الكاتب : د بسام سعيد
حين نتحدث عن طلبة جامعات غزة في ظل الحرب ، فإننا نتحدث عن جيل لم تتعطل دراسته فحسب، بل تبدّلت حياته وأولوياته، وأصبح الصراع من أجل البقاء جزءًا من رحلته نحو العلم والمستقبل، جيل وجد نفسه يعيش واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوة في التاريخ المعاصر. فالحرب لم توقف العملية التعليمية فقط، بل أعادت تشكيل حياة الطالب الجامعي بالكامل، وغيّرت سلم أولوياته، وفرضت عليه أن يتعلم كيف يحمي حياته وأسرته قبل أن يفكر في المحاضرات والامتحانات ومشاريع التخرج.
قبل الحرب، كانت الجامعة بالنسبة للطالب الغزي مساحة للحياة بقدر ما كانت مكانًا للتعلم. هناك كان يلتقي أصدقاءه، ويختلف مع زملائه في النقاشات، ويشارك في الأنشطة الطلابية، ويجلس في المكتبة ساعات طويلة، ويحلم بوظيفة أو بمنحة دراسية أو بإكمال دراساته العليا. كانت الجامعة تمثل نافذة على العالم، ومساحة يشعر فيها الطالب أن المستقبل، رغم الحصار، ما زال ممكنًا. لذلك فإن تدمير الجامعات لم يكن مجرد تدمير لمبانٍ وقاعات ومختبرات، بل كان محاولة لقطع العلاقة بين الإنسان ومستقبله، وبين المجتمع وأحد أهم مصادر إنتاج المعرفة.
ومع امتداد الحرب، وجد آلاف الطلبة أنفسهم نازحين من مكان إلى آخر، يحملون ما استطاعوا حمله من حاجيات بسيطة، بينما بقيت كتبهم ودفاترهم وأجهزتهم تحت الأنقاض أو في منازل لم يعد الوصول إليها ممكنًا. بعضهم فقد أسرته، وبعضهم فقد أصدقاءه أو أساتذته، وآخرون فقدوا الإحساس بالاستقرار الذي يحتاجه أي طالب حتى يستطيع أن يركز أو يقرأ صفحة واحدة. لقد أصبح القلق والخوف والجوع جزءًا من الحياة اليومية، وهي ظروف تجعل الحديث عن الدراسة ترف ويبدو أحيانًا وكأنه حديث عن زمن بعيد.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت الانتباه هو أن هوية الطالب الجامعي لم تختفِ. ففي الخيام ومراكز الإيواء، ما زال الطلبة يتحدثون عن تخصصاتهم، ويتساءلون عن جامعاتهم، ويتابعون أخبار زملائهم، ويحاولون الحصول على أي فرصة للتعلم عن بُعد كلما توفرت الكهرباء أو شبكة الإنترنت. وبعضهم يحتفظ ببطاقته الجامعية أو بصورة التقطها في حرم الجامعة، ليس لأنها مجرد ذكرى، بل لأنها تمثل جزءًا من هويته الشخصية، ودليلًا على أن له حياة كانت مليئة بالطموحات قبل أن تقتحمها الحرب. ولو تحدثنا من منظور اجتماعي، يمكن القول ان هذه الحرب كشفت أن الطالب الجامعي ليس مجرد متلقٍ للمعرفة، بل هو أيضًا فرد داخل أسرة ومجتمع يتحمل أدوارًا متعددة. فكثير من الطلبة أصبحوا مسؤولين عن توفير الماء والغذاء، وحتى التحطيب وصولا الى رعاية الأطفال وكبار السن، أو الوقوف لساعات طويلة في طوابير المساعدات والتكايا أو امتهان اعمال لم يمارسوها من قبل . هذه المسؤوليات لم تكن جزءًا من حياتهم الجامعية، لكنها أصبحت اليوم واقعًا يستهلك وقتهم وجهدهم ويؤثر في قدرتهم على مواصلة تعليمهم. ومع ذلك، بقي الإيمان بقيمة التعليم حاضرًا، لأن الفلسطيني والغزي يدرك أن إعادة بناء المجتمع لن تتحقق بالإسمنت وحده، وإنما بالعقول التي ستقود عملية البناء وكذلك حاجة للخلاص الفردى والجماعى.
أما ذاكرة المكان الجامعي، فهي من أكثر ما يثير الحنين لدى الطلبة. فالجامعة ليست جدرانًا وقاعات فقط، بل هي رائحة الكتب، وضجيج الساحات، والمقاعد التي اعتادوا الجلوس عليها، والمكتبة التي كانت ملاذًا قبل الامتحانات، والكافتيريا التي شهدت أحاديث لا تُنسى، والأساتذة الذين تركوا أثرًا في وجدانهم قبل عقولهم. وعندما دُمّرت هذه الأماكن، شعر كثير من الطلبة أن جزءًا من ذاكرتهم الشخصية قد انهار معها، وأن سنوات من العمر لم تعد موجودة إلا في الصور والذكريات.
إن طلبة جامعات غزة لا يحتاجون بعد الحرب إلى إعادة فتح الجامعات فحسب، بل إلى استعادة الإحساس بالأمان، وإلى دعم نفسي وأكاديمي يعوض ما فقدوه من سنوات وتجارب وفرص. فالحرب سرقت منهم وقتًا لا يمكن تعويضه، لكنها لم تستطع أن تنتزع منهم إيمانهم بأن العلم سيظل الطريق الأهم نحو الحياة و المستقبل. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لتجربتهم .
* أكاديمي وكاتب يقيم في غزة

