لندن-الضفة الغربية-واثق نيوز-في وقت ينشغل فيه العالم بتطورات الحرب في المنطقة، تتصاعد بشكل ملحوظ هجمات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، فيما تتعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي عدم احتواء هذا العنف، في الوقت الذي تصدر فيه تحذيرات عسكرية من تداعيات قد تؤدي إلى تفجير الأوضاع على نطاق أوسع.
وأفادت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير موسع أعده الصحفيون ناتان أودنهايمر وديفيد هالفينغر وفاطمة عبد الكريم، بأن إسرائيل أخفقت في كبح موجة متصاعدة من الاعتداءات التي تستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن هذا التصعيد دفع مسؤولين عسكريين إلى مطالبة الحكومة بالتدخل.
ويظهر هذا الفشل بوضوح في الوقائع الميدانية، إذ استعرض التقرير تفاصيل هجوم نفذه مستوطنون على قرية قصرة، حيث استشهد الشاب أمير عودة (28 عامًا) بالرصاص، قبل أن يتعرض للطعن والضرب حتى فقد الوعي، أمام والده معتصم عودة. وأكدت الصحيفة أن هذا الهجوم، الذي وقع في 14 آذار/مارس الماضي، لم يكن حادثًا معزولًا، بل جاء ضمن موجة عنف وصفت بالوحشية شهدتها الضفة خلال الشهرين الماضيين.
وأوضح معتصم عودة (46 عامًا) أن المواطنين كانوا في السابق يحاولون صدّ المهاجمين بالحجارة، لكن المستوطنين باتوا يحملون الأسلحة بشكل منتظم، مضيفًا: “نحن عاجزون، وهم يعلمون ذلك”.
وأشار التقرير إلى أن انشغال العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ووكلائها ،أتاح للمستوطنين المتطرفين توسيع نطاق هجماتهم في مختلف أنحاء الضفة الغربية، حيث يتحركون – وفقًا للصحيفة – دون رادع فعلي. وأدت هذه الاعتداءات إلى تفريغ قرى بأكملها، ودفع العديد من الفلسطينيين للعيش في حالة خوف دائم، خاصة خلال ساعات الليل.
ولم تقتصر الهجمات على إطلاق النار، بل شملت اعتداءات جسدية وجنسية وتخريبًا واسعًا للممتلكات. ففي غور الأردن، تعرض صهيب أبو الكباش (29 عامًا) لاعتداء من ملثمين تضمن اعتداءً جنسيًا وضرب أفراد من عائلته، بينهم أطفال. كما قُتل عودة عواده (25 عامًا) في بلدة دير دبوان شرق رام الله أثناء محاولته منع سرقة أغنام عائلته، وفق روايات عائلته وشهود عيان .
وفي سياق متصل، استشهد ثائر حمايل (28 عامًا) بعد إطلاق النار عليه أثناء محاولته الدفاع عن قريته خربة أبو فلاح. وقالت مليحة العمري (40 عامًا): “أخشى البقاء في منزلي، وأخشى ما سيحدث إن غادرته… لا أحد يحمينا من المستوطنين”.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فقد استشهد 13 فلسطينيًا في هجمات للمستوطنين بين 28 شباط/فبراير و27 نيسان/أبريل، فيما أُصيب المئات، وشُرّد 622 شخصًا. كما ارتفع عدد الشهداء منذ بداية عام 2025 إلى 15 شهيدا .
ويرى خبراء أن هذا التصعيد يأتي في سياق استغلال الظرف الإقليمي، حيث أشار عالم الأنثروبولوجيا عيدان يارون إلى أن المتطرفين “يرون في الحرب فرصة لتكثيف الهجمات بينما ينشغل العالم”، مؤكدًا أن الهدف يتمثل في طرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم.
وأكد التقرير أن العنف، الذي يشمل الضرب والحرق والسرقة والتخريب، بات نمطًا يوميًا بمعدل يقارب سبع هجمات يوميًا، دون مؤشرات على التراجع حتى بعد إعلان وقف إطلاق نار مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران في 8 نيسان/أبريل.
كما لفت إلى أن بعض الجماعات المتطرفة باتت تعلن عن هجماتها علنًا، حيث تفاخر أحدها بتنفيذ اعتداءات على 40 تجمعًا فلسطينيًا خلال شهر نيسان الماضي، أسفرت عن إصابة 79 شخصًا، وإحراق 63 مركبة و32 مبنى، إضافة إلى اقتلاع مئات أشجار الزيتون.
في المقابل، تراوحت ردود السلطات الإسرائيلية بين وعود غير منفذة، وإلقاء اللوم على أطراف أخرى، أو إنكار وجود تصاعد في العنف. وأعلنت شرطة الاحتلال فتح تحقيقات في بعض الحوادث منذ 28 شباط الماضي، وأوقفت سبعة أشخاص في قضية اعتداء جنسي، وشخصًا واحدًا في جريمة قتل بقصرة، لكنها نفت وجود تصاعد في العنف دون تقديم بيانات داعمة.
وأظهر التقرير أن الشرطة فشلت تاريخيًا في محاسبة المستوطنين، حيث تشير بيانات منظمة “يش دين” إلى أن 93.6% من التحقيقات خلال العقدين الماضيين أُغلقت دون توجيه لوائح اتهام.
وتخضع الشرطة لإشراف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المعروف بمواقفه الداعمة للمستوطنين، والذي لم يعلق على التقرير، رغم إدانته سابقًا بتهم تتعلق بالتحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية.
أما الجيش الإسرائيلي، المسؤول عن الأمن في الضفة الغربية، فقد أشار التقرير إلى أنه لم يستخدم القوة الكافية لوقف الاعتداءات، رغم تحذيرات قيادته من خطورة التصعيد. ويخشى مسؤولون عسكريون من أن تؤدي هذه الهجمات إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية يصعب احتواؤها.
وبحسب التقرير، فإن الجنود الذين يصلون غالبًا أولًا إلى مواقع الهجمات نادرًا ما يعتقلون المستوطنين، بل يكتفون بالمراقبة إلى حين وصول الشرطة. كما أشار بعض القادة العسكريين إلى صعوبة دفع الجنود للتحرك ضد المستوطنين، في ظل تعاطف بعضهم معهم، بل ووجود حالات مشاركة في أعمال العنف.
وادعى جيش الاحتلال في بيان أن أي إخلال بالأوامر يُدرس بدقة، وأن إجراءات تأديبية تُتخذ عند الضرورة.
كما ألمح قادة عسكريون إلى أن المشكلة تتجاوز نطاق المؤسسة العسكرية، في ظل وجود دعم أو تغاضٍ من بعض السياسيين وقطاعات من الرأي العام. وفي هذا السياق، دعا اللواء آفي بلوث القادة الدينيين والمجتمعيين إلى كسر الصمت والعمل على وقف العنف.
وفي المقابل، قللت الحكومة الإسرائيلية اليمينية من خطورة هذه الاعتداءات، حيث وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو العنف بأنه صادر عن “حفنة من الصبية”.حسب زعمه .
وأعلنت الحكومة الاسرائيلية إنشاء وحدة لمعالجة ما تصفه بـ“الشباب المعرضين للخطر”، عبر دمجهم في التعليم والعمل والخدمة العسكرية، إلى جانب تخصيص موارد إضافية لتزويد المستوطنين بمعدات أمنية مثل الطائرات المسيّرة والمركبات، وهي أدوات قال التقرير إنها تُستخدم أحيانًا في مضايقة الفلسطينيين.
وأشار التقرير إلى حادثة مقتل مستوطن يبلغ 18 عامًا في حادث سير مع فلسطيني، أعقبها تنفيذ هجمات انتقامية ضد قرى فلسطينية، شملت إحراق منازل ومركبات، فيما أعلنت الشرطة توقيف عدد محدود من المشتبه بهم دون توضيح ما إذا وُجهت لهم اتهامات.
وتفيد التقديرات بأن مئات المستوطنين يشاركون بشكل منتظم في أعمال العنف ضمن مجموعات منظمة تسعى لفرض واقع جديد على الأرض، رغم أن عددهم يبقى محدودًا مقارنة بنحو 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية.
كما بات بعض المتطرفين يعلنون أهدافهم صراحة، حيث صرح أحد قادة ما يعرف بـ“شباب التلال” بأن هدفه طرد الفلسطينيين، معتبرًا أن “أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم”. حسب تعبيره .
ويخلص التقرير إلى أن هذا التصعيد، في ظل ضعف الردع، يعكس تحولًا خطيرًا في المشهد الميداني، مع استمرار الهجمات دون إجراءات حاسمة، وسط تحذيرات متزايدة من تداعياتها على استقرار المنطقة.



