محليات

من مصادرة الأرض إلى تقييد الحركة.. الاستيطان والحواجز يضيّقان الخناق على حياة الفلسطينيين

79 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

نابلس-تقرير خاص ب"واثق نيوز"-سهير سلامة-بين أراضٍ تتقلّص مساحاتها بفعل التوسع الاستيطاني، وطرق تتحوّل إلى مسارات شاقة بفعل الحواجز العسكرية والإغلاقات المتكررة، يعيش الفلسطينيون شمال رام الله واقعاً يومياً تتداخل فيه مصادرة الأرض مع تقييد الحركة، لتتسع دائرة المعاناة وتنعكس على مختلف تفاصيل حياتهم.

عطارة.. بؤرة استيطانية تزحف نحو المنازل  

على بُعد نحو 140 متراً فقط من منازل بلدة عطارة، شمال رام الله، تتوسع بؤرة استيطانية جديدة، فارضةً واقعاً ميدانياً متغيراً بدأ باقتحام موقع أثري، وتحول تدريجياً إلى تجمع استيطاني يهدد أراضي البلدة ومراعيها والتجمعات السكانية القريبة منها.

بدأت القصة في آب/أغسطس 2025، عندما اقتحم عشرات المستوطنين منطقة «جبل الخربة»، المعروفة أيضاً باسم «خربة طرفين»، ونصبوا خياماً فيها، وجلبوا الأبقار والأغنام إلى الموقع، الذي يمتد على مساحة تقارب ألفي دونم، ويُعد جزءاً من أراضي البلدة ومراعيها.

ورغم إزالة البؤرة أربع مرات، لم تتوقف محاولات تثبيتها وتوسيعها، بل أخذت تتطور تدريجياً، حتى ارتفع عدد خيامها إلى تسع، وأُضيفت إليها خزانات مياه ومحوّل كهربائي، في مؤشرات على مساعٍ لتحويلها إلى نقطة استقطاب لمزيد من المستوطنين.

وامتدت السيطرة الاستيطانية، وفق المعطيات الواردة، إلى نحو 300 دونم من الأراضي الرعوية، وسط مخاوف الأهالي من فقدان المزيد من أراضيهم ومصادر رزقهم، فضلاً عن التهديد الذي يطاول التجمعات السكانية المجاورة، ومن بينها تجمع بدوي يضم نحو 50 شخصاً.

ولم تتوقف التطورات عند الاستيلاء على الأراضي ونصب الخيام، بل رافقها شق طرق وتعبيد الطريق المؤدي إلى البؤرة، إلى جانب اعتداءات على المواطنين وتهديدات للسكان، الأمر الذي يزيد من مخاوف الأهالي على أراضيهم الزراعية والرعوية، ويهدد أمن البلدة وهدوءها، بعد أن باتت البؤرة الاستيطانية تقترب من منازلهم بصورة متسارعة.

حاجز النبي صالح.. ساعات من الانتظار 

ومن مصادرة الأراضي في عطارة إلى تقييد حركة المواطنين على الطرق، تتواصل المعاناة عند حاجز النبي صالح، شمال غرب رام الله، حيث لم تعد المسافة تُقاس بالكيلومترات وحدها، بل بساعات الانتظار وطوابير المركبات والقلق الذي يرافق الفلسطينيين في تنقلاتهم اليومية.

خلف كل مركبة حكاية مختلفة؛ عامل يخشى التأخر عن عمله، وطالب يحاول الوصول إلى مدرسته أو جامعته في الوقت المحدد، ومريض ينتظر استكمال طريقه، وعائلة تتعطل تفاصيل يومها بفعل إجراءات الحاجز والإغلاقات المتكررة.

ولا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على الوقت المهدور، بل تمتد لتطال حياة القرى والبلدات المحيطة، إذ تتحول الطرق التي يفترض أن تربط التجمعات السكانية بعضها ببعض إلى عوائق تثقل كاهل المواطنين، وتحدّ من قدرتهم على الوصول إلى أعمالهم ومؤسساتهم التعليمية والصحية.

وهكذا، يصبح عبور الطريق رحلة غير مضمونة، فيما يبقى المواطنون بانتظار أن تستعيد حياتهم اليومية شيئاً من طبيعتها، وأن يكون الوصول إلى أعمالهم ومنازلهم أمراً اعتيادياً لا رحلة محفوفة بالانتظار والتأخير.

حاجز عين سينيا.. ساعات من المعاناة

وعلى حاجز عين سينيا، شمال رام الله، تتكرر مشاهد الانتظار والتكدس، حيث تتحول رحلة المواطنين اليومية إلى ساعات طويلة من الترقب، وسط طوابير المركبات وإجراءات التفتيش والتدقيق في الهويات والإغلاقات المتكررة.

ويكتسب هذا الحاجز أهمية خاصة لوقوعه على أحد الطرق الرئيسة الواصلة بين مدينة رام الله والبلدات والقرى الواقعة شمالها، ما يجعله ممراً أساسياً لآلاف المواطنين المتوجهين إلى أعمالهم وجامعاتهم ومستشفياتهم.

ومع كل إغلاق، تتكدس المركبات وتتأخر المواعيد، ويجد المواطنون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: الانتظار لساعات إلى حين السماح لهم بالمرور، أو سلوك طرق بديلة أطول وأكثر مشقة.

ولا تنتهي المعاناة بمجرد عبور الحاجز، إذ تنعكس ساعات التأخير على مختلف مناحي الحياة اليومية؛ فعامل يخسر جزءاً من ساعات عمله، وطالب يتأخر عن محاضرته، وعائلة تبقى معلقة بين الطريق والانتظار، من دون معرفة موعد وصولها إلى منزلها.

مدخل دير دبوان.. حواجز مفاجئة  

وفي شرق رام الله، يشكل مدخل بلدة دير دبوان نقطة عبور مهمة لأهالي البلدة والقرى المحيطة بها، إلا أن الإغلاقات المفاجئة ونصب الحواجز العسكرية والتدقيق في هويات المواطنين تحوّل التنقل عبره إلى رحلة مثقلة بالانتظار والقلق.

وتؤدي هذه الإجراءات إلى تعطيل وصول المواطنين إلى أعمالهم ومدارسهم ومواعيدهم اليومية، فيما يضطر بعضهم إلى البحث عن طرق بديلة، غالباً ما تكون أطول وأكثر وعورة، ما يضاعف الوقت والجهد اللازمين للوصول إلى وجهاتهم.

ولا يقتصر تأثير الحواجز على حركة المركبات فحسب، بل يمتد إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية للتجمعات السكانية، إذ إن إغلاق مدخل البلدة، ولو لساعات، ينعكس على حركة المواطنين ومصالحهم اليومية، ويضيف أعباء جديدة إلى حياة الأهالي.

بين الأرض والطريق.. معاناة تتسع  

من عطارة، حيث تتقدم البؤرة الاستيطانية على حساب الأراضي والمراعي، إلى حواجز النبي صالح وعين سينيا ومدخل دير دبوان، تتعدد صور المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون شمال رام الله، لكنها تلتقي عند نتيجة واحدة: تضييق مساحة الحياة اليومية، سواء من خلال فقدان الأرض ومصادر الرزق، أو عبر تعطيل الحركة والتنقل.

ففي الوقت الذي يخشى فيه أصحاب الأراضي فقدان ما تبقى من أراضيهم الزراعية والرعوية، يواجه المواطنون على الطرق والحواجز ساعات من الانتظار والتأخير، في مشهد يطال العامل والطالب والمريض والعائلة، ويجعل أبسط متطلبات الحياة اليومية أكثر صعوبة.

وبين بؤر استيطانية تتمدد وحواجز تتحكم بحركة المواطنين، تتواصل معاناة الأهالي في محاولة للحفاظ على أراضيهم، والوصول إلى أعمالهم ومنازلهم ومؤسساتهم، وسط واقع يفرض عليهم أعباء متزايدة في تفاصيل حياتهم اليومية.