته وأبناءه بالتقيد بقواعد لا يلتزم بها حين يتعلق الأمر برغباته الخاصة.

لا يمارس أحمد عبد الجواد سلطته وفق مبدأ يطبقه على الجميع، بل وفق امتياز يخصه وحده. فما يبيحه لنفسه يصبح ممنوعًا على الآخرين، وما يعدّه حقًا شخصيًا يتحول إلى مخالفة حين يصدر عن أحد أفراد أسرته. وتكشف الرواية هذا التناقض من خلال سلوكه وعلاقاته، ومن خلال الخوف الذي يحيط بحضوره والصمت الذي يفرضه على أفراد البيت. فلا يحتاج محفوظ إلى إعلان سطوة الرجل؛ إذ نراها في الطريقة التي يحسب بها الآخرون كلماتهم وتصرفاتهم أمامه.

تجاوزت شخصية "سي السيد" حدود الرواية، وأصبحت رمزًا لسلطة الأب في الذاكرة العربية. غير أن اختزالها في صورة الرجل المستبد يحجب جانبًا من تعقيدها؛ فأحمد عبد الجواد فرد له رغباته وتناقضاته، وهو في الوقت نفسه نتاج مجتمع يمنح الرجل سلطة واسعة ويقبل ازدواج المعايير بين حياته الخاصة وما يفرضه على أسرته. ومن خلاله، يكشف محفوظ نظامًا اجتماعيًا يقوم على سلطة الأب، لكنه يحمل في داخله تناقضات تهدد استقراره.

في ظل هذه السلطة تعيش أمينة، التي لا تملك حرية الحركة التي يتمتع بها زوجها، ولا تستطيع مناقشة قراراته كما تشاء. ومع ذلك، تتولى جانبًا كبيرًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ تعرف أبناءها، وتتابع شؤونهم، وتسعى إلى الحفاظ على الروابط بينهم وبين أبيهم. إنها تدير الحياة داخل البيت، لكن ضمن حدود يرسمها رجل يحتفظ لنفسه بحق القرار.

تكمن أهمية أمينة في المسافة بين قدرتها على التأثير وعجزها عن تغيير الشروط التي تحكم حياتها. فهي ترعى أبناءها وتشارك في تشكيل عالمهم، لكن ذلك لا يمنحها حق اختيار حياتها. ولا يجعل صبرها القيود المفروضة عليها مقبولة؛ فالرواية تكشف قدرتها على رعاية الآخرين، وما يحول بينها وبين امتلاك قرارها في الوقت نفسه.

وحين تخرج أمينة من البيت لزيارة مسجد الحسين في غياب زوجها، تتعرض لحادث في طريق عودتها يُصاب فيه كتفها. لكن الحادث لا ينتهي عند حدود الإصابة؛ فعندما يعرف أحمد عبد الجواد بخروجها، يعاقبها بإعادتها إلى بيت أمها بعد شفائها. وتكشف هذه الواقعة مدى اتساع سلطته، حتى إن رغبة أمينة في زيارة مكان تتوق إليه تتحول إلى مخالفة تستوجب العقاب. وهكذا يصبح خروجها الاستثنائي لحظة كاشفة للحدود التي اعتادت العيش داخلها.

ولا تقف صورة المرأة في الرواية عند أمينة. فابنتاها خديجة وعائشة تواجهان بدورهما مجتمعًا يحدد جانبًا كبيرًا من مستقبلهما من خلال الزواج والمكانة العائلية، وإن اختلفت طباعهما وطريقة استجابتهما لما يحيط بهما. كما تظهر نساء أخريات، مثل مريم وأمها وزبيدة وجليلة، في عوالم تتخذ فيها العلاقات بين النساء والرجال أشكالًا مختلفة، وتكشف تفاوت المواقع والفرص التي يتيحها المجتمع.

لا يقدم محفوظ النساء في صورة واحدة؛ فلكل شخصية رغباتها وحساباتها وطريقتها في التعامل مع ظروفها. لكن اختلاف هذه الطرق لا يعني أن الحرية متاحة لهن بالقدر نفسه. فالمرأة التي تتحرك داخل الأسرة تواجه قيودًا تختلف عن تلك التي تواجهها المرأة خارجها، فيما تبقى علاقات النساء بالرجال مرتبطة بمعايير اجتماعية تحدد ما يُقبل منهن وما يُدان.

وتكتسب المشربية دلالتها من هذا التفاوت في حرية الحركة والنظر. تقف أمينة وبناتها خلفها يراقبن الطريق، في حين يستطيع الرجل الخروج إلى الشارع ومخالطة الناس. ومن خلف ثقوبها تتابع عائشة مرور ضابط شرطة شاب، ثم تفتح نافذتها قليلًا حين يقترب من البيت، في لقاء خاطف تختلط فيه الرغبة بالخوف. أما مريم، ابنة الجيران التي يحبها فهمي، فتمثل جانبًا آخر من هذه العلاقات؛ إذ تظل رغبته في الارتباط بها محكومة بحسابات الأسرة وسلطة الأب. وهكذا تتخذ الرغبة العاطفية صورًا مختلفة، لكنها تصطدم في كل مرة بحدود يرسمها المجتمع.

أما ياسين، فيكشف جانبًا آخر من أثر الأسرة في تكوين الأبناء. فهو يحمل بعض صفات أبيه، ولا سيما التناقض بين الصورة الاجتماعية والرغبات الخاصة. ومع أن حياته لا تتطابق مع حياة أحمد عبد الجواد في كل تفاصيلها، فإن التشابه بينهما يوضح كيف يمكن أن ينتقل السلوك من جيل إلى آخر، حتى حين لا يُعلن الأبناء اقتداءهم بآبائهم.

يفرض أحمد عبد الجواد على أبنائه نظامًا أخلاقيًا صارمًا، بينما تقدم حياته خارج البيت نموذجًا يناقض كثيرًا مما يطالبهم به. ومن هنا تتضح المفارقة بين ما يسمعه الأبناء من آبائهم وما يرونه في سلوكهم. فالتربية لا تتشكل من الأوامر وحدها، بل من المثال الذي يقدمه الكبار أيضًا. وقد يرفض الابن بعض ما ورثه عن أبيه، لكنه يظل متأثرًا بالبيئة التي نشأ فيها. لذلك لا يبدو الصراع بين الأجيال مواجهة بسيطة بين قديم وجديد، بل علاقة تتداخل فيها الرغبة في الاختلاف مع آثار الماضي.

ويجسد فهمي الصلة بين الحياة العائلية والتحولات السياسية بصورة واضحة. فهو شاب له علاقاته العائلية والعاطفية وأحلامه ومخاوفه، ثم ينخرط في العمل الوطني مع تصاعد الأحداث التي سبقت ثورة 1919. ولا يقدمه محفوظ بوصفه صوتًا سياسيًا منفصلًا عن حياته الخاصة؛ فقد عرفناه داخل البيت، وتابعنا علاقاته بأفراد أسرته، ولذلك يبدو اختياره طريق العمل الوطني امتدادًا لتكوينه الإنساني.

وحين يموت فهمي، تتجاوز الخسارة دوره في الأحداث الوطنية. فنحن لا نواجه خبرًا عن شاب استشهد في الثورة، بل نفقد شخصية عرفناها من خلال تفاصيل حياتها وعلاقاتها. وقد منحتنا الرواية وقتًا كافيًا لنعرف ما يعنيه لأسرته، ولذلك يأتي موته محملًا بأثر يتجاوز موقعه في الحكاية. إنه يدفع الأحداث إلى ذروتها، ويكشف الثمن الذي تدفعه الأسرة حين تدخل التحولات الوطنية حياتها.

ويضع مصير فهمي اختياره الفردي في مواجهة النظام الذي نشأ في ظله. فالابن الذي عاش تحت سلطة أبيه يخرج إلى المجال العام ليحدد موقفه بنفسه، ويتحمل عواقب اختياره. وهكذا يتجاوز الصراع حدود الخلاف العائلي، من دون أن تنقطع صلته به. فالبيت الذي عرفناه منذ البداية يظل حاضرًا في خلفية الحدث الوطني، حتى حين يفقد أحد أبنائه.

ويحمل عنوان "بين القصرين" جذوره في تاريخ القاهرة القديمة؛ فهو اسم المنطقة التي كانت تقوم بين القصرين الفاطميين، الشرقي الكبير والغربي الصغير، في قلب القاهرة التاريخية. وقد اندثر القصران، فيما بقي الاسم حاضرًا في المكان الذي جعل منه محفوظ عنوانًا لروايته.

وتتيح كلمة "بين" قراءة تتصل بحياة الشخصيات أيضًا. فهي تقف بين البيت والشارع، وبين سلطة الأب ورغبات الأبناء، وبين نظام اجتماعي موروث وتغيرات بدأت تظهر في حياة الناس. ولا يحتاج العنوان إلى تحميله دلالات رمزية متكلفة؛ فالمكان نفسه يضم عوالم متجاورة، تتفاوت فيها حرية الحركة والقدرة على الاختيار، وتتقاطع فيها الحياة الخاصة مع التحولات التي يشهدها المجتمع.

فالبيت والدكان والمقهى والشارع تؤدي وظائف مختلفة في الرواية. البيت يكشف طبيعة العلاقات العائلية، والدكان يربط أحمد عبد الجواد بحياته الاجتماعية، والمقهى يفتح مجالًا للقاء والأحاديث، أما الشارع فيتسع لظهور التحولات السياسية. وبهذه الأمكنة، يبني محفوظ عالمًا تتصل تفاصيله بعضها ببعض، وتتغير دلالات المكان بحسب من يشغله وما يستطيع فعله داخله.

وتتكامل هذه الصورة مع لغة الرواية. فالشخصيات لا تتشابه في طريقة كلامها؛ لكل منها تعبيراتها ونبرتها، وما تكشفه عباراتها عن موقعها الاجتماعي وطبيعة علاقتها بالآخرين. والحوار قريب من الحياة، لكنه يؤدي وظيفة تتجاوز نقل المعلومات، إذ يكشف أحيانًا ما تعجز الشخصية عن قوله صراحة، أو ما تحاول إخفاءه خلف كلماتها. ومن خلال اختلاف الأصوات، يمنح محفوظ شخصياته حضورًا مميزًا داخل عالم تتشابك فيه المصائر.

وتظهر قيمة اللغة الأصلية في الفروق الدقيقة بين السرد والحوار، وفي الدلالات الاجتماعية والثقافية التي تحملها الكلمات. ويمكن نقل المعنى العام إلى لغة أخرى، لكن الحفاظ على النبرات والإيحاءات يحتاج إلى عناية خاصة، حتى لا تفقد الشخصيات أصواتها أو تتشابه في طريقة التعبير.

تتجمع هذه العناصر في بناء روائي واحد؛ فازدواجية أحمد عبد الجواد، وموقع أمينة داخل الأسرة، واختلاف تجارب النساء، وما يحمله الأبناء من آثار آبائهم، وانخراط فهمي في العمل الوطني، تكشف جوانب متعددة من المجتمع نفسه. ولا يؤدي تعدد الشخصيات إلى تشتت الحكاية، لأن لكل مسار صلته بالآخر، ولأن الحياة العائلية تظل المجال الذي نرى من خلاله أثر التحولات العامة.

وعندما تبلغ الأحداث ذروتها، نرى أن الحياة اليومية كانت تحمل مقدمات التغيير. فالبيت الذي يبدو محكومًا بنظام ثابت يضم رغبات وصراعات لا يستطيع هذا النظام احتواءها إلى الأبد، والأبناء الذين نشأوا تحت سلطة الآباء يواجهون اختيارات تتجاوز ما رُسم لهم. وحين يصل التغيير إلى الشارع، تكون الرواية قد كشفت جذوره في العلاقات التي عرفناها منذ الصفحات الأولى.

تبدأ "بين القصرين" بحياة أسرة في القاهرة، وتتسع حتى تصبح هذه الحياة جزءًا من حدث وطني كبير. وبين البداية والنهاية، يكشف محفوظ كيف تتداخل مصائر الأفراد مع مصير المجتمع، وكيف تتراكم التحولات في حياة الناس قبل أن تظهر في الشوارع. ومن خلال هذا التداخل، يرسم صورة لعالم يقف على عتبة التغيير، حيث تتصدع القواعد القديمة تحت ضغط الرغبات والاختيارات، ويصبح المستقبل مفتوحًا على احتمالات لم تعد سلطة الماضي قادرة على حسمها.