الكاتب : العميد لؤي إرزيقات
في الأزمنة العادية قد تمرّ الإشاعة كنسمة عابرة لا تترك أثراً عميقاً، غير أن المشهد يختلف تماماً في الظروف الاستثنائية والأوقات المضطربة، حيث تتحول الإشاعة إلى سلاح خفيّ من أسلحة الحرب النفسية، يُصاغ بعناية ويُبثّ بذكاء ليصيب المجتمع في أكثر نقاطه حساسية: الروح المعنوية والثقة العامة. فالإشاعة لا تولد مصادفة، ولا تنتشر عفوياً كما يتصور البعض، بل غالباً ما تكون نتاج إعداد دقيق وصياغة مدروسة، تُنتقى كلماتها بعناية، وتُحاك تفاصيلها بخيط رفيع من أنصاف الحقائق، حتى تبدو قابلة للتصديق لدى المتلقي.
الإشاعة في حقيقتها خطاب بلا هوية؛ مصدرها مجهول، لكنها تسافر بسرعة البرق بين الناس، وتجد طريقها إلى العقول قبل أن تُمحص أو تُفحص. فهي تُقدَّم غالباً في صورة خبر عاجل، أو معلومة "سرية"، أو تحذير طارئ، فينجذب إليها الناس بدافع الخوف أو الفضول أو القلق. وهنا تكمن خطورتها؛ إذ إنها تستثمر في لحظات القلق الجمعي، وتقتات على حالة التوتر التي يعيشها المجتمع، فتتضخم وتتسع دوائر انتشارها حتى تتحول إلى موجة من الرعب والبلبلة.
إن أخطر ما تفعله الإشاعة أنها لا تكتفي بتشويه الحقيقة، بل تعمل على ضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته، فتزرع الشكوك في النفوس، وتفتح أبواب الارتياب في كل معلومة رسمية أو بيان صادر عن الجهات المختصة. ومع مرور الوقت، يصبح المجتمع أسيراً لهذا المناخ المضطرب، حيث تتراجع الثقة، ويتسع المجال للفوضى المعلوماتية، ويختلط الصادق بالكاذب حتى يصعب التمييز بينهما.
والإشاعة لا تقوم عادة على الكذب الكامل، بل تعتمد على نصف الحقيقة؛ فتأخذ جزءاً صغيراً من واقعٍ ما، وتحيط به زخارف من المبالغة والتهويل، وتضيف إليه عناوين براقة وكلمات مثيرة، فتبدو القصة أكثر إثارة وأشد تأثيراً. إن عملية "بهرجة" العناوين واختيار الكلمات ليست عملاً عشوائياً، بل هي جزء من هندسة نفسية تهدف إلى التأثير في المتلقي وإقناعه دون أن يشعر بأنه يتعرض للتضليل.
غير أن الأثر النفسي للإشاعة لا يتوقف عند حدود الخوف والهلع فقط، بل قد يمتد إلى عمق المشاعر الإنسانية حين تتلاعب بآمال الناس وتوقعاتهم. فكثيراً ما يتلقى الإنسان خبراً يسعد قلبه ويبعث في نفسه الأمل، فيصدقه ويشاركه مع الآخرين، وربما يبني عليه أحلاماً صغيرة أو ينتظر تحقيقه بشغف، ثم يكتشف لاحقاً أنه لم يكن سوى إشاعة لا أساس لها من الصحة. عندها تتحول لحظة الفرح إلى خيبة أمل قاسية، ويتبدل الأمل إلى حزن عميق، ويحلّ الإحباط محل التفاؤل، وقد يشعر الإنسان بانكسار داخلي وصدمة نفسية نتيجة هذا الخداع المعنوي.
وهكذا لا تسرق الإشاعة الحقيقة فحسب، بل تسرق أيضاً مشاعر الناس وثقتهم وأحلامهم الصغيرة. فهي ترفع سقف التوقعات ثم تهوي به فجأة، فتترك في النفوس شعوراً بالمرارة وفقدان الثقة بالمعلومات المتداولة، وربما حتى بالناس الذين نقلوا الخبر دون تحقق. ومن هنا يتضح أن أثر الإشاعة لا يقف عند حدود المعلومة المغلوطة، بل يمتد ليصيب البناء النفسي والاجتماعي للمجتمع.
ولهذا فإن مواجهة الإشاعة ليست مهمة فردية عابرة، بل مسؤولية جماعية تبدأ بالمؤسسات الرسمية والإعلامية، وتمتد إلى كل فرد في المجتمع. فالسلاح الأقوى في مواجهة الإشاعة هو الحقيقة الواضحة والمعلومة الدقيقة. حين تُقدَّم المعلومات الصحيحة بسرعة وشفافية، تُسحب البساط من تحت أقدام الإشاعة، وتفقد قدرتها على الانتشار والتأثير.
كما أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في هذه المعركة الصامتة. فالمواطن الواعي لا يكتفي بتلقي الأخبار، بل يسأل عن مصدرها، ويتحقق من صحتها، ويرفض أن يكون حلقة في سلسلة نشر الأكاذيب أو المبالغات. إن التحقق قبل النشر، والتفكير قبل التفاعل، أصبحا في عصر الإعلام الرقمي ضرورة أخلاقية ووطنية في آنٍ واحد.
لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتدفق الأخبار والمعلومات، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى بيئة خصبة لانتشار الإشاعات إذا غاب الوعي وغابت المسؤولية. ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وتعليم الأفراد كيفية التمييز بين الخبر الموثوق والخبر المفبرك، وبين المعلومة المدعومة بالمصادر والمعلومة المرسلة بلا دليل.
إن المجتمعات التي تحمي نفسها بالوعي والمعرفة قادرة على إفشال أخطر حملات التضليل، لأن الحقيقة حين تُقال بوضوح وتُدعم بالأدلة تصبح أقوى من أي إشاعة مهما بدت براقة أو مثيرة. فالإشاعة قد تنتشر بسرعة، لكنها لا تستطيع الصمود طويلاً أمام نور الحقيقة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نكون مجتمعاً يردد ما يسمع، أم مجتمعاً يفكر قبل أن يصدق؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت الإشاعة ستقودنا إلى الفوضى والهلع، أم أننا سنقود الحقيقة إلى عقول الناس وقلوبهم.
فالحقيقة، مهما تأخرت، تظل الطريق الأقصر إلى الطمأنينة، بينما الإشاعة مهما بدت قوية ليست سوى ظلٍ زائل أمام شمس الوعي.
*المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية



