الكاتب : أمجد الأحمد
تدخل إسرائيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في ظل انقسام سياسي عميق، وتنافس على مستقبل قيادة بنيامين نتنياهو، وصعود غادي أيزنكوت بوصفه أحد أبرز منافسيه، إلى جانب نفتالي بينيت ويائير لابيد وأفيغدور ليبرمان. ولا تقتصر أهمية هذه الانتخابات على تحديد الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ستنجح إسرائيل في تشكيل حكومة تتمتع بأغلبية برلمانية متماسكة، وقادرة على الاستمرار أربع سنوات، أم ستدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي؟
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن النظام البرلماني الإسرائيلي يقوم على الائتلافات، ولأن استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات لا تمنح أي معسكر ضمانة واضحة بالحصول على الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست. كما أن الخلافات بين الأحزاب لا تتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية وحده، بل تشمل قضايا الأمن والحرب، والعلاقة مع الفلسطينيين، وإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، والاقتصاد، وطبيعة الدولة ومؤسساتها.
أولاً: السيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة
1. استمرار حكم نتنياهو بتحالف مع اليمين والأحزاب الدينية
يبقى احتمال عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة قائماً، حتى إذا لم يحصل حزبه، الليكود، على المركز الأول. فالعامل الحاسم في النظام الإسرائيلي ليس ترتيب الأحزاب منفردة، بل قدرة زعيم سياسي على جمع أغلبية برلمانية تدعم حكومته.
وقد يسعى نتنياهو إلى إعادة بناء تحالف يضم الليكود، وأحزاب الصهيونية الدينية واليمين المتطرف، وشاس ويهدوت هتوراه، مستفيداً من تقارب هذه الأحزاب في ملفات الدين والهوية والأمن. لكن هذا السيناريو يواجه مشكلة حسابية وسياسية: إذا بقي مجموع المعسكر دون 61 مقعداً، فلن تكفي إعادة توزيع الحقائب الوزارية أو تقديم تنازلات لشركائه التقليديين.
وقد يحاول نتنياهو استقطاب نواب من أحزاب أخرى، أو الاستفادة من انقسامات المعارضة، أو إقناع بعض القوى الوسطية بالمشاركة في حكومة طوارئ أو وحدة وطنية. غير أن استمرار الخلافات حول مسؤوليته السياسية عن إخفاقات 7 أكتوبر 2023، ومستقبل الحرب، وعلاقته بالمؤسسات القضائية، قد يحد من قدرته على توسيع ائتلافه.
2. حكومة تغيير بقيادة غادي أيزنكوت
يمثل هذا السيناريو أحد أبرز البدائل المطروحة، إذا تمكن أيزنكوت من توحيد الأحزاب المناهضة لاستمرار نتنياهو في الحكم. وقد تتشكل الحكومة من حزب «يَشار» بقيادته، وتحالف «معاً» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، وحزب الديمقراطيين، وإسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان.
ويمتلك هذا التشكيل، نظرياً، فرصة لجمع قوى من الوسط واليمين المعارض واليسار الصهيوني حول برنامج يركز على إعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وإصلاح منظومة الأمن، وتقاسم أعباء الخدمة العسكرية، وإدارة الاقتصاد، وتحسين علاقات إسرائيل الدولية.
لكن التحدي الرئيس هو أن هذه الأحزاب ليست كتلة متجانسة. فبينيت يمثل تياراً يمينياً قومياً، بينما ينتمي لابيد إلى الوسط الليبرالي، ويطرح ليبرمان مواقف متشددة في بعض الملفات الأمنية والدينية، في حين يميل أيزنكوت إلى تقديم نفسه بوصفه مرشحاً ذا خبرة عسكرية وأمنية قادراً على بناء توافق أوسع.
وعليه، فإن نجاح أيزنكوت لن يتوقف على عدد المقاعد التي يحصل عليها حزبه وحده، بل على قدرته على تقديم اتفاق ائتلافي يطمئن الشركاء المختلفين، ويمنع تحول الخلافات حول الدين والأمن والفلسطينيين إلى أزمات تهدد بقاء الحكومة.
3. حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية
قد تشكل الأحزاب العربية عاملاً حاسماً إذا تعذر على أي من المعسكرين تأمين الأغلبية بمفرده. ويمكن أن يتمثل دورها في دعم حكومة تغيير من خارج الائتلاف، مقابل التزامات تتعلق بمكافحة الجريمة، وتطوير البلدات العربية، وتقليص الفجوات الاقتصادية، وتحسين الخدمات العامة.
إلا أن هذا الخيار يواجه عقبات سياسية كبيرة، إذ تتحفظ قطاعات من الأحزاب الصهيونية على الاعتماد البرلماني على الأحزاب العربية، ولا سيما في القضايا المتعلقة بالحرب والأمن والعلاقة مع الفلسطينيين. كما أن مواقف الأحزاب العربية نفسها ليست متطابقة بشأن المشاركة في الحكومة أو الاكتفاء بدعمها من الخارج.
وإذا تحقق هذا السيناريو، فقد يوفر للحكومة أغلبية برلمانية أو شبكة دعم كافية لتمرير بعض القوانين والموازنات. لكنه لن يضمن تلقائياً الاستقرار لأربع سنوات، لأن استمرار الدعم سيتوقف على مدى التزام الحكومة بتعهداتها، وعلى قدرتها على احتواء الخلافات بشأن الحرب والاستيطان والحقوق المدنية والسياسية.
4. حكومة وحدة وطنية أو حكومة طوارئ
قد يصبح خيار حكومة الوحدة مطروحاً إذا أخفق نتنياهو وأيزنكوت في تشكيل ائتلاف مستقر، أو إذا فرضت ظروف أمنية استثنائية توسيع قاعدة الحكومة.
ويمكن أن تقوم هذه الحكومة على اتفاق بين الليكود وقوى من الوسط واليمين المعارض، مع استبعاد بعض الأحزاب الأكثر تشدداً، أو على صيغة لتقاسم السلطة بين نتنياهو وأحد منافسيه. غير أن حكومة الوحدة لا تعني بالضرورة وجود توافق سياسي حقيقي؛ فقد تكون مجرد تسوية مؤقتة لتجنب انتخابات جديدة أو لمواجهة أزمة أمنية.
ويواجه هذا السيناريو عقبة أساسية تتمثل في أزمة الثقة بين نتنياهو وخصومه، فضلاً عن احتمال رفض شركائه اليمينيين أي اتفاق يحد من نفوذهم. وفي المقابل، قد يرفض أيزنكوت أو بينيت المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو، إذا رأيا أن ذلك يتعارض مع تعهداتهما الانتخابية.
لذلك، تظل حكومة الوحدة احتمالاً يمكن أن ترتفع فرصه بعد فشل المفاوضات الأولى، لكنه ليس حلاً مضموناً لمشكلة الاستقرار.
5. استمرار الأزمة والذهاب إلى انتخابات جديدة
إذا لم يتمكن أي طرف من تشكيل أغلبية، أو إذا تشكلت حكومة ضيقة سرعان ما تفقد دعم أحد شركائها، فقد تدخل إسرائيل في أزمة سياسية جديدة تنتهي بحل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
ولا يعني حصول حزب على أكبر عدد من المقاعد أنه قادر بالضرورة على تشكيل الحكومة، كما أن فشل مرشح أول في المفاوضات لا يؤدي فوراً إلى انتخابات جديدة؛ إذ تسمح الإجراءات الدستورية بمحاولات إضافية لتشكيل الحكومة.
ويظل هذا السيناريو مهماً لأن الأحزاب الإسرائيلية قد تفضل أحياناً انتخابات جديدة على تقديم تنازلات جوهرية لشركائها، خصوصاً إذا اعتقدت أن ميزان القوى سيتغير لمصلحتها.
ثانياً: ما الذي قد يمنع الحكومة المقبلة من إكمال أربع سنوات؟
1. هشاشة الأغلبية البرلمانية
إن الحصول على 61 مقعداً لا يضمن وحده الاستقرار. فالحكومة التي تقوم على أغلبية ضئيلة قد تصبح رهينة حزب صغير أو عدد محدود من النواب، يستطيعون تعطيل الموازنة أو التهديد بالانسحاب أو إسقاط الحكومة.
وتزداد المخاطر إذا تشكل الائتلاف من أحزاب متباينة أيديولوجياً، لا يجمعها إلا الاتفاق على منع نتنياهو من العودة، أو الاتفاق على إبقائه في الحكم. ففي الحالتين، قد تتراجع وحدة الائتلاف عندما تبدأ الخلافات حول السياسات الفعلية.
2. أزمة تجنيد الحريديم
ستكون قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية واحدة من أكثر القضايا حساسية. فالمؤسسة العسكرية قد تحتاج إلى توزيع أوسع لأعباء الخدمة في ظل التحديات الأمنية، بينما تتمسك الأحزاب الحريدية بالحفاظ على امتيازات قواعدها الاجتماعية والدينية.
وقد تؤدي محاولة سن قانون جديد للتجنيد إلى أزمة ائتلافية، سواء داخل حكومة نتنياهو بسبب اعتراض الأحزاب الدينية، أو داخل حكومة تغيير بسبب اختلاف مواقف مكوناتها من الحلول الممكنة.
ولا تقتصر هذه القضية على الجانب العسكري، بل تمتد إلى العدالة الاجتماعية، والميزانية، ومكانة الدين في الدولة، ما يجعلها اختباراً حقيقياً لقدرة أي حكومة على اتخاذ قرارات غير شعبية.
3. الخلافات بشأن الفلسطينيين والضفة الغربية وغزة
ستواجه الحكومة المقبلة خيارات صعبة بشأن مستقبل غزة، وإدارة الوضع الأمني، وإعادة الإعمار، والضفة الغربية، والاستيطان، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية. وقد يؤدي أي تحرك نحو تسوية سياسية إلى مواجهة مع أحزاب اليمين القومي والديني، في حين أن استمرار الحرب أو التوسع في الإجراءات الأحادية قد يزيد عزلة إسرائيل الدولية ويعمق التوترات الأمنية.
وفي حكومة يقودها أيزنكوت أو بينيت، ستكون المسألة هي مدى القدرة على الجمع بين المواقف الأمنية المتشددة وبين ضغوط الوسط واليسار من أجل تغيير السياسات. أما حكومة نتنياهو، فقد تواجه صعوبات في التوفيق بين مطالب شركائه الأكثر تطرفاً ومتطلبات العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية.
4. احتمال التصعيد الإقليمي
قد تتعرض الحكومة المقبلة لاختبارات أمنية مرتبطة بإيران، ولبنان، وسوريا، وغزة، أو بتطورات إقليمية غير متوقعة. وقد يؤدي تصعيد واسع إلى تعزيز التماسك الداخلي بصورة مؤقتة، لكنه قد يتحول إلى مصدر خلاف إذا طالت الحرب، وارتفعت تكاليفها البشرية والاقتصادية، أو اتسعت الفجوة بين أهداف الحكومة والنتائج الميدانية.
ومن ثم، فإن قدرة الحكومة على الاستمرار ستتوقف جزئياً على نجاحها في صياغة استراتيجية أمنية واضحة، وتحديد أهداف قابلة للتحقيق، ومنع تحول القرارات العسكرية إلى صراعات داخلية بين مكونات الائتلاف.
5. الاقتصاد وكلفة الحروب
ستواجه الحكومة تحديات تتعلق بعجز الموازنة، والإنفاق الدفاعي، وخدمة الاحتياط، وتكاليف إعادة الإعمار، والاستثمار، وغلاء المعيشة، والضرائب، والخدمات الاجتماعية.
وإذا اضطرت الحكومة إلى رفع الضرائب أو تقليص الإنفاق الاجتماعي لتمويل الالتزامات الأمنية، فقد تواجه اعتراضات شعبية وبرلمانية. كما أن تراجع النمو أو ارتفاع البطالة قد يضعف الدعم الشعبي للأحزاب المشاركة فيها.
وقد تتفاقم المشكلة إذا فرض الشركاء الائتلافيون مطالب مالية متعارضة، بحيث يصبح تمرير الموازنة اختباراً سنوياً لقدرة الحكومة على البقاء.
6. القضاء والمؤسسات الديمقراطية
ستظل العلاقة بين الحكومة والجهاز القضائي ومؤسسات الرقابة من الملفات القادرة على تفجير صراعات داخلية. فمحاولات تغيير قواعد عمل القضاء أو توزيع الصلاحيات بين السلطات قد تعيد الاستقطاب المجتمعي إلى الواجهة، وتدفع قطاعات واسعة إلى الاحتجاج.
كما أن أي أزمة تتعلق بالمسؤولية السياسية عن الإخفاقات الأمنية أو بالثقة في القيادة قد تتحول إلى ضغط مستمر على الحكومة، خصوصاً إذا لم تنجح في تقديم إجابات مقنعة بشأن المحاسبة والإصلاح.
7. أزمة القيادة داخل الائتلاف
قد يكون التحدي الأعمق هو التنافس على القيادة نفسها. فإذا عاد نتنياهو إلى الحكم، فسيظل مطالباً بإرضاء شركائه مع الحفاظ على سلطته داخل الليكود. وإذا تولى أيزنكوت أو بينيت رئاسة الحكومة، فقد تظهر خلافات حول من يحدد السياسة الأمنية والاقتصادية، ومن يملك القرار النهائي في الملفات الحساسة.
ويمكن لاتفاقات التناوب على رئاسة الحكومة أو توزيع الوزارات السيادية أن تسهّل تشكيل الائتلاف، لكنها قد تتحول إلى مصدر صراع عند أول أزمة كبيرة.
ثالثاً: هل تستطيع الحكومة المقبلة إكمال أربع سنوات؟
من الناحية القانونية، تبلغ مدة ولاية الكنيست أربع سنوات، لكن ذلك لا يعني أن الحكومة ستستمر بالضرورة طوال هذه المدة. فقد تستقيل الحكومة، أو تفقد ثقة الكنيست، أو يُحل البرلمان قبل انتهاء ولايته وفق الإجراءات القانونية.
ولذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من الاستقرار:
● الاستقرار العددي: امتلاك أغلبية برلمانية تسمح بتشكيل الحكومة وتمرير الموازنة.
● الاستقرار السياسي: وجود اتفاق حقيقي بين الشركاء على القضايا الكبرى، لا مجرد اتفاق على توزيع المناصب.
● الاستقرار الاستراتيجي: قدرة الحكومة على إدارة الحرب والسلام والاقتصاد والعلاقات الدولية دون أن تؤدي قراراتها إلى تفكك الائتلاف.
وقد تمتلك الحكومة المستوى الأول من دون الثاني والثالث، فتنجح في بداية ولايتها ثم تنهار أمام أول أزمة كبيرة. أما الحكومة التي تنجح في بناء برنامج مشترك وتوزيع عادل للأعباء، فقد تتمكن من الاستمرار حتى لو لم تكن أغلبية مقاعدها واسعة.
وفي المحصلة لن تكون الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر 2026 مجرد منافسة بين نتنياهو وأيزنكوت، بل اختباراً لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج قيادة مستقرة بعد سنوات من الاستقطاب والحروب والأزمات الداخلية.
ويظل السيناريو الأكثر تعقيداً هو تشكيل حكومة بأغلبية ضيقة ومتعددة الأطراف، سواء بقيادة نتنياهو أو بقيادة أيزنكوت أو بينيت. فالأغلبية العددية قد تفتح الباب أمام تشكيل الحكومة، لكنها لا تحل تلقائياً الخلافات بشأن التجنيد، والاستيطان، والفلسطينيين، والاقتصاد، والقضاء، والسياسة الأمنية.
وفي التقدير النهائي، فإن قدرة الحكومة المقبلة على إكمال أربع سنوات ستتوقف على ثلاثة شروط رئيسية: وجود أغلبية برلمانية متماسكة، والتوصل إلى تسوية داخلية بشأن القضايا الدينية والأمنية والاقتصادية، وتجنب تصعيد إقليمي واسع يستنزف الموارد ويعمق الانقسام السياسي.
وفي حال استمرار الخلافات الجوهرية من دون حلول، فإن تشكيل الحكومة لن يكون نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة من اختبار قدرتها على البقاء. وقد يصبح السؤال الأهم بعد الانتخابات ليس من سيحكم إسرائيل، بل ما إذا كان أي ائتلاف قادر على تحويل الفوز البرلماني إلى حكم مستقر ومستدام.
اذن إسرائيل مقبلة على مرحلة صعبة لن تقل نتائجها على الانتخابات التي حصلت في العام ١٩٧٧ والذي أطلق على هذه الانتخابات بالانقلاب السياسي على حزب العمل الحزب المؤسس لدولة إسرائيل في العام ١٩٤٨ .
*محلل للشؤون الاسرائيلية

