الكاتب : محمد زحايكة
يأخذنا فيلم فوق الثمانين النمساوي الذي عرض على شاشة سينما المسرح الوطني الفلسطيني- الحكواتي في القدس ضمن المنتدى الثقافي النمساوي، الى عوالم مدهشة ومثيرة للانطباع والوجدان وهو يعالج قضية انسانية تخص امرأة عجوز كانت ممثلة مسرحية مشهورة تخطت الثمانين من عمرها وتعاني من شعور الوحدة القاتل وتداعيات مرض السرطان الذي ينهش جسدها وخشيتها ان تمضي سنوات عمرها الاخيرة وحيدة تتعذب وقد تصل إلى مرحلة لا تعرف من هي ؟! ، لذلك تفكر بالانتحار من خلال ما يسمى "بالموت الرحيم"والذي يتحقق فقط من خلال زيارة مركز مختص في الدولة الجارة المجاورة سويسرا .
وما ان يعرف ابن شقيقها بنيتها هذه ، حتى يحاول ثنيها عن اخذ هذا القرار الخطير، ولكنها تتمكن من الهرب مع صديقة تعمل ممرضة تتعرف عليها في احد المراكز العلاجية. وخلال رحلة الهرب والملاحقة تتعرض السيدتان الى عدة مواقف قد تفسد خطة الممثلة الراغبة في الموت الرحيم نتيجة لاخطاء ترتكبها مرافقتها التي يتبين انها لا تحمل رخصة قيادة مما يعرضهما لحاجز شرطي نتيجة دخولهما الى مسلك خاطئ على الطريق السريع وهروبهما وتغيير اتجاه السير في مرة اخرى نتيجة ملاحقتهما من قبل ابن الاخ الذي يعمم على مراكز الشرطة والبوليس ان عمته تعرضت لحادث خطف على يد امرأة اخرى واضاعتهما الطريق في احدى المرات والوصول الى نزل في احدى الغابات بين الجبال الشاهقة و احتجازهما لفترة من الوقت على يد الشرطة ولكنهما تتمكنان من الفرار والتخلص من هذه المآزق حتى تصلان الى هدفهما في مدينة زيورخ السويسرية المقصد والهدف.
تقريبا هذا ملخص الفيلم الذي يعالج قضية انسانية وفلسفية وهي مرحلة خريف العمر ووصول الانسان الى خط النهاية، وهل عليه ان يعطي نفسه فرصة اخرى لعيش حياة معقولة في زمن الشيخوخة والمرض ام يستسلم لمشاعر الوحدة والعزلة والغضب والقلق النفسي والتفكير السلبي بوضع حد للحياة، وخلال هذا الصراع النفسي الذي ينتاب رفيقتا الرحلة المدهشة، تنجح الكاميرا السينمائية الرهيبة في إظهار جمال البلدين النمسا وسويسرا من جبال شاهقة وغابات خضراء وطرق سريعة بديعة ونظام حضاري راقي من استراحات ومطاعم ومرافق عامة على الطريق وخدمات مذهلة فيما يظهر دور الشرطة فعلا وحقا في خدمة الشعب. ربما لم يكن الفيلم يهدف الى الدعاية لجمال الطبيعة في تلك البلدان ولكنه حقق هذه النتيجة المبهرة من خلال المسار الذي سلكته رحلة المرأتان العجوزان وقدرتهما على تجاوز المآزق التي تصادفهما بطريقة بارعة وذكية وفيها سخرية وكوميديا الموقف.
وبما ان الفيلم يعالج قضية انسانية عنوانها الرئيس اقتراب نهاية الحياة والموت،فقد شدنا الفيلم على مدى تسعين دقيقة وعشنا لحظات من التعاطف الشديد وترقرق الدموع في حدقات العيون الى جانب الضحكات الناعمة على المواقف ذات الطبيعة الكوميدية غير المفتعلة والتي جاءت عفو الخاطر ومن جراء المواقف والاوضاع شبه المركبة التي اصطدمت بهما المرأتان وتمكنهما من الاستفادة من لغة المسرح والتمثيل في التملص من حواجز شرطة السير التي تعقبتهما نتيجة الشك في قصة الاختطاف المفتعلة.
فيلم فوق الثمانين ، جدير بالمشاهدة وهو مليء بالرسائل الانسانية والفلسفية في رحلة الانسان وصراعه مع الاخر في دروب الحياة الممتدة الى خريف العمر وهبوط الشيخوخة كضيف ثقيل محمل بالامراض ومؤذنا بالعذابات قبل الموت وخط النهاية الاخير. ولكن كما ألمحنا جاءت نهاية الفيلم مفعمة بالتفاؤل عندما يتم الاحتفاء بالممثلة وصديقتها على انجاز الاولى في عالم التمثيل والمسرح وعلى فلسفة الأخرى في مواجهة مرض القلب والشرايين الذي كانت تعاني منه واخفته عن الكثيرين، وكأنها تريد ان توصل رسالة ان ارادة الانسان هي التي تصنع صورة الحياة الايجابية القادرة على مواجهة كل التحديات.
الفيلم مدهش بكل المقاييس وهو يروي سيرة المرأة في هذا العصر التي ترسم من خلال مهرجانات سينما النساء والمرأة دورها في الحياة وقدرتها على اجتراح المنجزات للبشرية رغم الظلم التاريخي الذي مرت فيه مسيرة كفاح المرأة على سطح هذا الكوكب.
محليات



