آراء

السلم الأهلي صمام أمان المجتمعات.. جريمة كنيسة حمود جرس إنذار في وجه العنف والطائفية والكراهية

193 مشاهدة قراءة 13 دقيقة

الكاتب : اللواء بشار الخطيب

ليس السلم الأهلي مجرد شعار يُرفع في المناسبات،بل هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الآمنة والمتماسكة، والضمانة الحقيقية لحماية الأوطان من الانزلاق إلى دوامات العنف والانقسام والاقتتال. فحين يسود الاحترام المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد، وتُصان كرامة الإنسان وحقوقه، ويصبح الاختلاف في الدين أو المذهب أو الفكر مصدر غنى وتنوع، لا ذريعة للعداء والإقصاء، تتعزز مناعة المجتمع ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحديات.

أما حين تتراجع قيم التسامح، وتتصاعد خطابات الكراهية والتحريض، ويُستبدل الحوار بالتعصب، فإن الخطر لا يعود مقتصراً على الأفراد الذين يمارسون العنف، بل يمتد ليصيب النسيج الاجتماعي بأكمله، ويهدد استقرار الدول ومستقبل الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، تأتي الجريمة الدموية التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، يوم الجمعة الأخير وأسفرت، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة العشرات، لتشكل محطة مؤلمة تستوجب وقفة جادة ومسؤولة أمام مخاطر التطرف والإرهاب ومحاولات المساس بأمن المجتمعات ووحدتها.

إن استهداف المصلين والمشيعين داخل دار عبادة، في لحظة إنسانية يفترض أن يسودها الحزن والسكينة والرحمة، يمثل اعتداءً على الحق في الحياة وحرية العبادة وكرامة الإنسان، ويتجاوز في دلالاته حدود المكان والزمان، ليصيب القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع البشر على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم.

إن دماء الضحايا الأبرياء ليست رقماً في نشرة أخبار، بل حكايات أسر فقدت أبناءها، وبيوت خيم عليها الحزن، ومجتمع وجد نفسه أمام جريمة تستهدف أمنه وطمأنينته. ومن هنا، فإن إدانة هذا الاعتداء يجب أن تكون واضحة وصريحة، وأن تقترن برفض كل خطاب أو ممارسة تسعى إلى تحويل الاختلاف الديني أو المذهبي إلى مبرر للقتل أو التمييز أو الكراهية.

إن ما جرى في بلدة حمود يذكرنا بأن السلم الأهلي ليس مسؤولية المؤسسات الأمنية وحدها، على الرغم من أهمية دورها في حماية المواطنين وملاحقة مرتكبي الجرائم وإنفاذ القانون، وإنما هو مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة تتطلب تضافر جهود الدولة والمؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب مسؤولية الأسرة والفرد.

فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بغياب السلاح من الشوارع، بل يحتاج إلى بيئة اجتماعية يشعر فيها كل إنسان بأنه متساوٍ مع الآخرين في الحقوق والواجبات، وأن كرامته مصونة، وأن معتقده الديني أو خلفيته الاجتماعية لا يمكن أن يكونا سبباً لاستهدافه أو الانتقاص من مواطنته.

والمجتمعات الفلسطينية والعربية، بما تمتلكه من تاريخ طويل من التفاعل الحضاري والتنوع الديني والثقافي، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتمسك بهذه الحقيقة، والعمل على تحويلها إلى ممارسة يومية في المؤسسات والمدارس والجامعات وأماكن العمل ودور العبادة والفضاء الرقمي.

لقد عاشت مجتمعات عربية كثيرة، على امتداد تاريخها، نماذج متعددة من التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وبين أبناء المذاهب والتيارات المختلفة، وأسهم هذا التنوع في بناء المدن والقرى وصناعة الثقافة المشتركة وترسيخ تقاليد التضامن الاجتماعي. ولم تكن الاختلافات الدينية في جوهرها عائقاً أمام الشراكة الوطنية، بل كانت الحياة المشتركة دليلاً على أن الإنسان يستطيع أن يحافظ على خصوصيته الدينية والثقافية، وفي الوقت نفسه ينتمي إلى وطن واحد ويشارك أبناءه في بناء مستقبله.

لكن هذه التجارب لا يمكن أن تستمر بصورة تلقائية إذا غابت الحماية القانونية، وضعفت التربية على التسامح، وانتشرت خطابات التحريض والتكفير، واستُخدمت الهويات الدينية والمذهبية لتقسيم المجتمع إلى جماعات متصارعة.

ومن هنا، فإن حماية السلم الأهلي تبدأ من ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، الذي يجعل الانتماء إلى الوطن أساساً للشراكة، ويضمن لكل مواطن حقوقه وحرياته، بعيداً عن أي تمييز على أساس الدين أو المذهب أو الأصل أو الانتماء الاجتماعي.

وفي فلسطين، تكتسب قضية السلم الأهلي أهمية استثنائية، في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من احتلال وحصار واعتداءات وتهجير وضغوط اقتصادية واجتماعية، وما تتركه هذه الظروف من آثار عميقة على حياة المواطنين واستقرارهم النفسي والاجتماعي.

فالشعب الفلسطيني، الذي يتمسك بحقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، يحتاج إلى تعزيز وحدته الوطنية وصون نسيجه الاجتماعي، بما يضمن بقاء القضية الوطنية فوق كل الاعتبارات الفئوية والحزبية والمذهبية، ويمنع استنزاف طاقاته في خلافات داخلية لا تخدم مصالحه العليا.

لقد شكّل المسلمون والمسيحيون الفلسطينيون، عبر أجيال متعاقبة، جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الفلسطينية، وأسهموا معاً في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وفي الدفاع عن الأرض والحقوق الوطنية. وكانت القدس، بما تضمه من مقدسات إسلامية ومسيحية، شاهداً حياً على عمق هذه الشراكة التاريخية، وعلى أن حماية المقدسات وحرية العبادة وصون كرامة الإنسان قضايا مترابطة لا يمكن فصلها عن بعضها بعضاً.

ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء على مواطن بسبب دينه أو مذهبه، أو أي محاولة لبث الكراهية بين أبناء المجتمع الفلسطيني، تمثل مساساً بوحدة الشعب ومصالحه الوطنية. كما أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب خطاباً وطنياً جامعاً يرفض التحريض والتكفير، ويؤكد أن الاختلاف السياسي أو الفكري لا يبرر العنف، وأن الخلافات الداخلية يجب أن تُعالج بالحوار والاحتكام إلى القانون واحترام حقوق الآخرين.

إن صون السلم الأهلي في فلسطين لا ينفصل عن مقاومة كل أشكال التمييز والإقصاء، وعن حماية المؤسسات الوطنية والاجتماعية، وتعزيز ثقافة الشراكة والمسؤولية، وترسيخ حق الجميع في المشاركة في الحياة العامة دون خوف أو تهديد.

أما على المستوى العربي، فإن التجارب التي شهدتها بعض البلدان من صراعات داخلية وأعمال عنف على خلفيات طائفية ومذهبية تقدم دروساً قاسية بشأن النتائج التي يمكن أن تترتب على انهيار الثقة بين مكونات المجتمع.

فعندما تتحول الخلافات إلى صراعات هوياتية، وتُستخدم المعتقدات الدينية لتبرير العنف، تتعرض المؤسسات العامة للتفكك، وتتراجع فرص التنمية، وتتضرر الاقتصادات المحلية، وتُهجّر الأسر من مناطقها، وينشأ لدى الأجيال الجديدة شعور بالخوف وانعدام الثقة بالآخر.

كما أن انتشار خطاب الكراهية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي قد يحوّل الشائعات إلى أدوات للتحريض، ويمنح الأفكار المتطرفة مساحة للتأثير في الشباب، خصوصاً عندما تقترن هذه الخطابات بالتهميش أو الفقر أو ضعف الوعي أو غياب المساءلة القانونية.

ومن هنا، فإن حماية المجتمعات العربية من العنف تتطلب معالجة جذور المشكلة، لا الاكتفاء بإدانة نتائجها. ويشمل ذلك تعزيز سيادة القانون، وتكريس استقلال المؤسسات، وضمان العدالة والمساواة، ومواجهة التحريض على أساس ديني أو مذهبي، وتطوير البرامج التعليمية التي تعزز التفكير النقدي وقبول الاختلاف، وتوسيع فرص مشاركة الشباب في الحياة العامة.

ولا بد كذلك من التأكيد أن مواجهة التطرف لا تعني استهداف دين أو مذهب أو جماعة بعينها، بل تعني مواجهة الأفكار والممارسات التي تبرر الاعتداء على الآخرين أو تنزع عنهم حقهم في الحياة والكرامة والأمان.

فلا يجوز تحميل جماعة دينية أو مذهبية بأكملها مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد، كما لا يجوز استخدام الجرائم الفردية لإشعال مشاعر الانتقام أو تأجيج الانقسامات. إن العدالة تقوم على المسؤولية الفردية والأدلة والقانون، لا على التعميم والتحريض والعقاب الجماعي.

إن من أخطر ما تواجهه المجتمعات أن يُستغل الدين لتبرير أعمال تناقض جوهر القيم الإنسانية التي تدعو إليها الرسالات السماوية، وأن يتحول الإيمان من مصدر للرحمة والتكافل إلى أداة لتصنيف البشر أو التحريض عليهم.

فالإسلام والمسيحية، على اختلاف تعاليمهما وخصوصياتهما العقدية، يلتقيان في قيم إنسانية جوهرية، من بينها الرحمة والتضامن واحترام الإنسان والدعوة إلى الخير. ولا يجوز لمن يمارس القتل أو يستهدف الأبرياء أن يمنح جريمته شرعية دينية، أو أن يختبئ خلف الشعارات والمعتقدات لتبرير سفك الدماء.

إن استهداف كنيسة حمود لا يمس المسيحيين وحدهم، بل يمس كل مسلم ومسيحي وكل إنسان يؤمن بحق الآخرين في الحياة والعبادة والأمان. فالاعتداء على دار عبادة هو اعتداء على حرية المعتقد، ومحاولة فرض الخوف على جماعة دينية هي تهديد لمبدأ التعايش الذي تحتاج إليه المجتمعات كافة.

رحم الله شهداء الكنيسة والهم ذويهم الصبر والسلوان وحسن العزاء وتعازينا الحارة للعاهل الاردني الملك عبد الله الثاني وللأسرة الهاشمية ونؤكد في هذا المقام ان الدم الفلسطيني والاردني هو دم واحد والمصاب واحد والمصير مشترك لذا فاننا معا وسويا ويدا بيد نحو تعزيز تماسك مجتمعنا ونبذ الجريمة والعنف والطائفية والمذهبية السقيمة التي لا تؤدي الا الى مثل ما جرى في الكنيسة الآمنة .

*مسؤول ملف السلم الاهلي في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس