رام الله - سندس علي - يتاجر متنفّذون إسرائيليون وعرب من المتعاونين مع الاحتلال في تصاريح أمنية، تسمى "00"، يجري بيعها مقابل مبالغ طائلة لعمال فلسطينيين .
- "عام وثلاثة أشهر بلا عمل ولا مصدر دخل لعائلتي المكونة من سبعة أفراد"، بهذه الكلمات يختصر العامل الخمسيني صبري محمد من مدينة طولكرم، معاناته منذ توقفه عن العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948 بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وكان صبري يعمل في قطاع البناء بمردود مادي ممتاز، لكن إغلاق المعابر حوّل حياته إلى سباق يومي لتأمين احتياجات أسرته، حتى استنزف كل مدخراته.
مع مرور الوقت، لم يجد خياراً سوى التسلل عبر الجدار الفاصل، بحثاً عن لقمة العيش، في رحلة محفوفة بالخطر انتهت بمبيت قاسٍ في غرف مكتظة، وهاجس دائم من المداهمات والاعتقال، ومع ازدياد التضييق ومخاطر العمل غير القانوني، وجد نفسه أمام خيار آخر لا يقل قسوة ألا وهو شراء تصريح يُعرف باسم "00" بمبلغ 45 ألف شيكل (13.770 دولاراً أميركياً)، عبر سمسار في الضفة الغربية، ليتمكّن من العودة إلى عمله.
تجربة صبري ليست حالة فريدة، فقصته تعكس معاناة الآلاف من العمال في الضفة الغربية، بعد أن تراجع عددهم بنسبة 86% منذ إغلاق السوق الإسرائيلية في وجههم، ما أدى إلى انهيار مدخولهم، خصوصاً في المحافظات التي اعتمد جزء كبير من سكانها على العمل داخل إسرائيل، وفق بيانات البنك الدولي المنشورة على موقعه الإلكتروني في 23 مايو/أيار 2024.
وعلى وقع هذه الأزمة، يكشف الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين عن وجود أكثر من 25 ألف تصريح أمني تحت بند "00" في أيدي العمال الفلسطينيين، يتركز معظمها في محافظات جنوب الضفة الغربية، خصوصاً الخليل وبيت لحم. يضيف الاتحاد أن هذه المناطق، تشتهر بأنشطتها التجارية، ومعظم المواطنين يعملون في الاستيراد والتصدير، ويحتاجون التنقل لإسرائيل بشكل كبير لتأمين بضائعهم وشحنها عبر البحر أو استلامها.
سلسلة الاتجار في تصاريح "00" ...
يطلق العمال على تصريح "00" (بالعبرية "היתר ביטחוני")، اسم "تصريح المخابرات" وهو تصريح أمني يُمنَح لفلسطينيين عبر السلطات الإسرائيلية، ويحصل عليه العمال وفق إجماع مصادر التحقيق عبر وسطاء، ويتيح لحامله الدخول والخروج عبر معابر إسرائيلية حتى في فترات الإغلاق، وقد يشمل الحق في المبيت، وهذا النوع من التصاريح تعطيه دولة الاحتلال لعدد من المتنفذين أو الذين قدموا خدمات استخباراتية، سواء كانوا من الإسرائيليين أو العرب المقيمين في الداخل، أو حتى من الطائفة الدرزية، مكافأة على الدور الذي لعبوه، ومعظمهم عملوا ضباطاً في مخابرات الاحتلال، وأنهوا خدماتهم في العمل، وهم بدورهم يبيعون حصتهم من التصاريح التي يمكن أن تتراوح بين 20 و30 تصريحاً لآخرين مقابل مبالغ طائلة، وهؤلاء يعيدون بيعها لسماسرة تصاريح في الضفة ليبيعونها للعمال.
وهذا التسلسل يكشفه سليم حمد، وهو اسم مستعار لسمسار متخصص ببيع التصاريح، وعلى رأسها "00"، ويرفض الكشف عن هويته تجنباً للمساءلة القانونية، وأكد في لقائه بمعدة التحقيق في مكتب خاص به في مدينة طولكرم، شمال الضفة، أن هذا النوع يكلف مبالغ كبيرة، وصلت إلى 60 ألف شيكل (18.360 دولاراً) خلال فترة الحرب، بسبب تهافت العمال عليه، بعد إيقاف جميع أنواع التصاريح الأخرى.
وهو مختلف عن أنواع التصاريح التي كانت تصدر بشكل قانوني للعمال الفلسطينيين بمختلف المجالات قبل الحرب، إذ تجاوز عددها 200 ألف تصريح في الضفة الغربية سنوياً، بحسب اتحاد النقابات العمالية الفلسطينية الجديدة في طولكرم، أما حالياً فلا يتجاوز عدد التصاريح القانونية للعمل 8 آلاف تصريح على مستوى الضفة، محصورة في قطاعات الخدمات مثل الفنادق، لكن هذه التصاريح باتت تصدر مباشرة من المشغل الإسرائيلي، بعد موافقة سلطات الاحتلال دون المرور بالارتباط المدني الفلسطيني منذ 7 أكتوبر، ويعمل حاملوها بقيود، إذ تُقلّهم سيارة من معابر محددة إلى الداخل تحت الرقابة الأمنية، بحسب توضيح مكتب الارتباط المدني في محافظة طولكرم، شمال الضفة الغربية.
أما تصريح "00" فالحصول عليه يستلزم سلوك مسار مختلف، وتقصى "العربي الجديد" عن خريطة العلاقات بين السماسرة، عبر شهادات ضحايا ومصادر رسمية، إذ يوضح العامل صبري أنه ومن خلال تواصله اليومي مع عدد من العمال الذين يشاركونه معاناة البحث عن لقمة العيش، توصّل إلى أحد السماسرة من مدينة جنين شمال الضفة، يعمل منذ سنوات في تجارة التصاريح، وأحياناً في تزويرها، لتمكين العمال من ولوج الداخل المحتل مقابل مبالغ باهظة يقسمها إلى أقساط شهرية تصل إلى 2600 شيكل (780 دولاراً تقريباً)، مشيراً إلى تقاسم السماسرة الفلسطينيين والإسرائيليين الأرباح فيما بينهم لكن الحصة الأكبر تذهب للطرف الإسرائيلي. وهذا الاستغلال مثبت في فترات ما قبل الحرب، وفق ما تؤكده وثيقة صادرة عن بنك إسرائيل عام 2019 تثبت أن مقاولين إسرائيليين مرخصين يستغلون حاجة العامل الفلسطيني ويبيعونه التصريح، بينما يدفع العامل الفلسطيني مبلغا يتراوح بين 1990 و2500 شيكل شهريًا مقابل استخدامه فقط، أي أن نحو 20% من أجره يذهب للتصريح فقط، "لكن الحاجة في هذه الظروف فاقمت استغلالهم" وفق حمد.
تحت رحمة الاحتلال ..
لا يمتلك العامل الفلسطيني ما يُثبت حيازته فعلياً تصريح "00"، إنما يُسجل إلكترونياً في نظام إدارة التصاريح لدى الشرطة الإسرائيلية، ويُكشف عنه عند الفحص الأمني، بحسب كل من صبري وحمد، ويمكن لسلطات الاحتلال الأمنية إلغاؤه في أي لحظة، ودون سابق إنذار، كما حدث لصبري، ليعود مرة أخرى بلا عمل بعد كل المبالغ التي تكبدها حتى إن المال الذي اشترى به التصريح أمنّه من خلال تمويل حصل عليه من وزارة العمل الفلسطينية لتأسيس مشروع لم يرَ النور، وذلك ضمن المساعدات التي قدمتها السلطة الفلسطينية لبعض العمال للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية.
تكرر الأمر مع العامل أديب خليل من مخيم طولكرم، ويحمل تصريحاً تحت بند "00"، قائلاً في روايته لـ"العربي الجديد": "بعد الحرب، ومع كل هذه الضغوط المعيشية، سعيت للحصول على أي تصريح للعمل في الداخل المحتل لتأمين لقمة عائلتي وتسديد ديوني المتراكمة خلال سنة ونصف، فاشتريت تصريح "00" لكن بعد خمسة أشهر، تلقيت اتصالاً من المُشغل الإسرائيلي يبلغني بإيقاف التصريح لأسباب غير واضحة". و"لا ضمانات على استمرار هذا النوع من التصاريح"، يقول حمد، إذ من الممكن أن يتوقف في أي لحظة، وفي حال حصل ذلك قد يخسر العامل أيضاً أجوره المتبقية عند المُشغل، ومن باب السخرية، يقول السمسار: "جيب أكم واحد من اللي بصلوا في الصف الأول في الجامع يدعي عليه"، ويقصد بذلك بأنه ما باليد حيلة في حال قرر المشغل إيقاف التصريح والاستغناء عن العامل الذي تكبد الكثير ماديًا واجتماعيًا من أجل العمل.
كما أوضح مدير مكتب التشغيل في مديرية العمل الفلسطينية في محافظة طولكرم سابقًا حسين الشيخ علي، وكذلك مدير عام الشؤون العامة في محافظة بيت لحم محمد الجعفري، بأن :"هذا التصريح لا ينطبق عليه أي من قوانين العمل التابعة لوزارتي العمل الفلسطينية والإسرائيلية، وبالتالي حامل هذا التصريح لا يحصل على أتعاب (مبلغ يحصل عليه العامل في نهاية خدمته) مقابل سنوات عمله في إسرائيل كباقي العمال حاملي تصاريح العمل أو التصاريح التجارية وغيرها، إضافة إلى عدم وجود تأمين صحي له في حال تعرض لإصابة عمل، أيضًا تصريح "00" يشكل حالة من الشبهة بالتخابر مع الاحتلال لحامله".
كل البدائل مرّة ...
في محاولة من العمال لتجنب المخاطرة بأموالهم في حال قرر المشغل إيقاف التصريح "00"، أو هرباً من الوصم لحامل تصريح أمني كهذا، ونأياً بأنفسهم عن أي ابتزاز من قبل المخابرات الإسرائيلية لحاملي هذا التصريح بالضغط عليهم لتقديم معلومات وخدمات مقابل استمرار سريانه، أصبح العمال يبحثون عن أي وسيلة أخرى تمكنهم من العبور إلى الجانب الآخر بشكل قانوني، ما فتح باب الاحتيال عليهم على مصراعيه، إذ تروج صفحات على "فيسبوك" برزت خلال الأزمة الحالية لقدرتها على تأمين تصاريح عمل زراعية وصناعية رصدت معدة التحقيق 5 منها، وقد يطلب المحتالون من العامل دفعة بقيمة 1000 شيكل مثلاً (260 دولاراً)، في الغالب يستدينها على أمل أن يستأنف عمله لكنه ينتظر على أحر من الجمر بلا جدوى، وبعد الدفع تتقطع كل سبل الاتصال بهم.
ووقع العامل زاهر طنينية من محافظة الخليل، ضحية هؤلاء المحتالين حين حاول جاهداً أن يجد أي فرصة لاستئناف عمله في البناء في الداخل، ما دفعه لتتبع الإعلانات التي يدعي ناشروها أن لديهم القدرة على تأمين تصريح أياً كان نوعه يمكنه من الدخول والبحث عن عمل، "في المرة الأولى تواصلت بمعلن عبر صفحة على فيسبوك تسمى Ask the Ram، وتلقيت رداً من شخص زعم أنه استخرج تصاريح لعدد من العمال، فطلب صورة عن هويتي، والتقيت به قرب معبر النفق في بلدة بيت جالا، غرب مدينة بيت لحم، واستلم مني 1500 شيكل (450 دولاراً) ثم اختفى". لم يطوِ طنينة الصفحة، فالمصاريف أثقلت ظهره، ليبدأ محاولاته للحصول على تصريح ثان، عبر التواصل مع صفحة أخرى، إذ زعم شخص أنه قادر على استخراج تصاريح أمنية مقابل مبلغ بسيط، فأعطاه 1200 شيكل (360 دولاراً) دفعة أولى، بينما قريب له تورط في دفع 21 ألف شيكل (6300 دولار) ومن بعدها اختفى. وبعض هؤلاء السماسرة يطلبون صورة هوية العامل ليحاولوا استخراج تصريح طبي لهم عبر تطبيق المنسق (تطبيق رسمي للخدمات الرقمية مثل متابعة طلبات التصاريح)، وسلك طنينة هذا الطريق لكنه رُفض، أما السمسار، فيطالبه حتى اليوم بدفع 500 شيكل مقابل محاولته فقط.
ما دور الجهات الفلسطينية؟ ...
شكّلت لجان من مجلس الوزراء لمحاربة ظاهرة استغلال العمال التي يقودها سماسرة التصاريح في كل المحافظات منذ عام 2020، وتضم اللجان أعضاء من الجهات ذات الاختصاص مثل المحافظة، والارتباط المدني الفلسطيني، والأجهزة الأمنية، ووزارة العمل، بحسب محافظ طولكرم اللواء عبد الله كميل، الذي يقرّ بأن عمل هذه اللجان قلّ في الآونة الأخيرة، بسبب إيقاف غالبية أنواع التصاريح مقارنة بما قبل الحرب، إنما سيعاد تفعيلها لحماية العامل "المغلوب على أمره"، وفق تعبيره، ومهما حاولت السلطات الفلسطينية ثنيه عن شراء تصاريح مثل "00" سيرضخ تحت ضغط الحاجة مع انعدام الفرص أمامه.
وما يُصعب ضبط الظاهرة أن العمال لا يتقدمون بأي شكوى لجهات الاختصاص للتبليغ عن تصريح كهذا، أو استغلالهم مادياً للحصول عليه، لأنهم سيتعرضون للمساءلة نتيجة ما ينطوي عليه التصريح من شبهة، وفق الجعفري، ومن الحالات النادرة التي يتذكرها أن عاملاً تقدم في بداية الحرب بشكوى إلى اللجنة في محافظة بيت لحم متهماً سمساراً باستغلاله، ولكن للأسف جرى توقيف السمسار في النيابة العامة لمدة 24 ساعة وأُفرج عنه لأنه يحمل الهوية الزرقاء الإسرائيلية، وهؤلاء من الصعب محاسبتهم عملياً، إذ يعترض الجانب الإسرائيلي على توقيفهم أو التحقيق معهم، ما يؤدي إلى صعوبات في تطبيق الولاية القضائية الفلسطينية، كما أن القانون يفتقر لأي بنود تُجرم هذا العمل.
وتوضح المحامية المتخصصة في القانون المدني والجنائي رنا عبيد، تعمل في مكتب خاص بمدينة طولكرم، أن التشريع هو المصدر الوحيد للقانون، وبالتالي "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني". ولا يتضمن قانون العقوبات الفلسطيني نصًا يجرّم الحصول على ما يُعرف بتصاريح "00". ومع ذلك، يمكن مواجهة الأمر، عبر النظر إلى نشاط إصدار التصاريح باعتباره مهنة تخضع لأحكام القانون، ما يستوجب الحصول على رخصة ومن ثم تنظيم العملية برمتها ومراقبتها تشريعيا.



