الكاتب : المحامي طاهر مرايطة
شكّل الاعتراف الإسرائيلي بصومال لاند تطورًا لافتًا في مشهد العلاقات الدولية في منطقة القرن الإفريقي لما يحمله من أبعاد جيوسياسية تتجاوز الإطار الثنائي لتطال توازنات إقليمية وقواعد راسخة في القانون الدولي, وتأتي هذه الخطوة في سياق تنافس دولي متصاعد على النفوذ في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، الأمر الذي يفرض قراءة معمقة لدوافع هذا الاعتراف وانعكاساته السياسية والقانونية على الصومال والمنطقة المحيطة بها.
تتمتع صومال لاند بموقع جغرافي بالغ الحساسية إذ تطل على خليج عدن وتقترب من مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة, هذا الموقع جعل الإقليم محل اهتمام متزايد من قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تأمين خطوط الملاحة البحرية وتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي, ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاعتراف الإسرائيلي بصومال لاند بوصفه خطوة تهدف إلى ترسيخ موطئ قدم استراتيجي لإسرائيل في منطقة تشهد تنافسًا حادًا على النفوذ.
سياسيًا يندرج هذا الاعتراف ضمن استراتيجية إسرائيل الرامية إلى توسيع شبكة علاقاتها خارج الإطار التقليدي وبناء تحالفات مع كيانات تسعى إلى الاعتراف الدولي مقابل مكاسب أمنية واقتصادية, كما يعكس هذا التحرك رغبة إسرائيل في موازنة نفوذ قوى إقليمية أخرى فاعلة في القرن الإفريقي, مستفيدة من حالة الهشاشة السياسية التي تعانيها بعض دول المنطقة وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف أداة سياسية تخدم حسابات القوة والمصالح أكثر مما تعكس التزامًا صارمًا بمبادئ الشرعية الدولية.
من الناحية القانونية يثير الاعتراف الإسرائيلي بصومال لاند إشكاليات جدية تتعلق بمبدأ وحدة الدولة وسيادتها وهو من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر, فصومال لاند رغم ما تتمتع به من مؤسسات محلية واستقرار نسبي لا تزال تُعد وفق قرارات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي جزءًا لا يتجزأ من جمهورية الصومال, وبالتالي فإن الاعتراف بإقليم انفصالي من طرف واحد يُنظر إليه على أنه تجاوز لإرادة المجتمع الدولي ومساس بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
إقليميًا قد تترتب على هذا الاعتراف تداعيات معقدة, أبرزها تعميق حالة عدم الاستقرار في الصومال وتشجيع نزعات انفصالية محتملة في دول إفريقية أخرى تعاني من انقسامات داخلية. كما أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى توتر في العلاقات بين إسرائيل من جهة ودول إفريقية وعربية داعمة لوحدة الصومال من جهة أخرى, فضلًا عن إثارة مخاوف الاتحاد الإفريقي من خلق سابقة تهدد استقرار القارة.
في المحصلة يعكس الاعتراف الإسرائيلي بصومال لاند تغليب منطق المصالح الجيوسياسية على الاعتبارات القانونية ويؤكد أن منطقة القرن الإفريقي باتت ساحة مفتوحة لتقاطع الاستراتيجيات الدولية, وبينما تسعى إسرائيل إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، يبقى هذا الاعتراف محل جدل واسع من حيث شرعيته القانونية وآثاره السياسية، ما يجعل مستقبله مرهونًا بتوازنات إقليمية ودولية لم تستقر بعد.



