الكاتب : اياد أبو روك
بصراحة لم يعد الإنسان يعرف من أين يبدأ الكلام. كل يوم نستيقظ على خبر جديد عن قصف أو بيت يهدم أو عائلة انتهت بالكامل أو أطفال خرجوا من تحت الركام أحياء أو شهداء. المشهد أصبح يتكرر بطريقة مؤلمة إلى درجة أن الكلمات نفسها لم تعد تكفي لوصف ما يحدث. لم أعد أريد أن أكتب من زاوية السياسة ولا من زاوية التحليل لأننا تعبنا من التحليلات والتفسيرات. كل يوم نسمع تبريرات جديدة وكل يوم نسمع روايات مختلفة لكن في النهاية الذي يدفع الثمن هو نفس الإنسان البسيط الذي لا علاقة له بطموحات المنطق الصهيوني في استمراريه وحشيته .
من غزة التي عاشت وما زالت تعيش أقسى الظروف إلى لبنان الذي بدأ يعيش مشهدا مشابها بشكل يوجع القلب نحن أمام صورة واحدة تتكرر. بيوت مهدمة. شوارع خالية إلا من سيارات الإسعاف. أطفال خائفون. أمهات يبكين. رجال يقفون عاجزين أمام بيوت تحولت إلى حجارة. هذا هو الواقع الذي يراه الناس بعينهم. لا يحتاج إلى تفسير ولا إلى تحليل. يكفي أن ترى صورة طفل يجلس أمام منزله المدمر حتى تفهم حجم الكارثة.
السؤال الذي أصبح يتكرر في ذهن كل إنسان عادي هو ماذا تريد إسرائيل بالضبط. ماذا تريد من كل هذا الخراب. ماذا استفادت من كل هذا القصف والدمار والخوف الذي زرعته في المنطقة. هل المطلوب أن يعيش الناس دائما في رعب. هل المطلوب أن تتحول المدن إلى أماكن غير قابلة للحياة. هل المطلوب أن يكبر الأطفال وهم لا يعرفون معنى الأمان.
من واقع الحياة اليومية إذا سألت أي أب أو أي أم ما الذي يريده في هذه الحياة سيقول لك أريد بيتا آمنا لأولادي. أريد أن يذهبوا إلى المدرسة ويعودوا سالمين. أريد أن أنام من غير أن أخاف من صوت انفجار في منتصف الليل. هذا هو الأمن الحقيقي الذي يفهمه الناس العاديون. لكن كيف يمكن الحديث عن الأمن بينما هناك مدن كاملة تعيش تحت القصف والخوف.
المشكلة أن كل هذا الدمار لا يمكن أن يصنع أمنا لأحد. بالعكس تماما. كل بيت يُهدم يترك وراءه عائلة مكسورة. كل طفل يرى هذه المشاهد يكبر وهو يحمل خوفا وغضبا وألما في داخله. كل أم تفقد ابنها لن تنسى. كل أب يرى بيته ينهار لن ينسى. هذه أمور من واقع الحياة لا يستطيع أحد أن يمحوها بسهولة.
أنا لا أتكلم هنا عن كلمات كبيرة ولا عن فلسفة ولا عن نظريات. أتكلم عن الواقع الذي نراه كل يوم. إنسان فقد ابنه. أم فقدت أبناءها. طفل يسأل أين بيتي. عائلة تنام في الشارع أو في مدرسة أو في ملجأ. هذه الصور لا تختفي بسهولة من ذاكرة الناس.
ومن هنا يأتي السؤال المهم. هل إسرائيل لا تفكر ماذا سيبقى من صورتها أمام العالم. هل لا تخاف أن يكبر جيل كامل وهو لا يرى فيها إلا صورة الدمار والقسوة. السمعة التي تُبنى على الخوف والدمار ليست سمعة قوة بل سمعة قسوة. الناس في النهاية تتذكر ماذا فعلت في الأرض وماذا تركت وراءك.
لو كانوا يعتقدون أن هذا الطريق سيمنحهم الاستقرار فهم مخطئون. لأن الاستقرار لا يأتي من القصف ولا من تدمير المدن. الاستقرار يأتي عندما يشعر الناس أن هناك عدالة وأن هناك إنسانية وأن هناك حياة ممكنة للجميع. أما أن يُبنى الشعور بالأمان لطرف واحد على خوف الطرف الآخر فهذا ليس أمانا بل هو تأجيل لأزمة أكبر.
من واقع الحياة الناس لا تنسى. الإنسان قد ينسى الكلمات لكن لا ينسى مشهد بيته وهو يسقط ولا ينسى صراخ أطفاله ولا ينسى اليوم الذي فقد فيه عائلته. هذه الأمور تبقى مع الإنسان طوال عمره.
لهذا ما يحدث اليوم لا يمكن أن يُفهم على أنه طريق نحو الأمان. بالعكس هو يزرع ألما جديدا كل يوم. يزرع خوفا في قلوب الناس. يخلق جيلا كاملا عاش على أصوات الحرب بدلا من أصوات الحياة.
في النهاية الإنسان العادي يسأل سؤالا بسيطا جدا ويتكرر دوما وانا هنا أكرره في مقالي ليتناغم مع ما ذكرت . ماذا تريدون أكثر من كل هذا. ماذا بقي لم يُهدم. ماذا بقي لم يُخَف. وماذا سيبقى في ذاكرة الناس سوى صور البيوت المهدمة والأطفال الذين دفعوا الثمن وهم لا ذنب لهم في كل ما يجري.
ومن شدة ما وصل إليه هذا المشهد من قسوة بات الإنسان يقارن بين ما يراه في الواقع وبين أبسط صور الطبيعة. حتى الحيوان في البرية حين ينقض على فريسته يأخذ ما يكفيه ثم يبتعد ويأخذ استراحة بعد أن يشبع. أما نتنياهو وزمرته فالمشهد يبدو معكوسا تماما. كلما سُفكت دماء أكثر بدا وكأن التعطش يزداد. كلما زاد الخراب زادت الرغبة في مزيد من الخراب. وكأن الدم لم يعد وسيلة بل أصبح غاية بحد ذاته.
وهنا تقف الكلمات عند حكمة مرة لكنها صادقة.
حتى الحيوان يشبع فيهدأ أما من أدمن الدم فلا يشبع إلا حين يفقد آخر ما تبقى من إنسانيته وهكذا يستمر أسلوب الصهيونية الجديدة. .



