آراء

إطلاق النار في الأفراح... لماذا يحدث عندنا ويغيب في معظم المجتمعات الغربية؟

12 مشاهدة
إطلاق النار في الأفراح... لماذا يحدث عندنا ويغيب في معظم المجتمعات الغربية؟


الكاتب: د.بسام سعيد

يثير إطلاق النار في حفلات الأفراح و الزفاف أو احتفالًا بنجاح الأبناء في الثانوية العامة تساؤلات عديدة، خاصة أنه يتكرر  في مجتمعنا  الفلسطيني وبعض دول محيطنا العربى رغم ما يترتب عليه من حوادث مأساوية. وإذا تجاوزنا الإدانة الأخلاقية لهذا السلوك، وحاولنا فهمه من منظور علم الاجتماع وعلم النفس، فإننا نجد أن وراءه مجموعة من الدوافع المتداخلة.
يرى علم الاجتماع أن السلوك الإنساني لا ينشأ بمعزل عن البيئة والثقافة، بل يتشكل من خلال العادات والقيم السائدة. وفي هذا السياق، أصبح إطلاق النار عند بعض الأسر طقسًا اجتماعيًا متوارثًا، يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الاحتفال، حتى إن البعض يشعر بأن الفرحة ستكون ناقصة إذا لم يصاحبها إطلاق للأعيرة النارية. وهنا يصبح الفرد خاضعًا لضغط العرف الاجتماعي، فيمارس السلوك لأنه مألوف ومتوقع، وليس بالضرورة لأنه مقتنع به.
ومن زاوية أخرى، قد يحمل إطلاق النار دلالة رمزية تتجاوز التعبير عن الفرح، إذ يراه البعض وسيلة لإعلان المكانة الاجتماعية وإبراز الحضور والنفوذ داخل المجتمع المحلي. وكأن ارتفاع صوت الرصاص يعكس، في نظرهم، أهمية المناسبة ومكانة أصحابها، فيتحول الاحتفال إلى شكل من أشكال الاستعراض الاجتماعي ، وكأنك ذاهب إلى معركة وليس حفلة للفرح !
أما من المنظور النفسي، فإن إطلاق النار قد يمثل وسيلة لتفريغ الانفعالات القوية المصاحبة للفرح. فالإنسان عندما يعيش لحظة استثنائية يسعى إلى التعبير عنها بأقصى ما يستطيع، وقد يتخذ هذا التعبير أشكالًا صاخبة، خاصة في المجتمعات التي عاشت سنوات طويلة من الحروب والضغوط والحرمان، حيث تصبح المناسبات السعيدة نادرة، فيبالغ البعض في الاحتفاء بها وكأنهم يعوضون بها ما فقدوه من لحظات الفرح.
كما يمكن تفسير هذه الظاهرة في ضوء نظرية التعلم الاجتماعي، التي ترى أن الإنسان يكتسب كثيرًا من سلوكياته من خلال الملاحظة والتقليد. فالأطفال والشباب الذين نشأوا وهم يشاهدون إطلاق النار في كل مناسبة سعيدة، قد يعتبرون هذا السلوك أمرًا طبيعيًا، وينقلونه إلى الجيل التالي دون أن يتساءلوا عن مبرراته أو مخاطره. ويضاف إلى ذلك أن السلاح، في بعض البيئات، لم يعد مجرد أداة للدفاع أو الحماية، بل اكتسب معاني ثقافية ترتبط بالقوة والهيبة والرجولة، فأصبح حضوره في المناسبات الاجتماعية امتدادًا لهذه الرمزية.
وقد يتساءل البعض: لماذا لا نرى هذا السلوك منتشرًا في معظم المجتمعات الغربية؟ والجواب لا يتعلق باختلاف طبيعة البشر، فمشاعر الفرح واحدة في كل مكان، وإنما باختلاف الثقافة الاجتماعية ومنظومة القيم. ففي تلك المجتمعات يُنظر إلى إطلاق النار بوصفه سلوكًا يهدد سلامة الآخرين، وليس وسيلة للتعبير عن الفرح. كما أن التنشئة الاجتماعية تُعلّم الأفراد منذ الصغر أن الاحتفال ينبغي أن يراعي حقوق الآخرين وأمنهم، بينما تقوم القوانين بتطبيق عقوبات صارمة على كل من يعرض حياة الناس للخطر. لذلك أصبحت وسائل الاحتفال هناك تتمثل في الموسيقى، والتصفيق، والألعاب النارية المنظمة، أو التجمعات العائلية، دون أن يرتبط الفرح بإشهار السلاح أو استخدامه.
إن الفرق الحقيقي ليس في مقدار الفرح، وإنما في الطريقة التي يعبر بها المجتمع عنه. فالثقافة هي التي تحدد الوسائل المقبولة اجتماعيًا، وما يُعد رمزًا للفرح في مجتمع قد يُنظر إليه في مجتمع آخر على أنه تهديد للأمن العام.
ورغم أن هذه التفسيرات تساعدنا على فهم الظاهرة، فإنها لا تبررها. فالرصاصة التي تُطلق ابتهاجًا لا تميز بين المحتفل والمارّ، وقد تحوّل مناسبة سعيدة إلى مأتم. والمجتمعات الراقية ليست تلك التي تفرح أكثر، بل تلك التي تعرف كيف تفرح دون أن تدفع الأبرياء ثمن ذلك.

*أكاديمي وكاتب