الكاتب : شادي عياد
حين يهمس الأصيل في أذن الروح
وحين يغدو الصمت أغنى من كل صخب
يحتاج القلب إلى ملجأ يجد فيه نفسه
ملجأ بين ضوء الشمس وكروم العنب
حيث كل قطرة عطر وكل شعاع ذهب
يستعيد ما أفسده الزمن فينا
بين جفنات العنب… حين تهرب الروح من ضجيج الخراب لتجد فلسطينها الأولى
في زمن صار فيه الضجيج أعلى من الحقيقة
والوجوه أكثر لمعانًا من ضمائرها
والشعارات أكبر من أفعال أصحابها
يحتاج الإنسان إلى مكان ينجو فيه من هذا الخراب الصامت
وأنا كلما أثقلتني الأيام بما فيها من خيبات ومشاهد تُرهق القلب
أهرب إلى تلك الصورة التي تركها جبران خليل جبران معلقة في الوجدان
"هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب"
ليست الكرمة هنا شجرة فحسب
إنها وطن صغير
وهي أيضًا مرآة أخلاقية تكشف الفرق بين ما تمنحه الأرض بصدق وما يوزّعه بعض البشر من أوهام
حين أجلس بين جفنات العنب
أشعر أن فلسطين تعود إلى شكلها الأول
قبل أن تُثقّلها الحسابات
قبل أن يتعبها المتسلقون على وجعها
قبل أن تصبح هموم الناس اليومية مادة للخطابات بدل أن تكون أولوية للفعل
هناك في الأصيل الذي ينسكب ذهبًا على العناقيد
تستعيد الأرض لغتها الحقيقية
لغة الفلاح
لغة التعب الشريف
لغة الأمهات اللواتي خبزن الصبر لأجيال
ولغة الرجال الذين حفظوا معنى الوطن في عرقهم اليومي
في تلك اللحظة أفهم أن مشكلتنا لم تكن يومًا في الأرض
فالأرض أوفى من الجميع
ولا في الشعب الذي ما زال يحمل وطنه في قلبه رغم التعب
بل في ذلك التشوّه الذي أصاب بعض العقول
حين صار المنصب عند البعض سلّمًا للنفوذ لا وسيلة للخدمة
وحين تاهت البوصلة الأخلاقية في زحام المصالح
فأصبح المواطن يدفع من روحه ثمن كل خطأ
ومن يومه ثمن كل تأخير
ومن أمله ثمن كل حساب ضيّق
ومع ذلك لا أفقد الإيمان
فالكرمة التي تصمد في وجه الريح
وتمنح ثمرها بصمت
تقول لنا إن هذا الوطن ما زال قادرًا على أن يثمر رجالًا أنقياء
وأفكارًا أكبر من المصالح
ومرحلة تعود فيها فلسطين إلى معناها الأول
بيتًا للناس لا عبئًا عليهم
من بين جفنات العنب
أرى رام الله تغتسل بضوء المساء
وأرى القدس ترفع وجعها إلى السماء كصلاة
وأرى الخليل تحمل في كرومها ذاكرة الصبر
وأرى نابلس تفوح منها رائحة التاريخ والكرامة
وأرى جنين تنبت من ترابها إرادة لا تنكسر
وأرى بيت لحم تمشي على مهل كترنيمة ميلاد أبدية
وأرى أريحا تهمس للنخيل بأسرار البدايات الأولى
وأرى طولكرم تعانق سهولها الخضراء كأم تحفظ أبناءها
وأرى سلفيت ترفع زيتونها عاليًا كأنها راية الصمود
وأرى غزة تخرج من الرماد كقصيدة لا تموت
وأرى يافا تفوح منها رائحة البحر والبرتقال والحنين
وأرى حيفا تتكئ على زرقة الموج كعروس لا يبهت جمالها
وأرى عكّا تحفظ في حجارتها صدى التاريخ وصلابة البحر
وأرى كل شبر من هذه الأرض يهمس لنا
إن الخراب ليس قدرًا
وإن القبح مهما طال لا يستطيع أن يهزم الجمال
لهذا أكتب
أكتب لأنني أرفض أن يصبح اليأس ثقافة
أو أن تتحوّل خيبات الناس إلى أمر عادي
أكتب لأن فلسطين تستحق وجوهًا تشبه كرومها
صادقة، مثمرة، ومتجذرة في التراب لا في المصالح
هنا بين جفنات العنب لا أجد راحتي فقط
بل أجد فلسطين التي نحلم بها جميعًا
فلسطين الصدق والعدل والجمال والإنسان
فإن عادت الروح إلى صفائها عاد الوطن إلى نوره.



