رام الله - واثق نيوز- عبر نشر مكثف لرموز دينية وسياسية وتسميات إسرائيلية في مناطق واسعة، تشهد الضفة الغربية تصاعدًا لافتًا في ممارسات استيطانية تتجاوز السيطرة الميدانية على الأرض، نحو فرض هوية بصرية وثقافية جديدة.
ويصف مختصون هذه الممارسات بأنها محاولة لفرض “سيادة بصرية” تمهيدًا لتكريس واقع استيطاني دائم.
وخلال الأسبوعين الماضيين، رصدت جولات ميدانية انتشار أعلام إسرائيلية على الطرقات، ونصب مجسمات دينية مثل الشمعدان ونجمة داوود في الميادين العامة وعلى قمم التلال، في مشهد يعكس – وفق مراقبين – تحولًا في أدوات السيطرة الإسرائيلية من الميدان إلى الفضاء البصري العام.
وتطلق إسرائيل على الضفة الغربية اسمًا توراتيًا هو “يهودا والسامرة”، في إطار مساعٍ لتعزيز روايتها التاريخية حول المنطقة.
ولا تخلو شوارع الضفة الغربية، من شمالها إلى جنوبها، من الأعلام الإسرائيلية، في مشهد يتجاوز الرمزية، ليحمل دلالات سياسية تهدف إلى تطبيع الوجود الاستيطاني وإعادة تشكيل المشهد العام بما يخدم رواية الاحتلال، بحسب مراقبين.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ مستوطنون 443 اعتداءً منذ 28 فبراير/ شباط الماضي، تزامنًا مع تداعيات الحرب في المنطقة، مستغلين حالة الاضطراب لتكثيف هجماتهم على القرى والتجمعات الفلسطينية.
“قوة ناعمة”
وفي هذا السياق، قال مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في جنوب الضفة الغربية، حسن بريجية، إن هذه الممارسات تندرج ضمن استراتيجية تعتمد على “القوة الناعمة” لفرض السيادة.
وأوضح بريجية أن المستوطنين يسعون، من خلال نشر الأعلام والرموز، إلى ترسيخ حضورهم على الأرض.
وأشار إلى أن هذه الخطوات تتكامل مع سياسات حكومية إسرائيلية توفر الدعم والحماية والتشريعات اللازمة لتمكين المستوطنين.
وأضاف أن “هذه الممارسات ليست عفوية، بل تأتي ضمن مخطط منظم تقوده الحكومة الإسرائيلية اليمينية”.
وأشار بريجية إلى أن الظاهرة تطورت من مجرد نشر رموز إلى السيطرة على مبانٍ ورفع الأعلام فوقها، كما حدث في عدة مناطق، بينها بلدة حوارة جنوبي نابلس.
وفي مارس/ آذار الماضي، اقتحم مستوطنون، مدرسة بلدة حوارة الثانوية للبنين في محافظة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، وأزالوا علم فلسطين ورفعوا العلم الإسرائيلي مكانه، وكتبوا شعارات عنصرية على الجدران.
وقال بريجية إن “المستوطنين بدأوا بالسيطرة على مرافق خدمية ومبانٍ عامة، في تصعيد واضح لأدوات فرض السيطرة”، محذرًا من احتمال توسع هذه الممارسات في الفترة المقبلة.
أكد أن هذه الإجراءات تتم “تحت حماية الجيش والشرطة”، مشددًا على أن الفلسطينيين “لا يملكون خيارًا سوى الصمود على أرضهم”.
وأضاف: “الأرض بالنسبة للفلسطينيين تمثل الحلم والمستقبل وضمان الأجيال القادمة”.
بدوره، قال الخبير في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي إن انتشار الرموز الإسرائيلية في الضفة الغربية يحمل ثلاث رسائل رئيسية.
وأوضح الريماوي أن الرسالة الأولى موجهة للفلسطينيين، وتهدف إلى ترسيخ فكرة أن الضفة الغربية جزء من المشروع الإسرائيلي.
وأضاف أن الرسالة الثانية تستهدف المستوطنين، عبر تقديم الضفة الغربية كـ”بيئة إسرائيلية ثقافيًا وحضاريًا”، فيما تتوجه الرسالة الثالثة إلى المجتمع الدولي، “في محاولة لتطبيع واقع الاستيطان وإظهاره كأمر واقع”.
وأشار إلى أن هذه السياسات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تكريس السيطرة الإسرائيلية، من خلال مصادرة الأراضي والضغط على المجتمع الفلسطيني لتقليص وجوده.
وتابع: “الهدف النهائي يتمثل في إعادة إنتاج حالة السيطرة الكاملة، وصولًا إلى إقامة ما يمكن تسميته دولة المستوطنين في الضفة الغربية”.
ولفت الريماوي إلى أن استخدام الرموز الدينية يأتي ضمن محاولة لإضفاء شرعية على المشروع الاستيطاني، من خلال “ربط المواقع الفلسطينية بروايات دينية إسرائيلية”.
وأوضح أن “هذه المحاولات تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي التاريخي والجغرافي، وربط الأرض بروايات دينية تخدم المشروع الاستيطاني”.
وأضاف أن ذلك يشمل إطلاق تسميات دينية على مناطق وطرق ومواقع مختلفة، في إطار ما وصفه بمحاولة “إعادة كتابة الرواية التاريخية”.
ويُستخدم في الخطاب الإسرائيلي عدد من التسميات التوراتية لمناطق فلسطينية، مثل “يهودا والسامرة” بدل الضفة الغربية، و”شكيم” للإشارة إلى نابلس، و”حبرون” بدل الخليل، و”شَمرون” لمناطق شمال الضفة.
كما تُستخدم تسميات لمستوطنات وبؤر استيطانية مشتقة من أسماء عربية وكنعانية مثل “بروخين” المشتق من اسم بلدة بروقين إلى الغرب من سلفيت (شمال).
ويدّعي يهود منذ احتلال إسرائيل الضفة الغربية في 1967 أن “قبر يوسف” الواقع في الطرف الشرقي من مدينة نابلس، مقام ديني مقدس.
ويقولون إن رفات النبي يوسف بن يعقوب مدفون في القبر، غير أن علماء آثار ينفون هذه الادعاءات مؤكدين أن الموقع لا يتجاوز عمره بضعة قرون، ويرجّح أنه ضريح لشيخ مسلم يُدعى يوسف دويكات.



