غزة-بهاء طباسي-مع اقتراب أذان المغرب، يقف أبو ياسين الكردي أمام قدر كبير يغلي فوق موقد بدائي داخل إحدى التكايا الخيرية في وسط قطاع غزة.
لا يحمل الرجل في يده إناء كبيرا، بل وعاء صغيرا يكفي بالكاد لإطعام أطفاله الثلاثة. يراقب البخار المتصاعد من القدر كما لو كان يراقب فرصة النجاة الوحيدة لعائلته في هذا المساء.
قبل الحرب، كان أبو ياسين عاملا بسيطا في ورشة بناء. لم يكن دخله كبيرا، لكنه كان كافيا لتأمين احتياجات بيته المتواضع. إلا أن سنوات الحرب الطويلة بدلت ملامح الحياة بالكامل. فبعد نحو ثلاثين شهرا من النزوح المتكرر وفقدان العمل، لم يعد الرجل قادرا على شراء أبسط المواد الغذائية، لتصبح التكايا الخيرية مصدر الطعام شبه الوحيد لعائلته.
ويقول وهو يلتفت نحو الخيمة التي يقيم فيها مع أسرته: «أطفالي يذهبون يوميا إلى التكية القريبة من خيمتنا، يقفون في الطابور لساعات، ثم يعودون بما يحصلون عليه من طعام. إن عادوا بشيء أفطرنا، وإن لم يعودوا… ننام جائعين».
لم يعد أبو ياسين ينظر إلى التكية بوصفها مبادرة خيرية عابرة، بل باتت بالنسبة إليه «مطبخ الحياة» الذي يضمن استمرار يوم آخر لعائلته. في غزة اليوم لم تعد مسألة الطعام مرتبطة بالقدرة على الشراء، بل بمدى القدرة على الوقوف طويلا في طوابير الانتظار.
ورغم مرور نحو خمسة أشهر على سريان وقف إطلاق النار، فإن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تواصل الانحدار بوتيرة مقلقة. ومع استمرار القيود المشددة على دخول المساعدات والسلع الأساسية، تتسع رقعة الفقر ويزداد اعتماد السكان على المساعدات المحدودة المتوفرة.
«المكتب الإعلامي الحكومي» في غزة يقول إن الحصار المفروض على القطاع، إلى جانب القيود الإسرائيلية المتصاعدة، أدى إلى تعطيل وصول المواد الغذائية والوقود، وهو ما انعكس مباشرة على حياة السكان الذين يعانون أصلا من ظروف معيشية قاسية بعد سنوات الحرب.
ويشير المكتب إلى أن القيود المفروضة على إدخال الإمدادات الإنسانية لعبت دورا كبيرا في تعميق الأزمة. فبعد أن كان يسمح بدخول نحو خمس وعشرين شاحنة محملة بالمواد التموينية يوميا، جرى تقليص هذا العدد تدريجيا إلى خمس شاحنات فقط لفترة طويلة، قبل أن يتوقف دخولها بالكامل.
ويرى مسؤولون أن استمرار هذه القيود يضع القطاع أمام مؤشرات أزمة إنسانية آخذة في التفاقم، ويحملون سلطات الاحتلال المسؤولية عن منع تدفق المساعدات الإنسانية لفترات طويلة قبل إيقافها بشكل كامل.
مطابخ تنسحب ...
في الوقت الذي تتزايد فيه حاجة السكان إلى الغذاء، بدأت بعض المؤسسات الإغاثية الدولية تقليص حضورها في قطاع غزة أو سحب طواقمها بالكامل، في خطوة تنذر بتدهور إضافي في منظومة العمل الإنساني داخل القطاع.
ومن أبرز هذه التطورات توقف المطبخ المركزي العالمي عن إعداد الطعام في غزة منذ شباط/ فبراير من العام الماضي، بعد أن كان يقدم عشرات آلاف الوجبات يوميا للنازحين. وجاء هذا القرار نتيجة معيقات ميدانية كبيرة واجهت عمله خلال الفترة الماضية.
ووفق حديث مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة ، تعرضت المؤسسة لضغوط أجبرتها على شراء المواد الخام من داخل إسرائيل بدلا من توريدها عبر مصر كما كان يحدث سابقا، وهو ما أدى إلى تغيير طبيعة الإمدادات الإنسانية ورفع تكلفتها بشكل كبير.
بالتزامن مع ذلك فرضت سلطات الاحتلال قيودا جديدة على عمل المؤسسات الدولية، حيث أخطرت سبعا وثلاثين منظمة إغاثية بانتهاء تسجيلها القانوني للعمل في الأراضي الفلسطينية، مشترطة تزويدها بقوائم تفصيلية بأسماء الموظفين الفلسطينيين ومصادر التمويل.
هذه الإجراءات أثارت مخاوف واسعة لدى العاملين في المجال الإنساني الذين يرون أن استمرارها قد يؤدي إلى انهيار جزء كبير من منظومة الإغاثة التي يعتمد عليها مئات آلاف السكان في القطاع.
وسط هذه الظروف تؤكد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» أن حماية المدنيين في قطاع غزة تمثل أولوية إنسانية عاجلة في ظل التدهور المستمر للأوضاع المعيشية.
وتشير الوكالة إلى أن ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومستدام يعد أمرا أساسيا لتفادي تفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع. كما تؤكد أن تمكين العاملين في المجال الإنساني من أداء مهامهم، إلى جانب حماية المرافق والمنشآت الإغاثية، يمثل شرطا ضروريا لاستمرار تقديم الخدمات الحيوية مثل الرعاية الصحية الأولية وخدمات التعليم والدعم الغذائي للأسر الأكثر احتياجا.
ورغم التحديات الكبيرة تقول الوكالة إنها تواصل عملياتها داخل القطاع استنادا إلى ولايتها الأممية، بهدف ضمان وصول الدعم إلى مئات آلاف اللاجئين الذين يعتمدون بشكل رئيسي على خدماتها للبقاء على قيد الحياة.
موائد الفقراء ...
في ظل هذه المعطيات تحولت التكايا الخيرية المنتشرة في أنحاء قطاع غزة إلى ما يشبه شبكة إنقاذ غذائية يعتمد عليها عشرات آلاف السكان يوميا، خصوصا خلال شهر رمضان.
وتنتشر في القطاع عشرات المطابخ الخيرية التي تتولى إعداد الطعام وتوزيعه على المحتاجين. بعضها يقدم الوجبات مباشرة في مقراته، بينما تنقل أخرى الطعام إلى مخيمات النزوح لتوزيعه هناك.
ومع اقتراب موعد الإفطار تمتد طوابير طويلة من الرجال والنساء والأطفال أمام هذه المطابخ، ينتظرون دورهم للحصول على وجبة قد تكون الوحيدة في يومهم.
ويقول القائمون على هذه المطابخ إن الطلب على الوجبات يتزايد يوما بعد يوم، في ظل عجز معظم العائلات عن شراء احتياجاتها الغذائية بعد فقدان مصادر الدخل وارتفاع أسعار السلع المتبقية في الأسواق.
طابور الأمهات ...
في أحد طوابير الانتظار الطويلة في مدينة خان يونس تقف أم خالد النجار، وهي سيدة نازحة تعيش مع أطفالها الأربعة في خيمة جنوب القطاع. تحمل بيدها قدرا معدنياً صغيرا وتراقب تقدم الطابور بقلق خشية أن ينفد الطعام قبل أن يصل دورها.
وتقول بصوت متعب : «لم نعد نطبخ في الخيمة كما كنا من قبل. لم يعد لدينا ما نطبخه أساسا. التكية هي مصدر الطعام الوحيد لنا منذ أشهر».
وتوضح أن أبناءها ينتظرون عودتها كل يوم مع وجبة الإفطار لأنهم يدركون أن ما تحمله من التكية هو الطعام الوحيد المتاح في ذلك اليوم. وتضيف: «حين أعود بالطعام يفرح الأطفال كثيرا حتى لو كانت الوجبة بسيطة».
لكن أم خالد، مثل كثيرين غيرها، تخشى أن تتوقف هذه المطابخ يوما ما. وتقول بحزن: «إن توقفت التكايا… لا أعرف كيف سنعيش وسط انعدام الدخل».
طعام نادر ...
رغم صعوبة الظروف شهد شهر رمضان الحالي بعض التحسن النسبي في نوعية الطعام الذي تقدمه التكايا الخيرية. فبفضل تبرعات تصل من مانحين خارج القطاع تمكنت بعض المطابخ من توسيع نشاطها وإعداد كميات أكبر من الوجبات.
ويشير القائمون على هذه المبادرات إلى أن عشرات الآلاف من الوجبات يجري إعدادها يوميا وتوزيعها على النازحين في مختلف المناطق، وهو ما ساعد في تخفيف جزء من معاناة السكان.
كما أصبحت بعض الأطباق التي ندر وجودها في الأشهر الماضية تظهر على موائد التكايا بين الحين والآخر، مثل وجبات اللحم أو الدجاج التي يجري إعدادها غالبا مرة أو مرتين أسبوعيا، خصوصا في يوم الجمعة.
إلى جانب ذلك يجري طهي الخضروات المتوفرة في الأسواق مثل البطاطا والباذنجان والبامية لتوفير وجبات بسيطة لكنها تسد رمق العائلات التي فقدت القدرة على شراء الطعام.
مخاوف آتية ...
لكن هذا التحسن النسبي لا يخفي القلق المتزايد لدى القائمين على المطابخ الخيرية. فمع استمرار الحصار وإغلاق المعابر بدأت بعض المواد الغذائية الأساسية تختفي تدريجيا من الأسواق أو ترتفع أسعارها إلى مستويات يصعب تحملها.
ويقول المتطوع في إحدى التكايا وسط القطاع أحمد حمدان، إن تأمين المكونات اللازمة للطهي أصبح أكثر صعوبة مع مرور الأيام، موضحا أن الفرق التطوعية باتت تقضي ساعات طويلة في البحث عن المواد الأساسية. ويضيف: «أحيانا نجد صعوبة حتى في توفير الخضروات البسيطة، ومع ارتفاع الأسعار يصبح إعداد الوجبات اليومية تحديا حقيقيا».
كما أن توقف المطبخ المركزي العالمي عن العمل ترك فراغا كبيرا في منظومة توزيع الطعام، إذ كانت هذه المؤسسة توفر عشرات آلاف الوجبات يوميا للنازحين.
ولهذا السبب أعرب كثير من سكان القطاع عن شعورهم بالحزن والقلق بعد إعلان المؤسسة وقف عملياتها حتى إشعار آخر، خشية أن يؤدي ذلك إلى تفاقم أزمة الغذاء التي يعيشونها.
خط الحياة ...
في غزة اليوم لم تعد التكايا مجرد مبادرات خيرية موسمية كما كانت في الماضي. فقد تحولت تدريجيا إلى خط إغاثة يومي يحافظ على حياة آلاف الأسر التي فقدت كل مصادر دخلها.
ويقول المبادر المجتمعي محمود العرجا، وهو أحد القائمين على مطبخ خيري يخدم عدة مخيمات نزوح جنوبي غزة: «ما نقوم به اليوم لم يعد مجرد عمل تطوعي عابر، بل أصبح ضرورة إنسانية يومية لأن آلاف العائلات لا تملك أي مصدر آخر للطعام».
ويشير العرجا إلى أن أعداد المستفيدين من التكايا تتزايد يوما بعد يوم مع اتساع رقعة الفقر وانعدام مصادر الدخل لدى معظم الأسر، وهو ما يجعل استمرار هذه المبادرات مسألة حياة بالنسبة لكثيرين.
ومع استمرار الحصار وتراجع عمل المؤسسات الإغاثية يبدو أن مستقبل الأمن الغذائي في القطاع بات معلقا على قدرة هذه المبادرات المحدودة على الاستمرار.
أما أبو ياسين الكردي فيغادر التكية مع حلول المغرب حاملا وعاء الطعام بحذر كأنه يحمل شيئا أثمن من الطعام نفسه. يبتسم وهو يقول: «طالما بقيت التكايا مفتوحة… سنبقى قادرين على العيش يوما آخر».



