ثقافة

حين فقدنا القدرة على الانتظار

7 مشاهدة قراءة 5 دقيقة

الكاتبة : سهى زيدان

لم نعد نعرف كيف ننتظر. نريد الإجابة حالًا، والنتيجة قبل اكتمال التجربة، والوصول من دون أن نمر بكل ما يتطلبه الطريق. اعتدنا أن نستدعي ما نريد بلمسة إصبع، وأن نحصل على الأخبار فور وقوعها، وأن نختصر المسافات إلى أقصر ما يمكن. ومع الوقت، تسللت هذه السرعة إلى علاقتنا بالحياة نفسها، فأصبحنا نريد منها أن تستجيب لرغباتنا بالإيقاع الذي اعتدناه من أجهزتنا.

لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة. ثمة أشياء لا تستجيب للاستعجال، ولا يمكن تسريعها من دون أن تفقد شيئًا من طبيعتها. للأفكار وقت تحتاج إليه كي تتضح، وللتجارب أثر لا يظهر بالضرورة لحظة وقوعها. وقد نمر بتجربة من دون أن نفهم معناها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها غيّرت فينا شيئًا لم نكن نراه. فبعض التحولات تجري في أعماقنا بصمت، ولا ننتبه إليها إلا حين ننظر إلى الوراء.

أصبحنا نميل إلى قياس الوقت بما يقدمه لنا من نتائج ظاهرة. فإذا انقضت أيام ولم ننجز ما خططنا له، شعرنا بأننا تأخرنا، وإذا طال الطريق شككنا في قدرتنا على الوصول. نريد دليلًا سريعًا على أن ما نفعله يستحق الجهد، كأن لكل محاولة نتيجة ينبغي أن تظهر في موعد محدد. وحين لا يحدث ذلك، يسهل علينا أن نعدّ الوقت ضائعًا، من دون أن نعرف ما الذي تبدّل فينا خلاله.

ولعل ما خسرناه هو قدرتنا على احتمال المسافة بين الرغبة وتحققها. لم نعد نطيق بقاء السؤال مفتوحًا، أو غموض مرحلة لم تتضح نهايتها، أو شعورًا بأننا لا نعرف إلى أين نمضي. نسارع إلى حسم ما يحتاج إلى تفكير، ونطلب من التجربة أن تكشف معناها قبل أن تكتمل. وكأننا نسينا أن عدم معرفتنا بما سيأتي جزء من الحياة، وأن اليقين لا يمكن استدعاؤه كلما أقلقنا الانتظار.

وقد يكون الانتظار أصعب حين لا نملك ما نفعله سوى أن نترك الأمور تأخذ مجراها. ففي زمن اعتدنا فيه الاستجابة الفورية، يبدو التريث شبيهًا بالعجز، حتى عندما لا يكون في وسعنا أن نغيّر شيئًا. نريد أن نتدخل، وأن نختصر، وأن نصل إلى نهاية واضحة. لكن بعض الأسئلة لا تُحلّ بكثرة المحاولات، وبعض المعاني لا تتكشف تحت الضغط؛ تحتاج إلى مسافة نرى منها ما عجزنا عن رؤيته ونحن في قلب التجربة.

ومع ذلك، ليس كل تأخير ضروريًا، ولا كل انتظار دليلًا على أن شيئًا ينضج في الخفاء. أحيانًا نؤجل لأننا نخشى القرار، أو نبقى في طريق انتهى بنا إلى مكان لا نريده. لذلك لا تكمن المسألة في تفضيل البطء على السرعة، بل في قدرتنا على التمييز بين وقت نحتاج إليه كي نفهم، ووقت نهدره لأننا لا نريد أن نواجه ما نعرفه.

المفارقة أننا، كلما امتلكنا وسائل أكثر لاختصار الوقت، ازداد شعورنا بأن الوقت لا يكفينا. ننجز وننتقل ونتلقى المعلومات، ثم نبدأ من جديد قبل أن نمنح ما عشناه فرصة كي يستقر في ذاكرتنا. تتتابع الأيام، لكن كثرة ما يحدث لا تعني أننا عشنا كل لحظة بعمقها. وقد نمضي في حياتنا منشغلين بما سيأتي، فلا ننتبه إلا متأخرين إلى أن ما كنا ننتظره كان يمر أمامنا أيضًا.

ربما لا تكمن خسارتنا في أننا أصبحنا أسرع، بل في أننا بدأنا نعامل الزمن كعائق ينبغي تجاوزه، بدلًا من أن نراه جزءًا من التجربة نفسها. فالوقت لا يقتصر على ما نملؤه بالإنجازات؛ إنه أيضًا ما نحتاج إليه كي نفهم، ونتغير، ونكتشف أن بعض ما أردناه لم يعد يعني لنا ما كان يعنيه من قبل.

لقد اعتدنا أن نسأل: متى نصل؟ وربما نسينا أن نسأل: ماذا يحدث لنا ونحن نمضي؟