آراء

وجوه تبتسم وقلوب تتعب: المعاناة النفسية خلف المظاهر

4 مشاهدة قراءة 16 دقيقة

الكاتبة : سناء محمد حسين شحادة  

قد تلتقي شخصًا يبتسم في وجهك، ويسألك عن أحوالك، ويؤدي عمله كالمعتاد، وربما يكون أكثر الأشخاص حرصًا على مساعدة الآخرين. لن يخطر ببالك أنه قد يعود إلى منزله مثقلًا بمشاعر لا يعرف كيف يعبّر عنها، أو أنه يقضي ساعات طويلة في محاولة استعادة توازنه النفسي. وقد تكون أنت ذلك الشخص... فليس كل من يضحك يشعر بالراحة، وليس كل من يواصل حياته دون شكوى يعيش بالضرورة حالة من الطمأنينة. أحيانًا، لا تكون المعاناة النفسية واضحة للآخرين، لا لأنها غير موجودة، بل لأن الإنسان لا يُظهر كل ما يعيشه في داخله.

لكن لماذا يخفي بعض الناس آلامهم النفسية؟ وهل الصمت دليل على القوة، أم قد يكون أحيانًا تعبيرًا عن صعوبة طلب المساعدة؟ وكيف يمكننا أن نقترب من الآخرين دون أن نحاكم مشاعرهم أو نفترض أننا نعرف ما يمرّون به؟

ليس كل ما نراه يعكس ما يعيشه الإنسان؛ فنحن نميل أحيانًا إلى الحكم على الحالة النفسية للآخرين من خلال مظهرهم الخارجي. فإذا رأينا شخصًا يضحك ويتحدث ويشارك في المناسبات، افترضنا أنه بخير، وإذا رأيناه ينجح في عمله أو ينجز مسؤولياته، اعتقدنا أنه لا يواجه صعوبات نفسية تُذكر. غير أن السلوك الظاهر لا يكشف دائمًا عن التجربة الداخلية كاملة. فقد يتمكن الإنسان من أداء مسؤولياته رغم شعوره بالقلق أو الحزن أو الوحدة، وقد يحافظ على علاقاته الاجتماعية في الوقت الذي يعاني فيه من ضغوط نفسية شديدة. وقد يكون التفاعل الاجتماعي مصدرًا للراحة لبعض الأشخاص، بينما يصبح بالنسبة إلى آخرين جهدًا يتطلب منهم طاقة كبيرة. ولا يعني ذلك أن كل شخص مبتسم يخفي معاناة، أو أن المظهر الإيجابي دليل على وجود مشكلة خفية. إنما يعني أن المظاهر وحدها لا تكفي للحكم على الحالة النفسية للإنسان؛ فالحياة النفسية أكثر تعقيدًا من أن نختصرها في ابتسامة أو صمت أو نجاح أو قدرة على مواصلة العمل.

لا يوجد سبب واحد يدفع الإنسان إلى إخفاء معاناته. فقد تتداخل عوامل شخصية وأسرية واجتماعية وثقافية، وتختلف من شخص إلى آخر. قد يرغب الإنسان في الحديث عمّا يؤلمه، لكنه يتراجع خوفًا من أن يسمع عبارات مثل: "أنت تبالغ"، أو "غيرك يعاني أكثر منك"، أو "عليك أن تكون أقوى". قد تبدو هذه العبارات للبعض محاولة للتشجيع، لكنها قد توصل إلى الشخص المتألم رسالة مفادها أن مشاعره غير مقبولة أو أنه لا يملك الحق في التعبير عنها. وعندما يتوقع الإنسان أن يُقابل ألمه بالتقليل أو اللوم، فقد يختار الصمت بدلًا من خوض تجربة لا يشعر فيها بالأمان.

ينشأ بعض الأشخاص على الاعتقاد بأن عليهم تحمّل كل شيء بمفردهم، وأن طلب المساعدة دليل على العجز، وأن إظهار الحزن قد يقلل من احترام الآخرين لهم. ومع الوقت، قد يتحول هذا الاعتقاد إلى قاعدة داخلية صارمة: يجب أن أكون قويًا دائمًا، وألا أُثقل على أحد، وألا أسمح للآخرين برؤية ضعفي. لكن القوة النفسية ليست مرادفة لكتمان المشاعر، كما أن التعبير عن الألم لا يعني فقدان القدرة على التحمّل. فقد يحتاج الإنسان إلى الصبر في بعض المواقف، وإلى الدعم في مواقف أخرى. القوة ليست أن تتحمل كل شيء وحدك، بل أن تعرف متى تستطيع المواصلة، ومتى تحتاج إلى من يساندك. وقد يخشى الإنسان الذي يمرّ بضيق نفسي أن يُثقل على أسرته أو أصدقائه، وبخاصة إذا اعتاد أن يكون الشخص الذي يلجأ إليه الآخرون طلبًا للنصيحة والدعم. وقد يقول لنفسه: "لديهم ما يكفي من المشكلات"، أو "لا أريد أن أقلقهم"، أو "سأنتظر حتى أتحسن وحدي".

ومع أن هذه الأفكار قد تنطلق من الحرص على الآخرين، فإنها قد تؤدي إلى تأجيل طلب المساعدة وإطالة فترة العزلة. وقد لا يدرك المحيطون بالشخص حجم ما يعانيه، لأنهم لم يحصلوا على فرصة لفهم تجربته. لذلك، فإن إتاحة مساحة آمنة للحوار لا تعني إجبار الإنسان على الإفصاح، بل أن يشعر بأن الحديث ممكن إذا أراد، وأنه لن يُلام على ما يشعر به. فليس من الضروري أن يعبّر الإنسان عن كل مشاعره أمام الآخرين؛ فالخصوصية حق طبيعي، واختيار الوقت والشخص المناسبين للحديث قد يكون أمرًا صحيًا. لكن المشكلة قد تظهر عندما يصبح إخفاء المشاعر هو الوسيلة الوحيدة للتعامل معها، أو عندما يشعر الإنسان بأنه مضطر إلى التظاهر الدائم بأنه بخير، حتى في أكثر اللحظات التي يحتاج فيها إلى الدعم. 

فقد يبذل جهدًا كبيرًا للحفاظ على مظهره المعتاد، ويخشى أن يلاحظ الآخرون حزنه أو ارتباكه، أو يواصل أداء مسؤولياته رغم حاجته إلى الراحة. وقد يبتعد عن الأشخاص الذين يمكن أن يساندوه لأنه لا يريد تفسير ما يمر به. ويشير البحث النفسي إلى أن كبت التعبير الانفعالي قد تكون له آثار تختلف بحسب السياق والفرد وطريقة تنظيم المشاعر؛ لذلك لا يصح اعتبار كل تحفظ في التعبير ضارًا، كما لا يصح افتراض أن التعبير وحده يكفي لحل المعاناة النفسية. المهم ليس أن يتحدث الإنسان دائمًا، بل أن يمتلك خيارات متعددة للتعامل مع مشاعره، وألا يشعر بأنه محاصر بين الصمت الكامل والإفصاح الذي لا يرغب فيه.

هل يمكن أن يعاني الإنسان نفسيًا وهو يواصل حياته بصورة طبيعية؟ نعم، يمكن لبعض الأشخاص أن يواصلوا العمل أو الدراسة أو رعاية أسرهم رغم وجود أعراض نفسية تسبب لهم معاناة حقيقية. فقد يعاني شخص من قلق مستمر بينما ينجز مهامه اليومية، وقد يشعر آخر بحزن عميق لكنه يحافظ على تواصله الاجتماعي، وقد يعيش شخص ثالث ضغطًا نفسيًا متراكمًا دون أن يلاحظه المحيطون به بسهولة. لكن من المهم عدم تحويل هذه الملاحظة إلى تشخيص عشوائي. فالابتسام مع الشعور بالحزن لا يكفي وحده لتشخيص الاكتئاب، كما أن الصمت أو الانسحاب في موقف معين لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي؛ حيث يتطلب التشخيص المتخصص فهم طبيعة الأعراض ومدتها وشدتها، وتأثيرها في الحياة اليومية، والنظر في السياق الصحي والنفسي والاجتماعي للشخص. إن الهدف من هذا الفهم ليس أن نبحث عن اضطراب وراء كل ابتسامة، بل أن نتجنب افتراض أن الشخص لا يحتاج إلى الدعم لمجرد أنه يبدو قادرًا على الاستمرار.

كيف نعرف أن شخصًا ما يحتاج إلى الدعم؟ لا توجد علامة واحدة تكشف دائمًا عن المعاناة النفسية، وقد تختلف المؤشرات من شخص إلى آخر. ومع ذلك، قد تستحق بعض التغيرات المستمرة الانتباه، ومنها: الانسحاب المتزايد من العلاقات أو الأنشطة التي كان الشخص يستمتع بها، وتغيرات ملحوظة في النوم أو الشهية أو مستوى الطاقة، وصعوبة متكررة في التركيز أو إنجاز المهام المعتادة، والتعبير عن اليأس أو الشعور بانعدام القيمة أو العجز، والتوتر المستمر أو سرعة الانفعال أو ظهور ضيق نفسي يؤثر في الحياة اليومية. هذه المؤشرات ليست تشخيصًا بحد ذاتها، ولا ينبغي استخدامها للحكم على الآخرين. لكنها قد تكون سببًا للاقتراب منهم بلطف، والسؤال عن أحوالهم، وعرض الدعم دون ضغط. وقد تكون أبسط بداية هي سؤال صادق مثل: "كيف حالك فعلًا؟ أشعر أنك تمرّ بفترة صعبة، وأنا مستعد للاستماع إذا رغبت في الحديث". ثم يأتي الجزء الأهم: أن نستمع دون استعجال تقديم الحلول، ودون تحويل الحديث إلى مقارنة بين معاناة الشخص ومعاناة الآخرين.

كيف نساند شخصًا يتألم بصمت؟ قد نرغب في مساعدة شخص نحبه، لكننا لا نعرف ماذا نقول. وأحيانًا، يدفعنا شعورنا بالعجز إلى تقديم النصائح بسرعة أو مطالبة الشخص بالتفاؤل أو تجاهل ما يؤلمه. غير أن الدعم النفسي لا يبدأ دائمًا بإيجاد الحل، بل قد يبدأ بطريقة استقبال الألم.

أولًا- استمع قبل أن تنصح: امنح الشخص فرصة للتعبير عن تجربته دون مقاطعة أو إصدار أحكام. ليس مطلوبًا منك أن تجد إجابة لكل ما يقوله؛ أحيانًا يكون الاستماع باهتمام خطوة مهمة في تخفيف شعوره بالوحدة.

ثانيًا- لا تقلّل من مشاعره: عبارات مثل "الأمر بسيط"، أو "هناك من يعاني أكثر منك"، قد تجعله يشعر بأن تجربته غير مفهومة. يمكنك بدلًا من ذلك أن تقول: "يبدو أن ما تمر به صعب"، أو "أريد أن أفهم ما الذي يرهقك".

ثالثًا- اسأل عمّا يحتاج إليه: قد يحتاج الشخص إلى الحديث، أو إلى مساعدة عملية، أو إلى بعض الوقت بمفرده. اسأله عمّا قد يفيده بدلًا من افتراض أنك تعرف ما يحتاج إليه.

رابعًا- شجّعه على طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة: إذا كانت معاناته مستمرة أو شديدة أو تؤثر في نومه وعلاقاته وعمله أو دراسته، فيمكن تشجيعه بلطف على التواصل مع مختص نفسي أو طبيب. وإذا عبّر عن أفكار انتحارية أو خطر وشيك على سلامته، فينبغي التعامل مع الأمر بجدية وطلب المساعدة العاجلة المناسبة.

خامسًا- حافظ على التواصل دون ضغط: قد لا يكون الشخص مستعدًا للحديث من المرة الأولى. لا يعني ذلك بالضرورة أنه يرفضك أو لا يحتاج إلى الدعم. يمكنك أن تُظهر اهتمامك وتترك له مساحة للاختيار، مع الاستمرار في الاطمئنان عليه بصورة تحترم خصوصيته.

وماذا عن أنفسنا؟ هل نسمح لأنفسنا بأن نتعب؟ من السهل أن نتحدث عن أهمية دعم الآخرين، لكن الأصعب أحيانًا أن نمنح أنفسنا الإذن نفسه. قد نكون نحن الذين نواسي الجميع، ونستمع إلى مشكلاتهم، ونحرص على ألا يشعر أحد بالوحدة، بينما نجد صعوبة في الاعتراف بأننا نمرّ بفترة مرهقة. وقد نؤجل احتياجاتنا لأن هناك مسؤوليات كثيرة، أو لأننا اعتدنا الظهور بمظهر الشخص القادر على التعامل مع كل شيء. لكن الاهتمام بالآخرين لا ينبغي أن يكون على حساب إهمال أنفسنا. ومن حق الإنسان أن يشعر بالحزن أو الخوف أو التعب، وأن يطلب المساندة دون أن يضطر إلى إثبات أنه بلغ أقصى درجات المعاناة. ليس مطلوبًا أن ننتظر حتى تتعطل حياتنا كي نعترف بأننا بحاجة إلى الراحة، كما لا يلزم أن نملك تفسيرًا كاملًا لما نشعر به حتى نبدأ الحديث عنه. وقد تكون البداية البسيطة أن نعترف لأنفسنا: "أنا لا أشعر بأنني بخير هذه الفترة، وأحتاج إلى أن أعتني بنفسي". هذا الاعتراف ليس ضعفًا، بل خطوة نحو فهم الذات والتعامل مع الاحتياجات النفسية بوعي أكبر.

لنتعلّم أن نرى الإنسان، لا مظهره فقط.. نعيش في عالم يسهُل فيه أن نرى صور الآخرين، ونتابع أخبارهم، ونلاحظ نجاحاتهم وابتساماتهم، لكن يصعب علينا أحيانًا أن نعرف ما الذي يمرّون به بعيدًا عن أعيننا. ولا يعني ذلك أن وراء كل ابتسامة حزنًا مخفيًا، أو أن كل صمت يخفي ألمًا. بل يعني أن الإنسان يستحق ألّا نحكم على حالته النفسية اعتمادًا على ما يظهر لنا وحده. فربما لا نستطيع أن نعرف ما يشعر به الآخرون ما لم يختاروا مشاركتنا تجربتهم، لكننا نستطيع أن نكون أكثر رحمة في أحكامنا، وأكثر انتباهًا للتغيرات التي تستحق السؤال، وأكثر استعدادًا للاستماع دون تقليل أو لوم. وربما نحتاج نحن أيضًا إلى أن نتذكر أن الحفاظ على صورتنا أمام الآخرين ليس أهم من سلامتنا النفسية، وأن طلب المساندة لا ينتقص من قيمتنا، وأن التعب لا يلغي قوتنا أو إنجازاتنا. فليس كل من يبدو بخير خاليًا من الألم، وليس كل من يعاني مضطرًا إلى أن يخوض معركته وحده. أحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى من يغيّر حياته بكلمات كثيرة، بل إلى من يمنحه مساحة آمنة ليكون صادقًا بشأن ما يشعر به.

فلنكن أكثر لطفًا في سؤالنا، وأكثر صدقًا في استماعنا، وأقل استعجالًا في أحكامنا؛ فقد يكون الاهتمام الذي نقدمه للآخرين، أو نسمح لأنفسنا بتلقيه، بداية خطوة مهمة نحو التعافي.

*باحثة وطالبة دكتوراه الإرشاد التربوي والنفسي- جامعة القدس المفتوحة