تل ابيب-ترجمة -واثق نيوز-عشية يوم الذكرى ل"قتلى إسرائيل"، في تمام الساعة 12:30 ظهرًا، نُشر إعلان عاجل على شبكات التواصل الاجتماعي يدعو الجماهير إلى الانضمام لمظاهرة طارئة تحت شعار: "لن نسمح لمؤيدي الإرهاب بدخول رعنانا!".
دعا الإعلان إلى التجمّع مساء ذلك اليوم أمام كنيس المدينة، حيث كانت مقرّرة إقامة مراسم مشتركة لإحياء ذكرى الضحايا الفلسطينيين واليهود، بتنظيم منتدى العائلات الثكلى الإسرائيلي–الفلسطيني المشترك. لكن مصمّمي الإعلان اختاروا تسمية الحدث بـ"مراسم مشتركة لإحياء ذكرى إرهابيي النُخبة وجنود الجيش الإسرائيلي، وكأنهم متساوون". التصميم، كما الصياغة، لم يُخفِ النوايا: الجزء العلوي من الإعلان بدا وكأنه يقطر دمًا أحمرًا فوق الكلمات.
الاستجابة على شبكات التواصل جاءت سريعة. خلال وقت قصير، انتشرت الدعوة بين نشطاء حزب الليكود ومجموعات اليمين المتطرف. ووفقًا لمنظمة "فييك ريبورتر"، فقد تم تداولها في مجموعات مثل "الحاخام كهانا كان على حق" و"نقضي على الإرهابيين عبر الشبكة"، كما نشرها مؤسس منظمة "لاهافا" (وتعني "الشُعلة" بالعربية)، بنتسي غوبشتاين، ورئيسة فرع الليكود في رعنانا، راخيلي بن آري سكات.
لم تمر ساعات قليلة حتى غطّت وسائل الإعلام أخبار المظاهرة العنيفة التي اندلعت أمام الكنيس الإصلاحي في المدينة. عشرات من نشطاء اليمين واليمين المتطرف تظاهروا بعنف، رشقوا الحجارة، أطلقوا الألعاب النارية، وهاجموا الحاضرين الذين جاؤوا لمتابعة مراسم الذكرى، واعتدوا أيضًا على رجال الشرطة الذين حاولوا تأمين خروج المشاركين المذعورين.
الأصوات في الخلفية كانت تتراوح بين هتافات "الموت للعرب" وغناء "لتحترق قريتكم". شهود عيان وصفوا الحدث بـ"بوغروم". أما مقاطع الفيديو التي انتشرت على الشبكات، فقد وثّقت وحشية العنف. وفي اليوم التالي، سارعت رئيسة الليكود في المدينة إلى نشر منشور على فيسبوك هدّدت فيه اليساريين علنًا: "هذه فقط الطلقة الافتتاحية... لقد تم تحذيركم".
الجهة التي بادرت إلى تنظيم المظاهرة ووقّعت على الإعلان الذي أشعل نيران التحريض، هي منظمة "بِتْسِلْمو" — (المعنى الحرفي هو: "على صورته"، والمقصود بها: "على صورة الله"، وتشير إلى أن الإنسان خُلق على صورة الإله، من الناحية الأخلاقية أو الروحية)، التي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ذراع فعّالة جدًا لما يُعرف بـ"آلة السمّ" الخاصة باليمين الإسرائيلي. تُدار المنظمة من هامش المجتمع المدني اليميني، وتهاجم كل من يجرؤ على التعبير في الحيز العام عن رؤية لا تروق لها. تسكب السمّ والكره بهدف استثارة الغوغاء، وجرّ السياسيين إلى صفّها، من أجل إسكات الأصوات التي تعبّر عن مواقف اليسار السياسي. وعلى عكس الحضور المتواضع الذي يميّز معظم المظاهرات التي تبادر إليها "بِتْسَلْمو"، فإن مظاهرة رعنانا اعتُبرت نجاحًا باهرًا.
فور وقوع الأحداث، طالب المركز الإصلاحي للدين والدولة السلطات — الشرطة والنيابة العامة — بفتح تحقيق مع المدير العام للمنظمة، شاي غليك، بشبهة التحريض على العنف. وقالت المديرة العامة للمركز، أورلي إيرز لحوفسكي: "ينبغي ألا يُحاسَب فقط أولئك الذين شاركوا في أعمال الشغب، وهاجموني، وألقوا حجرًا على سيارتي ما أدى إلى تهشيم زجاجها وإصابتي جسديًا، بل أيضًا أولئك الذين حرّضوا على العنف، وفي مقدّمتهم غليك ورئيسة فرع الليكود في المدينة". وأضافت: "هناك خط مباشر يربط بين خطاب الكراهية الذي نشره الاثنان، وبين الاعتداء الوحشي الذي وقع مساء يوم الذكرى".
صحيح أن غليك نشر بيانًا يندّد فيه بأعمال العنف التي وقعت في رعنانا، إلا أنه لم يمضِ سوى أسبوع واحد حتى بادر إلى تنظيم مظاهرة جديدة، اقتحم خلالها نشطاء من اليمين قاعة في كلية 'سابير'، حيث كان من المقرّر عرض فيلم "لا وطن آخر" أمام جمهور يهودي–عربي. قاموا بقطع التيار الكهربائي، وأفشلوا الحدث، وهم يصرخون: "لتحترق قريتكم". سبق هذه المظاهرة تنسيق مباشر مع وزير التربية والتعليم، يوآف كيش، حيث بعث له غليك برسالة مساء اليوم السابق، فدعا الوزير إدارة الكلية إلى إلغاء العرض.
على مدى أكثر من عقد من الزمن، مدّت منظمة "بِتْسַلمو" أذرعها إلى ميادين مختلفة من الحياة العامة الإسرائيلية بهدف تقويضها. تلاحق المبدعين، وتسعى إلى إسكات الأفلام التي لا تنسجم مع توجهاتها، وتهاجم المؤسسات الثقافية بهدف إغلاقها أو تقليص تمويلها. كما تعمل كقناة لتحويل الأموال إلى أهداف غير قانونية، وتسعى لهدم منازل عائلات منفّذي العمليات، وتهاجم منظمات اليسار، وتسعى إلى تقليص حقوق مجتمع الميم. تقوم بالإبلاغ والتحريض والمضايقة، وتنشر الخوف والانقسام.
صحيح أن بعض أنشطتها تفشل، لكنها تحقق نجاحات مقلقة في عدد كبير منها. تعمل في الشوارع، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، وفي أروقة المحاكم، وتوجّه سهامها نحو كل ما يشتمّ منه رائحة اليسار، وتستقطب سياسيين يفرحون بركوب الموجة لأنها تخدم أجنداتهم وتعرف كيف تروّج لنفسها. "بتسلمو" تتقدّم بثبات نحو هدفها، لكن المشكلة الكبرى لا تكمن في نشاطها فحسب، بل في تراخي الجهات الرقابية التي يفترض بها أن تضع لها حدًا.
العنف في رعنانا كان مثالًا حيًّا على تطرّف الخطاب الذي تشجعه هذه المنظمة، وعلى مدى سهولة انزلاق الخطاب إلى العنف، وعلى البيئة الحاضنة الدافئة والمريحة التي توفّرها حالة تآكل الديمقراطية الإسرائيلية وصعود الفاشية المحلية لمنظمة مثل "بِتْسַلمو".
بل وأكثر من ذلك، فإن منظمة "بِتْسِلْمو" لا تضع في مرمى نيرانها فعاليات ثقافية ومنظمات يسارية فقط، بل أيضًا القضاة. ففي أواخر شهر فبراير شباط الماضي، قرر قاضي المحكمة المركزية في القدس، أفرهام روبين، قبول طلب تقدمت به "بِتْسِلمو" وتنحى بنفسه عن النظر في التماس قدمه منتدى العائلات الثكلى ضد وزير التربية والتعليم يوآف كيش، الذي حظر على المدارس استضافة لقاءات مع أعضاء المنتدى الإسرائيلي-الفلسطيني. علّل روبين قراره بوجود "تضارب محتمل في المصالح"، إذ أن زوجته، الدكتورة نوعا روبين، عضو في الهيئة الإدارية لمدرسة ثانوية في القدس، كان مديرها قد دعا المنتدى لإجراء نشاط تربوي في المدرسة. كانت هذه خطوة غير معتادة: فقد سبق لروبين أن رفض طلبًا مماثلًا قدمته "بِتْسַلمو" في نفس القضية، استند إلى نفس الحجج.
قرار روبين كان استثنائيًا من عدة جوانب: فطلب تنحية قاضٍ لا يمكن أن يقدّمه إلا أحد أطراف القضية وفي بداية الإجراءات القضائية ("بِتْسِلمو" ليست طرفًا في هذه الدعوى، والإجراءات كانت في طور التقدّم)؛ لم يُكشف أي تفصيل جديد، وكانت الصلة الضعيفة بين زوجة القاضي وموضوع الالتماس معروفة منذ أشهر؛ وأخيرًا، المستشارة القانونية للحكومة قررت أنه لا يوجد أي أساس قانوني للمزاعم ضد القاضي أو لطلب تنحيته.
ما الذي تغيّر إذًا؟ في الأسابيع التي سبقت إعلان تنحيه، أصبح القاضي روبين نجمًا في حملة إعلامية قادتها منظمة "بِتْسِلْمو" بالإضافة الى وزير التربية والتعليم يوآف كيش في وسائل إعلام اليمين، تحت عنوان: "قضية تضارب المصالح لدى القاضي". لكن رئيس المحكمة العليا، القاضي يتسحاق عميت، لم يتأثر كثيرًا بالحملة: ففي يوم الخميس الماضي، قبل الاستئناف الذي قدّمته المحامية طال حسّين من جمعية حقوق المواطن، الممثّلة لمنتدى العائلات الثكلى، وقرّر أن القاضي روبين سيعود للنظر في الالتماس.
ويقول البروفيسور إيزي روزن-تسفي، من كلية الحقوق في جامعة تل أبيب، إن قرار القاضي روبين بالتنحي "يتعارض مع القانون". وبحسبه، "السوابق القضائية لا تسمح لجهة ليست طرفًا في القضية بتقديم طلب لتنحية قاضٍ، وخصوصًا ليس بعد مرور وقت طويل على معرفة سبب التنحية، وبعد أن تمّ رفض طلب مماثل سابقًا من قبل نفس القاضي، دون أن يقدّم أي من الأطراف استئنافًا على ذلك. إن حقيقة قبول القاضي لمزاعم 'بِتْسַلمو' هي أمر خطير، لأنها تشجّع منظمات سياسية مشابهة – تقوم على ملاحقة من يخالفها سياسيًا – على محاولة إقصاء قضاة من خلال حملات سياسية منظّمة".
بدأت سلسلة الأحداث في سبتمبر 2023، عندما قاد الوزير كيش قرارًا باستبعاد "لقاءات الحوار" التي ينظمها منتدى العائلات الثكلى من قائمة البرامج الخارجية التي يُسمح للمدارس بدعوتها إلى الصفوف (قائمة "غَفِن")، وذلك استجابةً جزئيةً لشكاوى قدمتها "بِتْسַلمو". قدّم المنتدى التماسًا، وفي أبريل 2024 أمر القاضي روبين وزارة التعليم بإعادة المنتدى إلى القائمة، ووجّه انتقادات حادة لكون الوزارة لم تُجرِ حتى فحصًا أساسيًا لمضامين اللقاءات. لكن كيش رفض قبول الحكم، وكتب في تغريدة أن القرار "صادم"، وفي اليوم الأول من العام الدراسي الحالي، استبعد المنتدى مجددًا من القائمة. فتم تقديم التماس جديد، وكما هو متوقّع، وصل مجددًا إلى القاضي روبين.
كـ"دليل" على صحة ادعاء وجود تضارب في المصالح، استند طلب التنحية الذي قدّمه "بِتْسַلمو" إلى تقرير صحفي بعنوان: "رغم علاقات القربى: القاضي ينظر في التماس قدمته منظمة يسارية"، نُشر في النشرة الإخبارية الرئيسية لقناة 14 (التي، بحسب المنظمة، "تقدّم أخبارًا خضعت لفرز دقيق"). وأضاف التقرير: "رغم هذا الواقع، القاضي رفض التنحي". خلال الأسابيع التي تلت، نُشرت تقارير إضافية في قناتي 14 و7 (المحسوبات على اليمين) اتهمت القاضي روبين بتضارب مصالح – وتلقّت هذه المزاعم صدى واسعًا في مجموعات اليمين على شبكات التواصل.
بعد صمت استمر نحو نصف عام، انضمّ وزير التربية والتعليم كيش في هذه المرحلة إلى حملة "بِتْسַلمو"ضد القاضي روبين. وتُظهر وثائق بحوزة صحيفة "هآرتس" وجود تعاون فعّال بين كيش والمنظمة: الوزير يدعم طلب التنحية، والمنظمة تقتبس أقواله في بلاغاتها للمحكمة. علاقة تكافلية بهذا الشكل.
مع ذلك، عارض المستشارون القانونيون في وزارة القضاء طلب كيش دعم طلب التنحية، بحجة أن "دراسة ظروف القضية لا تبرّر طلب التنحية". في مطلع يناير كانون الثاني الماضي، وصلت القضية إلى المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف-ميئارا، التي قررت أنّ "طلب تنحية قاضٍ يجب تقديمه في أول فرصة"، وأنه لا يوجد أي تطور جديد يبرّر الانضمام للطلب، وبأي حال، فإن مزاعم بتسلمو وكيش "لا تشكّل أساسًا قانونيًا لتنحية القاضي".
كجزء من الانقلاب القضائي، لم يُعر كيش اهتمامًا لرأي المستشارة القانونية للحكومة. في مطلع يناير، أرسل إليها رسالتين زعم فيهما أن "سلوك المستشارية القانونية للحكومة، وخاصة فيما يتعلق بالإجراءات حول تنحية القاضي، يضر بشكل جسيم بحقنا القانوني في تمثيل موقفنا"، وطالب بمنحه تمثيلًا قانونيًا منفصلًا. وقد أُرفقت رسالتا وزير التربية والتعليم بطلبات قدمتها منظمة بتسلمو إلى المحكمة.
إلا أن كيش أُتيحت له الفرصة لإرفاق موقفه بردود النيابة، لكنه اختار عدم القيام بذلك. هذا ما أكده أيضًا مفوض شكاوى الجمهور ضد ممثلي الدولة في المحاكم، القاضي المتقاعد مناحيم فينكلشتاين، الذي نظر في شكوى غليك ضد المستشارة القانونية وممثل النيابة في القضية، والتي ادعى فيها أنهما "كذبا على وزير التربية وحاولا تمرير قرار من وراء ظهره لإسكات صوته". في أبريل، رفض فينكلشتاين الشكوى وقرّر أن الادعاءات "قُدمت جزئيًا بناءً على فرضيات"، وأن مثل هذه الادعاءات الخطيرة "يجب أن تستند إلى وقائع مثبتة".

