شمال غرب القدس-قطنة- كتبت : عائشة حمودة- خاص- ب"واثق"- صباح يوم الأحد، في اليوم التاسع عشرمن الشهر الأول من هذا العام، يوم ليس ككل الأيام على كل البيوت الفلسطينية. أشرقت شمس الصباح على بلادنا، ويكاد كل فرد فينا يقسم أنها أطول ساعات انتظار مرت عليه، وهو يترقب وصول عقارب الساعة للثامنة والنصف صباحًا .
وكما هو الحال في كل بيت فلسطيني، كان أهل بيت أبو العبد يجلسون أمام شاشة التلفاز، يتابعون بنظرات ثاقبة كالصقر الذي يراقب فريسته، يتعلقون بخيوط الآمال الواهنة، يجددون عهدهم مع الله، كلهم رجاء لرؤية اسمي ابنيهما "محمد وعبد الجواد" في قائمة تضم أسماء الأسرى الذين سوف يتحررون في أولى صفقات التبادل بين المقاومة والاحتلال.
بكل هدوء ، تحدث أبو العبد، ذلك الرجل الجليل الوقور الذي رسم الزمان على وجهه البشوش خطوطًا تبوح بحزنه المكبوت خلف ابتسامته، وقال:
“آه يا ريت الله يطعمني وأكحل عيوني بشوفتهم. والله إني خابر أيام زمان كأنهم مبارح. ذاكرة يا أم العبد؟”
وما كان من أم العبد، السيدة الصابرة المحتسبة، هزيلة الجسد، إلا أن تجيب وتقول:
“هو أنا بنسى، يا أبو العبد؟ هو أنا بنسى؟ هدول نور عيني، حرموني من شوفتهم ولمّتهم، الله يحرق فيهم أرضه، يا رب.”
ثم عمّ الصمت بينهما، وكلٌّ منهما تعود به ذاكرته إلى أحداث تلك الأيام. رغم كبر سنّهما، إلا أن تفاصيل ذلك الحدث لا تغيب عن بالهما، ويسردانها في كل مرة كما لو كانت البارحة. ولعلي، في حديثي هذا، سأروي لكم تلك الأحداث، كما تقول لي "أم العبد" في نهاية حديثنا كلما سألتها عن تفاصيل القصة:
“وهاي القصة، يا بنيّتي، من طقطق للسلام عليكم.”
يوم الجمعة – قرية قطنة – التاريخ 12/10/1993 :
في سكون الليل الحالك، اهتزت أركان البيت، ودوى صوت كأنه صرخة من أعماق الأرض. طرق عنيف على الباب، صدّع جدران السكينة، وتناثرت معه خيوط النوم من جفون ساكني المنزل. لم يستمر الطرق طويلًا، حيث داهم الاحتلال المنزل كالوحش الكاسر الذي يطلب فريسته .
دخلوا كالإعصار الذي يقتلع جذور الأمان. اختلطت أصواتهم بأصوات العائلة المرعوبة، المرتجفة الكيان. زعزعوا أمان العائلة، انهالوا بالضرب المبرح على عبد الجواد ومحمد، وبعثروا محتويات المنزل، فتشوا في كل الأرجاء، مزقوا الستائر، وقلبوا الأثاث، وكأنهم يبحثون عن إبرة في كومة قش.
تحدثني أم العبد وتقول: “والله يا بنيّتي، لو بإيديهم كان خلعوا البلاط وشافوا تحته!”
خرجوا من البيت يجرّون معهم عبد الجواد ومحمد، بعدما اعتدوا عليهما بالضرب المبرح، وجعلوا أعقاب بنادقهم تلامس جسديهما من كل حدب وصوب. واعتقلوا أيضًا مريم (زوجة عبد الجواد) التي كانت حاملًا في شهرها السابع.
عاشت العائلة حالة هستيريا من الرعب لمدة 12 يومًا، لا يعلمون ما حلّ بأبنائهم. وفي اليوم الثاني عشر، أطلق الاحتلال سراح مريم.
مريم التي حوّل الاحتلال أمومتها إلى جحيم، لم يكترثوا لكونها تحمل في أحشائها جنينًا، ومارسوا بحقها أبشع أنواع التعذيب النفسي في تحقيق المسكوبية، حيث هددوها بخطف وقتل فلذة كبدها، ابنها أحمد، إن لم تعترف.
وتقول مريم: “بطلبوا مني أعترف بشي أنا ما بعرف عنه إشي، قاعدة بينهم وضايعة، ويلي أفكر بحالي ولا بجوزي ولا بشو بدهم منا، وإيدي على قلبي يعملوا إشي لأولادي …”
في اليوم العشرين، وبينما كانت عائلة أبو العبد تجلس في منزلها، تعتصرهم مشاعر الخوف والحزن، قاطعهم ضجيج الاحتلال. هذه المرة، داهموا المنزل وهم يقتادوا عبد الجواد مكبل اليدين والقدمين، يجرّونه ويُمارسون عليه أبشع أنواع التعذيب، يحاولون إذلاله، ولكن هيهات، نحن شعب لا يعرف الإذلال.
أجبروه أن يدلهم على مكان في حديقة منزله، وبدأوا بالحفر كالثيران الهائجة، حتى كانت الصدمة التي ألهبت قلب "أم العبد" حين أخرج الاحتلال أسلحة مدفونة من حديقة المنزل.
تقول أم العبد: “يا بنيّتي، بهاللحظة حسّيت قلبي وقف. فهمت إنو موضوعهم كبير، ووقتها دارت بعقلي ألف قصة اشتغلت. بس أجاني شعور واحد كبير، شعور إنه مش خسارة اني حملتكم جواي تسعة شهور، شعور إنني أنا وولادي وكل دنيتي فدا فلسطين والأقصى، ودعيت من قلبي: روحوا يا يمّا، الله يرضى عليكم، رضى ربي ورضى قلبي.”
هذه هي أم العبد، الأم الفلسطينية الصابرة المحتسبة، مستعدة أن تضحي بالغالي والنفيس لأجل فلسطين .
وفي غياهب الزنازين المظلمة، حيث تتلاشى معالم الزمن، قضى محمد خمسةً وأربعين يومًا، وعبد الجواد ثمانيةً وأربعين يومًا في رحلة عذاب لا تنتهي. لم تكن تلك الأيام مجرد أرقام في سجلات التحقيق، بل كانت جحيمًا حقيقيًا .
مارس المحققون عليهما ألوانًا من العذاب تفوق الوصف. وبعد انتهاء التحقيق، وُجهت إليهما تهمة قتل أربعة مستوطنين في حي “راموت أشكول” بالقدس المحتلة، بالاشتراك مع إبراهيم شماسنة، شقيق مريم.
وفي قاعات المحكمة، حيث تتلاشى العدالة وتغيب الرحمة، حُكم على عبد الجواد بأربعة مؤبدات وعشرين سنة ، وعلى محمد بثلاثة مؤبدات وعشرين سنة.
كانت هذه الأحكام بمثابة صكوك إعدام معنوية، حرمتهما من حريتهما، لكنها لم تكسر عزيمتهما، بل جعلتها وسام شرف على صدريهما ، وبرهانًا على صمودهما وثباتهما في وجه الظلم .
وهنا تتجمع الخيوط وتنير أمامنا اجاباتٌ لعلامات الاستفهام المتعالية في صدورنا ،ويعود بنا الزمان ثلاث سنوات إلى الوراء .
يوم الإثنين – قرية قطنة – تاريخ 8/10/1990:
صباحٌ عادي، ومنزل تفوح منه رائحة الزيت والزعتر. على مائدة الإفطار، شهقت "أم العبد" وهي تسمع عبد الجواد يقول:
“لا حول ولا قوة إلا بالله ، سمعتوا الأخبار؟”
يوسف (أبو العبد): “لا، يبني، خير يا رب، شو في؟”
عبد الجواد: “ومن وين الخير، يبوي؟ هالأنجاس بأرضنا، عاملين مذبحة بالمسجد الأقصى، 21 شهيد!”
تعالت أصوات أم العبد وأبو العبد وهم يتحسبون على الاحتلال. وأكمل عبد الجواد:
“مش بس هيك، يما، في وحدة من القُبيبة مستشهدة.”
وفي تلك اللحظة، اختلط الصوت بين أفراد العائلة، ثم على لسان أم العبد:
“وفش وقت، يا بنيّتي، إلا بيعلنوا: أم مصطفى، شهيدة. والله، وزي أي شهيد، بيعملولها عرس. خابرة هاي عوايدنا بفلسطين.”
وهنا، كان عرس أم مصطفى هو النقطة الفارقة في حياة عبد الجواد وأخيه الأصغر محمد. توجّها إلى جنازتها، وشاركا بها، وأبرما عهدًا غليظًا أن لا يبرد لهما غليل حتى يُقتصّا لدمها.
تسرد أم العبد تفاصيل ليلة غريبة وتقول:
“بقينا قاعدين أنا وأبو العبد بعد الفجر، وما بنسمع إلا حد بدق الباب. قُلت لأبو العبد: افتح، الله يستر شو في. إلا هي سميرة، مرت ابني محمد…”
سميرة: “يا عمي، محمد مش بالدار، صحيت لقيته طالع ولهسا ما رجع.”
أبو العبد: “شو هالحكي؟ ما قالك إنه طالع؟”
سميرة: “لا، يا عمي، نمنا بالليل وصحيت الصبح أصلي الفجر وما لقيته. قلت هسا بيرجع، فكرته بالجامع”.....
والله يا بنيتي ، يومها ما عرفنا شو نعمل. قلبي انقبض، بس قلتلهم: خلينا نصحي عبد الجواد يشوف أخوه وينه.
والله، وهون كانت الصدمة… ما لقينا العبد بالدار!
“يومها, أبو العبد ما خلّى حدا ما سأله، وما حدا عارف وينهم، وقعدنا وأيدينا على قلوبنا …”
بعد قليل، انتشر خبر العملية:
شباب من المنطقة قتلوا أربعة مستوطنين، واليهود قلبوا الدنيا عليهم. وبعدها رجعوا العبد ومحمد
ومن سرد أم العبد المتواضع، نعلم أن في تلك الليلة نام العبد ومحمد وفي قلبيهما سرٌ عظيم، سرٌّ ليس كسائر الأسرار، سرٌّ تعاهدا على حفظه بينهما دون أن يبوحا به لأحد. فقد بدأت حكايتُهما قبل ثلاث سنوات، ثلاث سنوات من العمل الدؤوب، والعمليات، والتخطيط ضمن خليةٍ سرية، سطّروا خلالها أكثر من ثلاث بطولات، وكانت نياتهم خالصة للجهاد في سبيل الله.
ولكن، وبعد أربعة أشهر من ليلة اختفائهما من منزلهما، في الليلة التي اختتما فيها آخر بطولاتهما، شاء الله أن يُكشف سرُّ الخلية، ويُكشف معه أمر محمد وعبد الجواد.
في أرجاء القرية، انتشر الخبر كالنار في الهشيم: بطَلان عقدا العزم على الثأر لدم أم مصطفى الزكية. فابتهجت وجوه الأهالي فرحًا، وأيقنوا أن دماء ابنتهم لم تُهدَر، وأن شباب فلسطين الأبية لا يقبلون الذل لحرائر وطنهم.
أما في الجانب الآخر، فكانت عائلة أبي العبد في حيرة من أمرها، تعجز الكلمات عن وصف ما يختلج في صدورهم من مشاعر متضاربة؛ بين خشية على فلذات أكبادهم ومستقبلهم المجهول، وبين أمانة ثقيلة ألقيت على كاهلهم. فالعبد، الذي قضى زهرة شبابه في غياهب السجون، ترك خلفه سبعة أطفال وزوجة، ومحمد، والد الزهرات الثلاث، أصغرهن لم تبصر النور إلا قبل شهرين من أسره، وزوجته التي ما زالت تنتظر عودته.
ومع كل هذا الألم، كان هناك فخرٌ واعتزاز لا يُضاهى بأبنائهم الأبطال، الذين كتبوا بدمائهم سفرًا من المجد، وأرعبوا الكيان الغاصب، وأبقوه في حالة استنفار لثلاثة أعوام متواصلة.
وعادت الذاكرة بأم العبد وأبي العبد وهما يسردان تفاصيل حياتهما الحالية؛ فمحمد أصبح له العشرات من الأحفاد، وتزوجت بناته دون أن يكون إلى جوارهن في فرحة العمر، أما عبد الجواد، فقد أصبح له أحد عشر حفيدًا، وتزوج جميع أبنائه باستثناء ابنه أحمد.
تمر الأيام على محمد وعبد الجواد مثقلة بأعباء تفوق الجبال، فما فرّق بينهما إلا بطش الاحتلال الغاشم. التقيا على درب الحق، لكن المحتل سعى بكل جبروته لكسر إرادتهما، ففرّق بينهما داخل السجون، ووضع كلًا منهما في قسم مختلف، وحرمهما من لقاء الأهل والأحبة. بل حتى زيارات الأمهات والآباء والإخوة مُنعت، ولم يُسمح لهم برؤيتهما لأكثر من عقد من الزمن.
ورغم قسوة الأسر، فقد كانت تلك السنوات فرصة لمحمد لتعويض ما فاته من العلم؛ فنهل من المعرفة داخل جدران السجن، وحصل على شهادة الثانوية العامة “التوجيهي”، ثم واصل مسيرته الأكاديمية إلى أن نال درجة البكالوريوس.
وفي لحظة من لحظات العزة، في سجن عسقلان، انتفض محمد في وجه الجلاد، وضرب أحد السجانين، فكان جزاؤه عشر سنوات إضافية، ارتفع معها حكمه إلى ثلاثة مؤبدات وثلاثين عامًا
رغم تغيّر السنين، وتبدل الوجوه، ظلّ محمد وعبد الجواد من الأسرى القلائل الذين دخلوا الزنازين قبل أن تُولد “أوسلو”، وبقيا فيها بعد أن سقطت كل الأوهام. لم تشملهم الصفقات، ولم تطرق اسميهما أبواب الحرية كما فعلت مع كثيرين. هم من جيلٍ لم يُساوَم على قضيته، ولا زال أسميهما عالقين كأمانة ثقيلة في ضمير هذا الوطن.
الاسرى ليسوا مجرّد أرقام، بل حكايات وطنية لم تكتمل فصولها بعد… ويكفي أنهم، بصمتهم، ما زالوا يربكون العدو.