الكاتب: المتوكل طه
الحلقة الأولى
***
أعتقد يقيناً؛ بأنّ النصّ، أيّ نصّ، عندما يتّصل بالسُلطة، فإنه يفقد ماهيّته وجدواه، لأنه يصبح ذا هوى، ويصير أداة مكشوفة ورخيصة، للتبرير أو التجميل. وعندها ينتفي عنه جلال الانتماء الحقيقي، وزهو الغاية النبيلة، المتمثلة بالنقد الواجب، والمساءلة الهادفة لتجاوز المهابط.
وتحرص السُلطة، أيّ سلطة، لأن يكون لها سياقها الثقافي والفكري والعَقَدي، الذي يقدّمها سائغة لجمهورها، ويبرّر سقطاتها وإخفاقاتها، وينافح عن سياساتها وامتيازاتها الظالمة، بحقّ شعبها..ما يجعل النصّ متآمرا وشريكا أصيلا في التمويه والقمع والتغريب والاستلاب والتعمية. وهنا لا يمكن توصيفه إلا بالرّخص والمجّانية المؤذية. ويعجبني إدوارد سعيد في قوله عن تأملات أدورنو: "إن من المناقبيّة الأخلاقية أن لا يشعر المرء بالراحة والانتماء في أيّ بيت". وبهذا المعنى فإن على الكاتب أن يعبر الحدود ويزيل العوائق في الفكر والتجربة. وعليه أن يظلّ متشككّاً، يقظاً على الدوام، لا يتملّق السُلطة، ويرفض الطمأنينة والانخراط.
أسوق هذه المقدمة؛ لأدخل، دون إكراهات، لقراءة ومراجعة حركة فتح، دون شخصنةٍ أو تعمّلٍ، آملا بعث حوار عميق جدّي، تتطلّبه اللحظة، حتى تعود فتح العظيمة، إلى روحها المتوثّبة، القادرة على الإجابة، أو طرح الأسئلة الصحيحة في الزمن الخطأ.
لقد قدّمت فتح، الشهداءَ والأسرى، وقامت ببطولات فذّة وعبقرية وعمليات فدائية جسورة، لأن عقيدتها ومبرّر وجودها، منذ تأسيسها، كانت موضوعة التحرير، لذا؛ حظيت بمصداقية جعلتها قادرة على الفعل والامتداد والتواصل والبقاء. لكن هذا لم يكن عقيدة النظام الذي أنشأ منظمة التحرير واستهدف السيطرة على إرادة الشعب الفلسطيني. لقد اكتشف الشعب الفلسطيني بعد حرب النكسة عام 1967، أن النظام العربي لم يمنعه فقط من تحرير أرضه المحتلة عام 1948، بل حال دون إمتلاكه قدرات المقاومة للمحافظة على ما تبقى من أرضه في الضفة الغربية وغزة والقدس. ولهذا ظلّت فتح مًستهدَفة منذ البدايات، فخاضت معارك للدفاع عن الثورة أكثر مما خاضت معارك ضد الإحتلال. وأعتقد أن قوى الاستعمار والصهيونية، وبالذات في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، عبر ذيولها، قد استطاعت - للأسف الشديد - دفعَ الظاهرةَ الفلسطينية والحالة التي مثّلتها الثورة، وعلى رأسها فتح، استطاعت أن توصلها إلى النقطة التي تريد، أي إلى طاولة التفاوض مجرّدة من كل عناصر القوة، وبغير شروط الثورة. كما استطاع الغرب وأذرعه الرجعية والمكرّسة لخدمته، محاصرة المشهدَ الفلسطيني في مربّع، يضيق تدريجياً، إلى حدّ أننا أصبحنا محاصرين، في عدد من السجون الكبيرة (المدن والبلدات والقرى والمخيمات). وتفتتت وحدة الشعب وتفتت المشروع الوطني، فأصبحت أولوية الشتات هي العودة، وأولوية الفلسطينين في أراضي 1948 المساواة بالحقوق ضمن دولة الاحتلال، بينما يُلحِف شعبنا في الأراضي المحتلة العام 1967 على الاستقلال وإقامة الدولة "المجزوءة"،عداك عن المشهد المخيف في غزة، والذي ينادي بالعمران وبقاء الناس في أرضهم، وسيطرة سلطات الاحتلال على الكثير من تفاصيل حياتنا، لا سيما في القدس.
وهذا لا يعني أنني أغضّ الطرف أو أنسى أن الشعب الفلسطيني قد قطع شوطاً مضنياً وطويلاً على طريق تأكيد ذاته واستعادة هويته والمحافظة على شخصيته الوطنية والثقافية، وجعل من منظمة التحرير وطناً سياسياً، رغم كل استطالات النفوذ العريي داخلها..هذا الجهد المتواصل، الذي لن يموت ولن يتوقف، ويبقى يصطدم مع نظرية متواصلة وداهمة، تحاول ردّه على أعقابه، والقضاء على ما حققه، والعودة به إلى نقطة الصفر. وهي نظرية مدفوعة بإرادة الإلغاء والشطب والنفي الصهيونية الغربية الرجعية، تواجهها إرادة التحدّي والبقاء الفلسطينية. وأعتقد أن هذا الصراع بين الإرادتين سيتواصل، إلى أن يبلغ شعبنا أهدافه ويتمّم أحلامه، وسيبقي الصراع صراعاً وجودياً وشمولياً.
وباختصار؛ فإن هناك ثلاثة أخطاء استراتيجية اقترفناها، وهي:
الأول: أننا انتزعنا تمثيلنا للشعب الفلسطيني بشرعية البندقية المقاوِمة، لكنّنا بالمقابل خسرناه، نسبياً.
الثاني: أنها أقدمنا على أكبر مغامرة سياسية يمكن لحركة تحرر وطني أن تُقدِم عليها، وهي قبولها التفاوض مع التخلّي عن أداتها الكفاحية.
الثالث: بعد الخروج من بيروت وافتقاد القاعدة الآمنة.. تحوّلت القيادة من خندق محاربة التطبيع إلى منصّة توظيف التطبيع.
وثمّة أخطاء أخرى منها، التقليل من أهمية المحافظة على الوحدة الوطنية، حتى صرنا خارج الزمن، في جزء من تواجدنا. والأخطاء المتعلّقة بقوانين مواجهة الاحتلال (اللّاتعايش مع الاحتلال). وقبول تحويل المؤقّت إلى دائم. وتضخيم الانجازات الرمزية واعتبارها انتصارات. وربط الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال، واستخدام نظام الاقتصاد الحرّ في مرحلة التحرّر، واستبدال مفهوم التحرر الوطني بالتنمية الوطنية.
ومع هذا، ولهذا كلّه؛ فإن القوّة المؤهّلة على الساحة الفلسطينية، والقادرة على مدّ نظرية التحدّي الفلسطينية بدافعيّة جديدة ودماء متدفّقة نقيّة، هي حركة فتح، ولكن بمفردات جديدة، وبإعادة تعريف مقاوِم للذات، تتخفّف فيه حركة فتح، من حمولة الاتفاقيات المقيدة لإرادتها الوطنية، ومن أولئك الذين ربطوا مصيرهم ومصالحهم بدولة الاحتلال، ما يحقق ولادة جديدة لفتح، بالإفادة من "الثورة"بمعناها وجوهرها النقي، لأن فتح هي العنوان الوطني الجامع الذي لم يحصر نفسه بفكرة أيديولوجية أو اجتماعية أو فئات بعينها، بل تقاطعت رؤيتها مع المصلحة الوطنية برمّتها، في الخلاص والتحرير. ولأن فتح للجميع، وتجسّد هويّتنا الوطنية. غير أن انزلاق فتح إلى السلطة، وانخراطها في ثناياها أحدث صدمةً، وبكل المقاييس، لأن السلطة أصبحت أكبر العوائق أمام مسيرة التحرير، فَمكوّنها ووظيفتها هي وظيفة مُعطِّلة للتحرير، سواء على مستوى المكوِّن الأمني أو المدني، لأن الأمني في خدمة الأمن الذي يريده الاحتلال، والمدني أعفى الاحتلال من كل مسؤولياته، وجعله أرخص احتلال في التاريخ، واحتلال بلا ثمن! حتى أن هذا الاصطلاح تستخدمه السلطة من رئيسها إلى رئيس قسمها..دون العمل وفق دلالاته.
وأصبح سؤال "ما البديل" و"ما العمل" سؤالاً مُستعصياً، لأنها حوّلت شعباً بأكمله من صاحب مصلحة في التحرير إلى صاحب مصلحة في التعايش مع الواقع الثقيل.
باختصار؛ لقد كانت السلطة زمن الرئيس عرفات ومع بداياتها، رغم كلّ القيود والملاحظات، تذهب في سياق مهمّة التحرير، لأنها كانت "عامل تأزيم"، وبحثت عن كل المخارج، وواجهت أزمات..حتى دفع الرجلُ حياتَه ثمناً لذلك. لكن السلطة،بعد سنوات، وبعيداً عن الأشخاص والاتّهامات، أصبحت "عامل تهدئة" ، ومنحت الاحتلال استقراراً من حيث الكيفية والزمن..لم يتوقّعه منذ إقامة دولته الغاصِبة.
إننا لا نميل إلى انتقاد الأشخاص وتحميلهم المسؤوليات،بغض النظر عن كل الملاحظات وسوء الأداء أو تميّزه، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير، لكن ذلك لا يعفينا ولا يعفيهم من مواجهة الواقع والحقيقة الصادمة، أن هذا المشروع قد فشل ووصل إلى نهايته. ولا يحقّ لأحد، كائناً مَن كان، أن يوهِم نفسَه أو غيره أنه يمتلك معجزة ستأتي بِحَلٍّ سحريّ من جعبة الحاوي، لأن هذا ببساطة هو بيعٌ للوَهمْ، ولم يعد شراء الوقت ممكناً أو مفيداً، لأن المسافة بين أهدافنا، التي نسعى لتحقيقها، بالحرية والاستقلال والدولة والعودة والقدس، قد ضاقت إلى حدّ مفجع، ولا يمكن مدّها زمنياً أو موضوعياً. وإذا ما استمرّت القيادة في نهجها الحالي..عندها، لا مناص من أن نقول إنهم سيتحمّلون المسؤولية عن المصير المظلم الذي دُفِع إليه شعبنا، وسنتحمل معهم مسؤولية الصمت، إنْ رضينا بذلك.
الحلقة الثانية
***
أما المثقفون والكُتّاب السياسيون والمفكّرون، في حركة فتح، فإنهم لم يشكّلوا حالة فكرية قادرة على مواجهة تخريب الوعي الجَمْعي المُمنهج الذي يستخدمه الاحتلال وأدواته، ولم يطوّروا أو يشكّلوا تياراً فكرياً ذا ثقل، يؤسّس لمناعة وطنية مطلوبة، تجعل التساوق مع حالة التعايش مع المحتلّ عملاً مرفوضاً، صعباً بل مستحيلاً
إن المطلوب هو أن يُراكم المثقفون لَبِنات الوعي، ليحلّ وعي الفكرة المقاوِمة عميقاً في المدارك، ليؤصِّلها،ويغلب ماكينةَ تخريب الوعي الداهمة، التي تأخذها في سيولها إلى الهاوية. والثورة عامةً، تجعل بناء الوعي الجَمْعي أحدَ أهمّ أهدافها، لأن أداة التحرير الأولى هي الشعب الواعي والمدرك، وهذا ما يفسّر الهجوم على التربية والتعليم، وعلى الثقافة بشقّيْها النخبوي ومعناها الاجتماعي، وإلا ستذهب الثورة إلى اجترار السائد والمعتم والمتخلّف، وإلى استبدال قيم الانتماء للوطن لترفع من شأن قيم الإنتماء للقبيلة لتحل مكان الثقافة الوطنية وثقافة الثورة..فالانتماء للقبيلة لا يحتاج إلى الوعي الحرّ، بل إلى الطاعة العمياء وإلى العصبوية الضيقة، ولم يكن ذلك عفوياً كما لا يستهدف حماية الثورة أو فتح كقبيلة بمفهوم الجماعة، بل من أجل أن تختبئ جماعة بعينها تستولي على إرادة فتح..خلف فتح القبيلة، وكلما استيقظ الشعب على استلاب إرادته، تستدعي تلك الجماعة قيم القبيلة لتختبئ خلفها، فَتراهم يختبئون خلف فتح كلما اهتزت مواقعهم..ويدَّعون أن التهديد الذي يواجههم هو تهديد لفتح، والحقيقة أنهم هُم التهديد الأخطر على فتح. لهذا؛ نشارك الدّاعين للمؤتمر الثامن للإجابة على غير سؤال، وأهمها،الإعتراف بفشل مشروع التسوية الذي حملته على أكتافها، وتتحمّل المسؤولية التاريخية لإنزاله عن أكتاف الشعب الفلسطيني.
إن مهمة المؤتمر هي البحث عن استراتيجية جديدة ترتكز إلى الكينونة التي حملت مشروعنا، وامتلكت أدوات التحرير، وضمّت أطياف الشعب وقواه وفصائله، التي هي منظمة التحرير الفلسطينية، التي يبقى عليها أن تنجز الوحدة الوطنية.
فتح بين مفهوم التحرير ومفهوم التسوية:
ولأسباب ثقيلة، سارت حركة فتح بقدميها وقطعت المسافةَ ما بين "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف" إلى ما سُمّي "سلام الشجعان والتطبيع مع المحتلّ والاعتراف به وبما احتلّه، وهو أربعة أخماس مساحة فلسطين" دون ثمن ملموس! إن هذا الإنجرار بلا يقين ودون الاحتفاظ بأدوات النضال والثورة، وتقديم مهمة على أخرى، وتبديل فكرة التحرير، بفكرة الدولة، ضيع الفكرتين معاً (التحرير والدولة). أي لم نحقق أيّ شيء ملموس، عدا عن أننا وقعنا تحت سنابك الإبادة والتطهير العِرقي والهضم الاستيطاني.
فَ"الثورة"، أصلاً، وجِدَت لتؤسّس فضاءً جديداً مُغايراً وتبحث عن قَدَر تخلقه لنفسها..لا أن تتعاطى مع "الموجود أو المفروض"أو تتماهى مع الرَّسْم البياني لقرارات القمم العربية المتهافتة واللاهثة نحو قاتلها..
وهذا لا يعني أنني أغضّ الطرف عمّا يفرضه الواقع من إزاحات، وما تحدثه التحوّلات الدولية والإقليمية من إكراهات وانعطافات، وما تفرزه الذات من عوامل تراجع وخيبات. لكنني أرى أننا تعجّلنا التاريخ، وحرقنا مراحل، ورُحنا إلى قَدرٍ رسمه لنا الآخرون – الأعداء - فذهبنا إليه واستمرأناه لأسباب شخصية، واستسهلنا الأمر، أو اعتقدنا، بشُبهةٍ أو سذاجة، عكس ما هو قائم وحقيقي وكائن.
وحتى لا يكون ما تمّ تحقيقه بديلاً لما نريد "السلطة بديل التحرير"،
تحوّلت التسوية السياسية إلى فخّ خطير، بات يهدّد كل ما أنجزته الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني طيلة مسيرة النضال، قدّم شعبنا خيرةَ أبنائه شهداء وجرحى وأسرى.وأخطر ما في الواقع هو غياب إرادة حقيقية للتغيير، واستمراء مكوّنات الحُكم والنفوذ في حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، للبقاء في الحكم على حساب التحرير.
لماذا فتح؟
إن حركة فتح ضرورة وطنية، وإصلاح حركة فتح واستنهاضها على أسس وطنية، ضرورة ومدخل لاستنهاض المشروع الوطني، مشروع الكلّ الفلسطيني..فمسؤوليتها أكبر من مسؤولية الآخرين، والرهان عليها أكبر وأهم من رهان الشعب على الآخرين من أحزاب وحركات فلسطينية أو على أصحاب المحاور والمشاريع العربية والإقليمية.
ونعترف؛ بأن ثمة أخطاء قد وقعت، وأن تجاوزات قد حدثت، وأن خروجا جارحاً واضحاً قد تمّ على مبادئ فتح واستراتيجياتها التي كانت تتغيّاها.. لهذا لا بدّ من المكاشفة والمصارحة، على قاعدة النقد الذاتي المسؤول والحريص المنتمي. وقد اعترف العشرات من كوادر الحركة بأن المسيرة الفتحاوية لم تكن بلا أخطاء. فـ «فتح» حركة تحرر قائمة ومؤسَّسَة على فكرة المواجهة مع الاحتلال،وفي اللحظة التي تنتهي المواجهة يزول سبب وجود الحركة -عملياً-.
وأعتقد أن أكبر أخطاء الحركة تمثّل في التنازل عن حقوق غير قابلة للتصرّف (78بالمئة من أرض فلسطين) والهبوط بالثوابت (دولة في الضفة والقطاع)، وعدم اعتماد مبدأ المأسسة، والسماح باستشراء الفساد بكل صوره، والاعتراف بالقاتل قبل نيل الحقوق. أما ما تبقى فهي أخطاء، تبدأ ولن تنتهي..لكن أبرزها، الآن، يتمثّل في: عدم تحرير فتح من قيود السلطة، لأن حركة فتح ليست نتاجاً للتسوية ولا يجوز إخضاعها لاستحقاقاتها، وخصوصاً بعد أن خرجت تسوية أوسلو عن مسارها وأهدافها الأولى.
كما انعكس غياب الرؤية السياسية والفكرية عند القيادة العليا سلباً على القاعدة،حيث تتخبط القاعدةُ الفتحاوية سياسياً وفكرياً، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها في مواجهة خصوم «فتح» لأنها لا تعرف ما يجري،وبالتالي يعتمد كل فتحاوي على اجتهاده الخاص.
من الضروري التفكير بهامش من الاستقلالية بين حركة فتح من جانب، والسلطة واستحقاقاتها والتزاماتها من ناحية المواقف والرؤية السياسية من جانب آخر، لأن إخضاع حركة فتح للسلطة والتزاماتها يُخرج حركة فتح من كينونتها، ويتعارض مع مبادئها. التداخل بين السلطة وحركة «فتح» وهيمنة الأولى على الثانية يشكّلان سبباً مهماً في إعاقة استنهاض حركة فتح وفي ضبابية الرؤية عند أبناء الحركة وفي فقدان الحركة مصداقيتها عند الجماهير العربية والإسلامية. ولأن الصراع على السلطة يدمّر حركة فتح.
وعلى الرغم من وجود خلافات داخل حركة فتح، فإنها ما زالت الفصيل الأكبر والأكثر تماسكاً. وكل ذلك لا يمنح شرعية دائمة وثابتة لحركة فتح، ولا يعطيها الأسبقية دائماً على غيرها من القوى والحركات السياسية. «فتح» تحتاج - بالإضافة إلى ما سبق كي تستحق وتتصدّر المشهد السياسي النضالي والتعبير عن نبض الشعب وتطلعاته والاستمرار في قيادة المشروع الوطني - إلى ثورة داخل الثورة، إلى النهوض من جديد وإعادة تفكيك وتركيب، وإعادة الاعتبار إلى دورها كحركة تحرر وطني، تنسلّ من القيود التي تكبّلها، ومن وَهْم التسوية مع المحتلّ، لتتقدم خَطَّ المقاومة والثورة، ضد الاحتلال، على طريق الحرية والاستقلال.
الحلقة الثالثة
***
ويؤكد كثيرٌ من المثقفين والمفكّرين، في الحركة الوطنية الفلسطينية، على أنّ أيّ مجموعة سياسية، تعمل تحت الشرط الاستعماري، وتكون مُحاطة بقوة الاحتلال، وتحت مجْهرِه وضرباته، هي مجموعة غير قادرة على إحداث فرق نوعي. بل يذهب بعض السياسيين للقول؛ إن حركات التحرر في زمن الهزيمة مضطرة إلى الإنزلاق، ولا تستطيع التوقف إلاّ في قاع الهاوية. لهذا نجد أنفسنا مضطرين لمجابهة هذه المقولات، ليس من باب المناكفة، ولكن من باب التحديق في المرآة والمناقشة، وسبر غور هذه اللحظة التاريخية، التي تصطخب فيها غير قوة ورأي ووجهة نظر، وتشهد دعوات حاسمة، تنادي بضرورة أن تستعيد حركة "فتح" دورها، ولتجد لها ولنا الكوابح الكافية، لإيقاف تلك الهرولة وذلك الإنزلاق الذي يومض بتسارعه نحو الحضيض.
ولعلنا، في قسوتنا لتوصيف حال حركة فتح، إنما هي بدافع الحماية والغيرة والحبّ والانتماء، وبهدف إثارة نقاش واجب الوجود وعصف ذهنيّ، بكامل العافية والاستعداد.
عندما وقّعت قيادة فتح على أوسلو 1993،دخلت إلى مجازفة تاريخية، تتطلّب الكثير من العزم والحكمة وحسن الأداء والتماسك الداخلي والحفاظ على الذات؛ هوية وفكرة وبنية، والقدرة على مواجهة الضغوطات، في واقع لم تتعوّد قيادة الحركة العمل داخله، لتحقيق عبورٍ آمن لهذه المجازفة، فإن لم تحقق الأهداف المرجوّة، كان على الحركة أن تضمن الحفاظ على بنيتها وهويتها كحركة تحرر وطني. وأعتقد أن الحركة لم تدقّق تماماً في ماهيّة القيود والاشتراطات التي يمكن أن تكبّلها أو تؤثر على بنيتها وطبيعتها وهويتها، وبدا أن قيادتها كانت مشغولة بمسألة الحُكم أكثر من انشغالها بفكّ طلاسم الاتفاق ومحتوياته الغامضة. وقد لا أجافي الحقيقة إن قلت إن حركة فتح قد هشّمت نظامها الأساسي لحظة توقيع الاتفاق من قبل أعلى مستويات القيادة في المنظمة، ولم تُبقِ لنفسها هامشا لخطة بديلة، أو أي طوق للنجاة، بل قفزت بكلّها وكليلها إلى وحل الاتفاق، وأنجرت بوعي أو دون ذلك إلى التأسيس لفكرٍ جديد، تجاوزت به نفسها وبرنامجها، وناقضت ذاتها، وخذلت مبادئها، وتورّطت في السلطة، ولم تجد المسافة بين السلطة وبينها، حين اعتقد بعض من قيادتها أن السلام استراتيجية بديلة لإستراتيجة الحرب "الثورة"، بينما في الواقع النظري، الفلسفي والفكري والعسكري والسياسي، فإن استراتيجية السلام هي جزء من استراتيجية الحرب وليست بديلا لها، ومن يفصل بينهما يسقط في إدارة الحرب كما في إدارة السلام، وهذا ما كان. وكان أحرى بفتح أن تضع بديلاً إذا انهار السلام - وقد انهار - وأضعفت م.ت.ف.من أجل السلطة، وغابت عن التأثير في م.ت.ف. وهجرت عوامل التواصل مع العروبة والجماهير وعُمْقها الإسلامي والثوري، وخلقت طبقة مستفيدة، وأضعفت الكوادر وفتّتتهم، وأفسدت بعض الذمم، ولم تخلق ثقافة فتحاوية، واستبدلتها بثقافة التسويات. واعتمدت على المساعدات الخارجية واستحقاقاتها، ولم تعتمد على موارد داخلية أو بعيدة عن الشروط. ولم تحقق مكتسبات أو إنجاز لافت، سوى منجزات بسيطة إعلامية أو رمزية. بل وتكاد تشطب هذه الانجازات بتخلّفها عن خطّ المواجهة مع الاحتلال، وهذا ما يفسّر ابتعاد الجماهير، إلى حدّ كبير، عنها.
ثم أنها قدّمت نموذجاً سيّئاً للقيادة واستبداد السلطة واستغلالها، ما خلق رؤوساً ومراكز قوى وتيارات. وعلى مدار أكثر من ثلاثين سنة من السلطة، فقد سيطر الارتباك والتردّد والضبابية في إدارة فتح تنظيمياً وجماهيرياً وسياسياً، لأن فتح -عملياً- وضعت كلّ بيضها في سلّة العملية السلمية التسووية، والتي لم يلمس المواطن منها سوى الموت والاستيطان والإبادة والحواجز والفقر والحصار. كما أن فتح غرقت في التيارات والاستقطابات العربية، ولم تستطع أن تحيّد نفسها تماماً، أو تجد مسافة متساوية بين المتناكفين العرب. لهذا فقد فَقَدت فتح، كثيراً، من الشرعيتين اللتين كانتا تمدّانها بالحيوية والحضور والنفاذ، وهما الشرعية الانتخابية والشرعية الثورية. والآن، فإن من أخطائها القاتلة، أنها قد تستقوي بقوى مختلفة لتثبيت أو انتزاع الشرعيتين أو إحداهما، وهاتان الشرعيتان لا يمكن الحصول عليهما أو إنجازهما إلاّ عبر الجماهير وبها.
وإن اندفاع حركة فتح، وعلى الأصحّ قيادتها المُتنفّذة، ومكابدتها نحو البقاء والسيطرة، يدفعها نحو خيارات خطيرة جداً، تتمثّل في وضع نفسها في خدمة المخططات الإقليمية والدولية، بحيث تتحوّل فتح من حركة ثورية إلى نُخبة سياسية أمنية، تنفّذ برنامجاً يصبّ في خدمة الرؤية الكبرى للقوى المتحكّمة ومصالحها المختلفة، لترتيب المنطقة واستلاب ثرواتها، ورسم سياسات بعيدة المدى. وعملت على نشر المقولات والدعوات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجديدة، التي تفارق روح فتح وحمولتها ونظامها الأساسي، والذي سعى البعض، إلى تحويله من نظام سياسي جامع وأصيل، إلى نظام داخلي منزوع الأهداف والمبادئ والأساليب، التي تربّت عليها الأجيال. وإذا أضفنا إلى ذلك كله هيكليات فتح التي عفا عليها الزمن، وتجاوزتها الأحداث، ولم تعد تستطيع إلا الحفاظ على مصالحها الصغيرة، وكذلك بروز التيارات المختلفة والمرتبطة بأجندات متعارضة، صغيرة وكبيرة، ومكشوفة وغير مرئية، فإنّ ذلك يؤدي، مع المال السياسي، إلى أن تصطدم فتح ومشروعها، إذا بقي منه شيء، في حائط من الفولاذ.
وكل ذلك على خلفية عدم الإنجاز السياسي والإخفاق الإداري،والتخشّب الفكري أو غياب الرؤية،وانعدام الكريزما الشخصية..فإن كل ما نشهده من تراجع للصورة الفلسطينية والنموذج الفلسطيني، ورغبة البعض في أن يغسل يديه من قضيتنا، هو نتيجة لما وصلت إليه رائدة الكفاح والمقاومة فتح، التي استمدت شرعيتها وتأثيرها الغلاّب من مشروعها الكفاحي، الذي استعجلت وتعجّلت التاريخ، من أجل اتفاق غامض رسم مستقبلاً غامضاً، ندفع كلُّنا ثمن ضعفنا فيه، وهزيمتنا المدويّة.
وتدرك فتح أنها أمام حقائق صادمة، أوّلها؛ أن حلّ الدولتين قد ذهب مع الاستيطان، وأن حلّ الدولة الواحدة سيقود إلى نظام أبرتهايد مخيف، نرى إرهاصات حرائقه في كل أرضنا المحتلة، وأننا ذاهبون إلى حصار، سيفرضه المستوطنون وينكّلون بنا وبأشجارنا وبيوتنا ودروبنا، فما هو السيناريو الذي وضعته فتح لمواجهة هذا الرعب القادم؟ والحقيقة الثانية؛ أن الفصائل الفلسطينية قد انفرط بعضها أو انكمش أو فَقَدَ تأثيره المعهود، أو يسعى إلى خيارات، إنْ تمّت، ستقضي على مشروعنا الوطني! فماذا أعدّت فتح لإنهاض الفصائل والحيلولة دون التشظّي وتخريب الوحدة الوطنية، عبر انتخابات واجبة للمجلس الوطني والتشريعي والرئاسي. والحقيقة الثالثة؛ أن القوى الكبرى لن تهبّ لتقديم "الدولة" لنا على طبق نظيف، لأسباب معلومة، وأن عمقنا العربي يشهد درساً في الخراب والطحْن والعدمية، وأنه منشغل بنزيفه المهول أو بتطبيعه المجّانيّ الخائف مع الاحتلال. عدا عن حقائق "داخلية" تشير إلى أزمات اقتصادية واجتماعية ووطنية وسياسية شديدة الصعوبة والتعقيد، من وضع قطاع غزة الرجراج، والخوف من التهجير، وانعدام فرصة حلّ الدولتين، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية والهشاشة والتسطّح الفكري..إلى تعدد الخطابات. فأين فتح من كل هذا؟ وهل تمتلك إجابات شاملة وعلمية وواقعية
الحلقة الرابعة
***
وإذا كانت فتح قد لعبت دوراً في غاية الأهمية، في تشكيل مجتمعها، من أجل فكرة التعامل مع مخرجات الشرعية الدولية، وقبول تقسيم الوطن التاريخي، على ما فيه من ألَم، بسبب سقوط التاريخ على كاهل فتح، فإن المجتمع الإسرائيلي، في المقابل، ومنذ أوسلو، حتى الآن، وبالذات اليمين الإسرائيلي المتطرّف والمتوحّش والتلمودي، قد ذهب بعيداً في دمنا، وفي التنكّر للحق الفلسطيني والوجود الفلسطيني، بل أكثر من ذلك، فإن التيار الصهيوني العريض وهوامشه اليمينية، قد أذاب الهوامش اليسارية منه، بحيث تحوّلت النُخَب الإسرائيلية الحاكمة والمثقّفة إلى داعية للاستيطان والطرد والقتل وتكريس الاحتلال. وفي هذا كشف حقيقي لرؤية كل طرف على المستوى الاجتماعي والثقافي لاتفاق أوسلو. ويمكن القول أكثر من ذلك؛ إن أوسلو غيّر المجتمع الفلسطيني إلى القبولية، في حين حوّل المجتمع الإسرائيلي إلى كامل الرفض! وهذا يدفعنا للقول؛ إن المجتمع الإسرائيلي لا يمكن له أن يصنع سلاماً مع الآخرين، فضلاً عن نفسه.
وقد وَقَع العالم الغربي في خطيئة أخرى من خطاياه، وهي أنه ساعد ودعم وحاول نشر فكرة القبول للإسرائيلي داخل المجتمع الفلسطيني، عن طريق مراكز البحث والدعم المالي والدورات وخلق النُخب وتشجيع المبادرات وربط المساعدات بهذه الثقافة الجديدة، في حين أن هذا المجتمع الغربي لم يطلب من الإسرائيليين الشيء ذاته، الأمر الذي تحوّل فيه الإسرائيليون إلى متطرّفين أكثر فأكثر..بحيث شهدنا، منذ أوسلو حتى اللحظة، تفريخاً متصاعداً لأحزاب اليمين المتطرّف الاستيطاني والمتوحّش والحاخامي. كما أن بعضنا اعتقد بأننا إذا قمنا بواجبنا "الأمني" وطبّقنا ما هو مطلوب منّا..فإن العالَم سيعطينا حقوقنا! لكن النتيجة هي أن الاحتلال والغرب طالبنا بأن نقوم بواجباتنا، ولم يُطالب إسرائيل بواجباتها! بل إن إسرائيل نفسها "انتقت" ما يناسبها من الاتفاقيات (الأمن) وأدارت ظهرها لباقي القضايا! والأدهى أن إسرائيل والغرب ما فتئ يطالبنا ب"الهدوء" وبالمزيد من التنازلات والإصلاح! والوصول إلى حلول وسط - بعد أن قضى على غزة، وقسّمها وحاصرها جوعا، وبعد أن اعترفنا وأعطينا إسرائيل أربعة أخماس وطننا التاريخي.
وحركة فتح التي وَقَعت في إشكالية "منُجَز السُلطة" و"مُنجَز التحرّر الوطني" دفعها إلى سياسات مواربة وغير واضحة ومرتبكة، وهي سياسة دفعت ثمنها غالياً! فهي لم تحافظ على السلطة من جهة، باعتبار أن "السلطة" خيار دولي أكثر منه إنجازاً وطنياً أصيلاً. وفَقَدت فتح، في الوقت ذاته، الكثير من علاقتها بالجمهور الذي اختبرها، في لحظة تاريخية مصيرية، فلم تكن كما توقّع!!إنه مصير درامي مُفجع.
إن انعقاد المؤتمر السادس والسابع بالكيفيّة المعوَّمَة بالارتجال والشعبوية، وغياب المراجعات والمكاشفة الحقيقية والشفافة..علاوة على تراجع الدور الحقيقي والفاعل لمربّعات فتح من مركزية ومجلس ثوري واستشاري..أدّى إلى مزيد من التراخي والانفكاك وإدارة الظهر للحركة، وإلى التسطّح وعدم الثقة في القرارات التي لا تجد لها أرضاً للتنفيذ، إضافة إلى أن كل ذلك مرتبط ومرهون، إلى حدّ كبير، بمكان انعقاد المؤتمر، فالجغرافيا لها ضريبة، نراها في السقوف والمداخلات والأعضاء والتوجّه ومراكز القوى وجماعة الضغط ومركز صنُع القرار.
ويعتبر تعزيز المكوّنات التنظيمية والعسكرية والجماهيرية ومدى قوّة تمثيلها في المؤتمر، المدخل الأول لفهم توجهات الحركة السياسية والنضالية، ومدى تمسّك الحركة بكونها حركة تحرر وطني، سواء على مستوى البُنية أو البرنامج السياسي.فَهل ستكون اجتماعات فتح القادمة، صراخاً أم زفّة نفاق وتصفيق للقيادة، أم نقاشاً هادئاً، يصل فيه المجتمعون إلى قرارات جامعة، بعيداً عن رَفْع الأيدي وخَطْف المواقف، تحت دعاوي الحفاظ على فتح أو درْءاً لمخاطر تتهدّدها؟
إن الفتحاويين مدعوّون لإعادة صقل وحماية المفاهيم الأساسية، التي ميّزت حركة فتح، وجعلتها رائدة جاذبة ونافذة وعظيمة، ونعني بذلك مفاهيم التعددية والحريّة والاستقلالية، جنباً إلى جنب العطاء غير المحدود والتضحية البليغة، في جميع مراحل ومواقع النضال الفلسطيني.
وإن مظاهر الاصطفاف والاستقطابات المُمضّة، ستدفع فتح نحو تقسيم "الكعكة" بين الأمراء والمتنفّذين، بدل تغليب الأجندة الأساسية التي ينتظرها الناس، وبدل تمتين فتح، لتصبح أكثر قدرة على المجابهة والثبات، والانطلاق من جديد.
وأشير إلى أن فتح التي نهضت على منجزات وبطولات فذّة وعبقرية، وعلى دماء رموزها التاريخيين ومعاناتهم في الخنادق والمعتقلات، وأن فتح التي تمتلك سرّاً أسطورياً يستطيع أن يجمع كل غبارها المتناثر ليصبح سبيكة صلبة وقت الشدائد، وأن فتح التي تفسّخت، كما يبدو، هذه الأيام، هي فتح التي تتلمّس طريق العودة إلى روحها الأولى الساطعة والجامعة، وتستطيع فتح أن تنجح بامتياز بشرطين لا ثالث لهما، الأول: أن تبقى بوصلتها متجهة نحو القدس، حتى ترفع العلم على سارية الأسوار والقباب، والثاني أن تشيع العدل والميزان في فضائها.
ولعلي أتناول هذا الموضوع لإثارة غير قضية، تنعش الحوار حول المسكوت عنه داخل فتح، وحتى نفتح الأبواب على مصاريعها، ليخرج الهواء الفاسد، وتدخل شمس القدرة على قول كل شيء، دون مواربة أو نقصان، وأول تلك القضايا أن قيادة فتح الحالية، هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل التصدّعات والغياب والتكلّس والتبديد الذي أصاب الحركة، ولهذا لا يجوز أن لا تسمع هذه القيادة رأينا، بعيداً عن الترهيب والترغيب. مع أهمية تمكين الشباب والمرأة والدم الجديد والديمقراطية الحقيقية.. من الوصول والتعبير عن الذات والنفاذ.
إن فتح تحتاج، في داخلها، إلى ما يُسمّى بالكتلة التاريخية، بالمفهوم الغرامشي، حتى تكون هذه الكتلة الخليةَ الصحيّة، القادرة على جذب الخلايا الحيّة، والتي تستطيع أن تحتلّ المساحات البور واليباب في جسد الحركة المُرهق.. على أن تكون ثقافة هذه الكتلة ثقافةَ المقاومة التي تتسع لكل معاني المقاومة، غير المختَزلة في شكل واحد، يتناقض مع جدلية المقاومة والنضال.
وإن حالة الغيبوبة التي أصابت معظم أعضاء قيادات الحركة، أفقياً وعمودياً، وتماهيهم مع حالة الصراع والمناكفة الدائرة على غير مستوى، المتقلّبة كل ساعة، هو الجريرة التي لا ينبغي تكرارها، لأن فتح بحاجة إلى قيادة يتمتّع أفرادها بقدرة على التفكير والإخلاص ونقاء اليد والتواصل والرؤية وإتقان اللغة العربية (صاحبة المروءة)، وغير المجروحة بعلاقة مبهمة أو ملوّثة بارتباطات أو إمكانيات ممجوجة ناتئة! أما إذا لم تتوفّر المساحة النقدية لمحاسبة المسؤولين عن كلّ هذا الإخفاق والضياع، فإن هذا يعني إعطاء الشرعية والمباركة لهم على كل ما اقترفوه بحق حركة فتح، وخطفها، وتوظيفها لمصالحهم الشخصية. كما يعني أن كادر فتح عاجز عن تأصيل مبدأ الثواب والعقاب، وأنه كادر مُستلب سهل الانقياد، يجعجع ولا يطحن، وأنه كباقي الدهماء والظواهر الصوتية الفاقعة المهزومة. أو أنّ الذين استفادوا من الحركة بوضعهم في هذا الموقع أو ذاك، هم الذين قد تحكّموا في كلّ شيء داخل الحركة، ولن يعود مكان للضمائر التي تصرخ بحسرة، من جرّاء هذا العنت والعبودية والخسران.
وقد لا أبالغ إذا قلت إن حالة البؤس التي تعيشها حالتنا الوطنية، ناتجة عن بؤس حركة فتح. وإنّ كلامي هذا لا يغفل الاستراتيجيات الاحتلالية القوية والمتواصلة، ودروها في تخريب ومحاصرة وتهديم الذات الحركية والفلسطينية، ولكن أسأل: أين دورنا في الردّ على غوائل الاحتلال، وخلق الفعل المتناغم والمناسب، والقادر على إبقاء حركتنا حاضرة ومتماسكة، وتمتلك عوامل الصدّ والثبات والإنهاض، وإشاعة الخَلْق والوحدة والطهارة والإيثار؟



