نابلس-واثق نيوز ـ سهير سلامة - في صمت ثقيل يشبه الغروب قبل انطفاء الضوء، تبدأ الحكاية، لم تكن المعاناة صرخة عالية، بل همسا طويلا يسكن التفاصيل الصغيرة.. نظرة مؤجلة، وخطوة مترددة... وقلب يتعلم الصبر أكثر مما يحتمل... بين الخسارات المتتالية والأحلام التي تكسرت على عتبات الانتظار، تشكلت قصة إنسان يحاول أن يبقى واقفا، ليس فقط لأنه أقوى من الألم، بل لأنه لم يجد خيارا آخر سوى الاستمرار.
الانتظار ليست كلمة عابرة، بل ثقل يتسلل إلى الروح بهدوء ... هي أيام تمضي بطيئة، وأحلام تتراجع خطوة، كلما حاولنا الاقتراب منها.. في الانتظار نتعلم الصبر قسرا، ونكتشف وجوها جديدة لأنفسنا لم نكن نعرفها، وجوها متعبة، لكنها عنيدة، ترفض الانكسار رغم الألم.
"ام محمد"، ذلك القلب النابض حبا واملا، صبرا وامتنانا، لرب كريم كانت على موعد مع الفرحة والعطاء الجزيل.. انتظرت سنوات وسنوات، تكبدت مشقة سفر وآلام، لترى عيونها نطفة تخزنت بين احشائها، فكانت النور، وسعدت العائلة بمجىء نور عيونها ووهج ضيائها، وانتظار اشواقها .
اسمته " محمد"، فكان عطاءا كريما وانتظارا طويلا، دام ثماني سنوات قاحلات.
محمد اكرم عنتر (٣٥) عاما عاش الحب والدلال، استنشق عطر حنان الام والاب والاخوات، والاهل والاصدقاء، كان محمودا وحمدا، لهم جميعا، ترعرع بين احضان دفء البيت الكريم، واللمة السعيده، ولم يغب لحظة عن عيون تلك الصابرة الصبورة، التي اسقته دمع العيون النابضة فرحا وحنانا وسعادة.
تقول والدته "ام محمد"، عندما طلبت من رب العالمين الابن والولد جاء عطاؤه بعد سنوات من الانتظار ووهبنا محمد ليكون السد والسند لي ولابيه، كان حنون القلب، استمد حنان الاخوات وكان معطاءا كريما على اخواته الاكبر منه، وكانه الاب والصديق لهم، وكان لا يسعد الا برفقة اخواته، اللواتي تربى بين ايديهن، وتعلم معنى حب الاخت، وحنانها.
اما والده، اكرم عنتر ( ٧٤) عاما، فيقول، محمد كان فرحتنا الأولى من الأولاد، جاء بعد ثماني سنوات، من مجيىء اخواته قبله، فكان له اعتبارية خاصة لدى العائلة جميعها، نال الدلال الوفير، من الجميع، بعد معاناتنا العصيبة، والسفر الى الاردن من أجل العلاج، في العام ١٩٩٠ ، لتكلل بالفرحة الكبيرة، ولكن المرض كان بالمرصاد، مرض محمد لفترة، وكنا لا نترك الدعاء، من اجل شفاء محمد ورجوعه سالما لنا ولاخواته، وللعائلة كلها، التي كانت ترافقنا في كل الساعات.
ويكمل والده، العسكري المتقاعد، ان محمد اكمل دراسته الى ان وصل الى الثانوية العامة بنجاح، وبعدها اتجه الى سوق العمل واجتهد، فكان الابن البار بوالدته وابيه واخواته، يعطي بلا مقابل، ولم يكن بالناكر للمعروف، ولا بالمدلل الذي افسده الدلال، بل كان محبوبا لدى الجميع بأخلاقه وتعامله معهم.
وتضيف اخواته ان محمد الغائب جسدا .. الحاضر روحا... لم يكن كغيره من اقران سنه في طفولته، تربى على العز والكرامة، لم تمنعه ظروف الحياة وقلة العمل، من تلبية طلب كل مغيث، الجيران والأصدقاء ، الأهل.. الكل يعلم من هو محمد .. ، ولكن البعد لن يمنعنا من الأمل بان باب الاسر لا بد ويوما ان يكسر، ولا بد يوما من شروق شمس الحرية، وان طال انتظارها.
محمد الذي اعتقل بتاريخ ٢٠٢٣/١٢/٢، وكان عمره ٣٣ عاما، وقتها، لديه ابنتان نايا ٤ سنوات، ووتين سنتان ونصف، وكانت وقت اعتقاله ٦ شهور، ولكن نايا التي تذكر اباها كل لحظة، وتناديه في كل وقت تذكره وتسال عنه، "وين بابا"، وتناديه باستمرار، فتلفت انتباه اختها الاصغر منها وتحمل صورة ابيها وتقبلها.
ونقف نحن الكبار عاجزين امامها، ولا نستطيع الاجابة على اسئلتها ، ولا جواب يشفي صدورنا، او يجعلنا نشعر بالأمل ولو البسيط، ونحن ننتظر فرجا اثر فرج.
وتضيف والدته، انه من يوم ما اعتقل ولم نزره ولم يكن سوى اتصالا واحدا فقط بيننا وبينه، وعن طريق بغض الاسرى المفرج عنهم فقط، ممن التقى بهم محمد ، يطمئنونا عنه، ومع كل اسير يزورنا اشتم رائحة محمد، ولكن قلب الام لا يشفى ولا يكن ولا يهدأ الا برؤية فلذة كبدي امام عيوني، اسره افقدنا اللمة السعيدة، وبقي كرسيه الذي اعتدنا على جلوسه عليه فارغا بانتظاره، وحضوره لم يغب يوماً من ذهننا، صوته في ارجاء البيت.. في الدعاء، وابتسامته في الصور المعلقة على الجدار.. وروحه الساكنة فينا .. كلنا في انتظار صوته وهو يقول انني رغم القيد والسجن والسجان، انا هنا ..نحلم جميعا باللقاء كما لو كان وعدا قريبا ... لا بأس فنحن ننتظر محمد.
معاناة أهل الأسير وجعٌ مستمر لا يهدأ، هي أيام معلقة بين خبر ينتظر ودعاء لا ينقطع، وليال طويلة، يطغى فيها القلق على النوم.. يعيشون الفقد وهم ما زالوا ينتظرون اللقاء، يتحمّلون الغياب القسري، وثقل السؤال، ونظرات العجز. ومع ذلك، يتمسكون بالأمل كقوة خفية، ويقفون صامدين، لأن الحب أقوى من القيد، ولأن الحرية وعد لا يسقط بالتقادم.
كانت أمه تعدّ الأيام لا بالتقويم، بل بعدد الثواني واللحظات التي غاب عنها نور عيونها، الأب يخرج كل صباح مثقلا بالقلق، يحمل همّ البيت ويكتم ضعفه كي لا ينهار الباقون... أما الاخوات فبتن يحلمن باللقاء، بنين الآمال وتجرعن مرارة الفقد جرعة اثر جرعة دون فقدان للامل واللقاء، كما لو كان وعدا قريبا.
كانت المعاناة تمتد في التفاصيل الصغيرة.. طبق يترك جانبا لأن صاحبه غائب، باب يفتح على أمل ثم يغلق على صبر، وليل يطول حين يشتد الانتظار... ومع ذلك، لم ينطفىء الأمل.. كانوا يجتمعون كل مساء، يذكرونه بالخير، ويتقاسمون الدعاء واليقين بأن الغياب لن يدوم. في قصتهم، لم تكن المعاناة نهاية، بل طريقا قاسيا نحو لقاء يحفظ للقلوب معنى الصمود.



