الكاتب : مجد الزغير
في زمن تتصاعد فيه مستويات الدين العام وتزداد الضغوط على الموازنات الحكومية حول العالم، أصبح التعامل مع الأزمات المالية واقعاً مألوفاً لكثير من الدول . غير أن إدارة المالية العامة بالنسبة للسلطة الفلسطينية تتجاوز حدود السياسات الاقتصادية التقليدية لتصبح معادلة أكثر تعقيداً تتعلق بالحفاظ على البقاء المؤسسي في ظل ظروف سياسية واقتصادية استثنائية.
فالسلطة الفلسطينية تعمل في بيئة كان من شأنها، في سياقات أخرى، أن تقود إلى انهيار مالي واقتصادي كامل. لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى الأدوات التقليدية التي تلجأ إليها الحكومات عادة في أوقات الأزمات؛ فلا عملة وطنية يمكن تخفيض قيمتها، ولا سيطرة كاملة على أهم مصادر الإيرادات، ولا قدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية. في مثل هذا السياق، تتحول السياسة المالية إلى عملية توازن دقيقة بين الموارد المحدودة والهدف الأساس المتمثل في منع تآكل المؤسسات العامة.
وفي حين تُقاس الحكومات في الدول ذات السيادة بقدرتها على ضمان الاستقرار المالي، تُقاس السلطة الفلسطينية بقدرتها على دفع أجزاء من رواتب موظفيها في موعدها، والحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، والإبقاء على عقد اجتماعي هش مع المواطنين.
حتى قبل اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، كانت السلطة الفلسطينية تواجه صعوبات كبيرة في الوفاء بالتزاماتها المالية. وقد فاقمت الحرب هذه التحديات نتيجة الانكماش الاقتصادي الحاد وتراجع الإيرادات المحلية، إلى جانب القيود المتزايدة على حركة الأفراد والبضائع ورأس المال.
ومع ذلك، فإن السبب الجوهري للأزمة المالية الفلسطينية ليس تقنياً بقدر ما هو سياسي. فقد واصلت إسرائيل احتجاز ما يعادل 4.5 مليار دولار من أموال المقاصة الفلسطينية المتراكمة بحسب أخر التقديرات، وهي الضرائب والجمارك التي تقوم إسرائيل بتحصيلها نيابة عن السلطة الفلسطينية وفق بروتوكول باريس الاقتصادي. وتشكل هذه الإيرادات نحو ثلثي الدخل الشهري للسلطة، ما يجعل أي تعطيل لها ضربة مباشرة للاستقرار المالي. وقد قامت إسرائيل بوقف تحويل المقاصة بشكل كامل منذ شهر أيار 2025 مما دفع وزير المالية الفلسطيني لوصف هذا الوضع مؤخراً بأنه “تهديد وجودي” للسلطة الفلسطينية.
وتزداد المخاطر تعقيداً مع التهديدات المتكررة بقطع علاقات البنوك المراسلة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية، وهو ما قد يعرّض النظام المالي الفلسطيني بأكمله لخطر الشلل وتعطيل الأنشطة التجارية الأساسية.
نتيجة لذلك، لم تتمكن السلطة الفلسطينية خلال العامين الماضيين إلا من تغطية نحو 60 في المئة من فاتورة الرواتب الشهرية. كما ارتفع الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل تراكم المتأخرات للموظفين العموميين وموردي القطاع الخاص. وقد أدى ذلك إلى إضعاف الاستهلاك المحلي وتراجع سيولة القطاع الخاص وزيادة الضغوط على القطاع المصرفي.
إذا استمرت هذه الديناميكيات دون تدخل سريع، فإنها قد تقود إلى حلقة مفرغة من التدهور الاقتصادي والتفكك المؤسسي. ومع ذلك، لا يزال بالإمكان اتخاذ خطوات عملية تقلل من مخاطر الانهيار.
أولاً، يجب أن تركز الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية على الإفراج الفوري عن أموال المقاصة المحتجزة. فالمشكلة الأساسية في المالية العامة الفلسطينية ليست في نقص الحلول التقنية بقدر ما هي في تسييس تدفقات الإيرادات. وحتى الإفراج الجزئي عن هذه الأموال، إلى جانب تمديد علاقات البنوك المراسلة، يمكن أن يخفف بشكل كبير من حدة الأزمة المالية ويقلل من مخاطر الانهيار المؤسسي.
ثانياً، ينبغي توسيع نطاق التمويل الطارئ من المانحين الدوليين والمؤسسات المالية متعددة الأطراف لتوفير دعم سيولة قصير الأجل يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية، ويمنح الحكومة الفلسطينية مساحة زمنية لتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية ضرورية.
وعلى المدى المتوسط، هناك حاجة إلى تعميق اندماج فلسطين في النظام المالي الدولي، من خلال تعزيز التعاون مع مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية. وحتى في غياب السيادة الكاملة، توجد سوابق دولية مهمة. فدولة مثل كوسوفو، رغم خصوصية وضعها السياسي، استطاعت أن تصبح عضواً في مؤسسات مالية دولية رئيسية، ما أتاح لها الوصول إلى أدوات تمويل مبتكرة وأسهم في تعزيز قدرتها على الصمود الاقتصادي.
كما أن إعادة هيكلة جزء من الدين المحلي قد تساعد في تخفيف أعباء خدمة الدين المرتفعة التي تستنزف نسبة كبيرة من الإيرادات الشهرية المحدودة. ومن خلال تحويل جزء من هذه الديون إلى سندات طويلة الأجل مدعومة بآليات ضمان مناسبة، يمكن تخفيف الضغوط على السيولة وإعادة توجيه الموارد نحو النفقات الأساسية.
غير أن السؤال الأهم يبقى ما إذا كانت السلطة الفلسطينية قادرة على تحويل هذه الأزمة من مجرد إدارة للبقاء إلى فرصة لإطلاق إصلاحات هيكلية تعزز الاستدامة المالية. فإدارة الأزمات وحدها لا تكفي. بل يتطلب الاستقرار المالي على المدى الطويل إصلاحات في إدارة المالية العامة، بما يشمل توسيع القاعدة الضريبية وترشيد النفقات وتشجيع نمو استثمارات القطاع الخاص لتقليل الاعتماد على مصادر التمويل المتقلبة سياسياً.
في الحالة الفلسطينية، يصبح منع الانهيار هدفاً بحد ذاته. لكنه أيضاً شرط أساس لأي مسار مستقبلي نحو التعافي الاقتصادي وبناء مؤسسات قادرة على الصمود في بيئة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد.



