آراء

صوت المليوني فلسطيني في أراضي الـ48: هل تصنع المشاركة الانتخابية تحولاً في المشهد السياسي الإسرائيلي؟

79 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

الكاتبة : سلوى هديب

في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها إسرائيل، وتصاعد نفوذ التيارات اليمينية القومية والدينية، يبرز سؤال جوهري يستحق نقاشاً وطنياً وسياسياً عميقاً: هل تستطيع المشاركة الواسعة للمواطنين العرب الفلسطينيين في أراضي عام 1948 أن تُحدث تغييراً في موازين القوى، وأن تسهم في إزاحة اليمين المتطرف عن مواقع التأثير وصناعة القرار؟

إن هذا السؤال يتجاوز حدود صندوق الاقتراع، ليمسّ جوهر العلاقة بين المواطنة والهوية، وبين الحقوق السياسية والقدرة على التأثير في مستقبل المجتمع والدولة والسياسات المتبعة تجاه الشعب الفلسطيني بأكمله.

المليونا فلسطيني.. قوة مجتمعية لا يجوز تغييبها ..

يشكّل المواطنون العرب الفلسطينيون في أراضي عام 1948 جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني، يحملون هويتهم الوطنية وذاكرتهم التاريخية، ويتمسكون بحقهم في الأرض واللغة والثقافة والانتماء، وفي الوقت ذاته يمتلكون حقوقاً سياسية ومدنية تتيح لهم المشاركة في الانتخابات البرلمانية والمحلية.

ومن هنا، فإن أهمية هذه الكتلة البشرية لا تُقاس بأعدادها وحدها، بل بمدى قدرتها على تحويل حضورها الديمغرافي والاجتماعي إلى حضور سياسي مؤثر، يفرض القضايا التي تمسّ حياتها اليومية وحقوقها الوطنية والمدنية على جدول أعمال المؤسسات التشريعية والحكومية.

فالمشاركة الانتخابية ليست تنازلاً عن الهوية الفلسطينية، وليست بديلاً عن النضال الوطني، وإنما يمكن أن تكون إحدى أدواته السياسية والمدنية، متى ارتبطت ببرنامج واضح، ورؤية جماعية، ومحاسبة حقيقية للممثلين المنتخبين.

المقاطعة أم المشاركة؟ أين تكمن القدرة على التأثير؟ ..

على مدار السنوات الماضية، تذبذبت نسب المشاركة الانتخابية لدى المواطنين العرب، متأثرةً بعوامل متعددة، من بينها الانقسامات الحزبية، وتراجع الثقة بالمنظومة السياسية، والشعور بأن المشاركة لا تُترجم دائماً إلى تغيير ملموس في السياسات الحكومية.

وتكشف نتائج انتخابات الكنيست عام 2020 أن نسبة التصويت في البلدات العربية بلغت نحو 64.8%، وفازت القائمة المشتركة حينها بـ15 مقعداً. وفي انتخابات عام 2022، تراجعت نسبة المشاركة في البلدات العربية والدرزية إلى 53.2%، وفازت القائمتان العربيتان الرئيسيتان، العربية الموحدة والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة مع العربية للتغيير، بخمسة مقاعد لكل منهما، فيما لم تتجاوز قائمة التجمع الوطني الديمقراطي نسبة الحسم. وتوضح هذه النتائج كيف يمكن لاختلاف نسب المشاركة وتوزيع الأصوات أن يؤثرا في حجم التمثيل البرلماني. 

هذه التجربة تطرح تساؤلاً مهماً: ماذا لو ارتفعت المشاركة بصورة كبيرة، وترافقت مع تنسيق سياسي مسؤول وبرامج واضحة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة؟

من المؤكد أن المشاركة المرتفعة قد تعزز التمثيل العربي وتزيد القدرة على التفاوض والتأثير، لكن حجم التغيير الفعلي يظل مرتبطاً أيضاً بتوزيع أصوات بقية الناخبين، وطبيعة التحالفات الممكنة، ونظام تشكيل الحكومات، ومدى استعداد القوى السياسية الأخرى للتعاون مع الممثلين العرب.

وعليه، لا يجوز التعامل مع المشاركة بوصفها ضمانة آلية لإسقاط حكومة أو إزاحة تيار سياسي، بل باعتبارها فرصة لتعزيز الحضور السياسي وتوسيع هامش التأثير والمساءلة.

هل يمكن إحداث تغيير في موازين القوى؟ ..

إن مواجهة السياسات التي تتبناها تيارات اليمين القومي والديني لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى قراءة دقيقة للخريطة السياسية الإسرائيلية، وفهم المصالح الانتخابية للأحزاب المختلفة، وتحديد المساحات التي يمكن من خلالها الدفاع عن المساواة والحقوق والحريات.

وقد أظهرت التجربة السياسية الإسرائيلية أن الأحزاب العربية يمكن أن تؤدي أدواراً متفاوتة في التأثير على تشكيل الحكومات والقرارات البرلمانية، لكن هذه الأدوار ليست ثابتة، كما أن المشاركة في الائتلافات الحكومية لا تعني بالضرورة تحقيق جميع المطالب أو تغيير التوجهات الأساسية للحكومة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام القوى السياسية العربية والفلسطينية يتمثل في بناء تمثيل قوي وفاعل، يستند إلى إرادة الناخبين، وبرنامج سياسي واجتماعي واضح، ومواقف معلنة من القضايا الأساسية، وآليات تضمن عدم التفريط بالحقوق الوطنية مقابل مكاسب جزئية أو مؤقتة.

إن المطلوب ليس مجرد زيادة عدد المقاعد، بل تحويل هذه المقاعد إلى قدرة فعلية على مساءلة الحكومة، والدفاع عن حقوق المواطنين، والتصدي للتمييز، ومواجهة الجريمة والعنف، والمطالبة بالعدالة في توزيع الميزانيات والخدمات، وحماية الأرض والمسكن، وصون اللغة العربية والهوية الثقافية الفلسطينية.

وحدة الصف.. شرط لتعزيز التأثير ..

لا يمكن الحديث عن قوة انتخابية مؤثرة من دون التوقف عند أهمية العمل السياسي المشترك. فالانقسام بين الأحزاب العربية، وتضارب الحسابات التنظيمية، وتقديم المصالح الحزبية على الأولويات المجتمعية، قد يؤدي إلى تشتت الأصوات وإضعاف القدرة التفاوضية.

ولا تعني الوحدة المطلوبة إلغاء التعددية الفكرية والسياسية، بل الاتفاق على الحد الأدنى من القضايا المشتركة، وفي مقدمتها المساواة الكاملة، ومكافحة التمييز، ومواجهة الجريمة المنظمة، وحماية الأرض والمسكن، وتعزيز التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية، والدفاع عن الحقوق القومية والمدنية للمواطنين العرب الفلسطينيين.

كما أن بناء الثقة مع الجمهور يتطلب تجديد الخطاب السياسي، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء والطاقات الأكاديمية والمجتمعية، وتقديم خطاب واقعي يربط بين الثوابت الوطنية والاحتياجات اليومية للناس.

فالمواطن الذي يعاني من العنف أو الفقر أو التمييز يحتاج إلى أن يرى كيف يمكن لصوته الانتخابي أن يسهم في معالجة هذه القضايا، من دون أن يُطلب منه التخلي عن هويته أو مواقفه الوطنية.

من صندوق الاقتراع إلى مشروع سياسي أوسع ..

إن المشاركة الانتخابية الفاعلة لا ينبغي أن تكون نشاطاً موسمياً ينتهي بانتهاء يوم الانتخابات، بل جزءاً من مشروع سياسي ومجتمعي متكامل، يقوم على تنظيم المجتمع، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومراقبة أداء المنتخبين، وبناء شراكات مدنية مسؤولة، وتوسيع الحضور في النقابات والمؤسسات المحلية ومراكز صنع القرار.

كما أن مسؤولية التغيير لا تقع على المواطنين العرب وحدهم؛ فإحداث تحول في المشهد السياسي الإسرائيلي يتطلب أيضاً وجود قوى أخرى تؤمن بالمساواة، وتعارض التمييز والعنصرية، وتدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على إقصاء فئة من المواطنين أو الانتقاص من حقوق شعب آخر.

ومن الضروري كذلك التمييز بين إزاحة حكومة بعينها وبين تغيير السياسات التي تنتج التمييز أو تكرّس الصراع. فقد تتغير الحكومات وتبقى بعض السياسات قائمة، ما لم يتوافر ضغط سياسي ومجتمعي مستمر، ورؤية بديلة تستند إلى العدالة والمساواة واحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية.

المشاركة حق.. والتغيير مسؤولية جماعية ..

إن نحو مليوني فلسطيني في أراضي عام 1948 ليسوا رقماً عابراً في الحسابات الانتخابية، بل مجتمع له هويته وحقوقه ومطالبه وتطلعاته. ومن حقه أن يكون حاضراً في معادلة القرار، وأن يسعى إلى التأثير في السياسات التي تمسّ مستقبله ومستقبل أبنائه.

إن المشاركة الانتخابية الواسعة، حين تقترن بالوعي والتنظيم ووحدة الأولويات والمحاسبة، تستطيع أن تعزز التمثيل العربي وتزيد كلفة تجاهل مطالبه، وقد تسهم في تغيير موازين القوى إذا توافرت الظروف السياسية والتحالفات اللازمة. لكنها لا تكفي وحدها لضمان إزاحة اليمين المتطرف أو إنهاء السياسات التي يعترض عليها الفلسطينيون.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح القوى السياسية العربية في تحويل ثقلها المجتمعي إلى مشروع سياسي موحد وفاعل، يحمي الهوية الفلسطينية، ويدافع عن الحقوق المدنية والقومية، ويشارك بوعي في معركة الديمقراطية والمساواة؟

إن الرهان الحقيقي ليس على صندوق الاقتراع وحده، بل على الإنسان الفلسطيني الذي يعرف حقوقه، ويتمسك بهويته، ويُحسن استخدام أدواته السياسية، ويواصل نضاله من أجل الحرية والكرامة والعدالة.

فالصوت الذي يُغيَّب يفقد فرصة التأثير، أما الصوت الواعي والمنظم، فيمتلك فرصة أكبر لفرض حضوره في معادلة القرار.